فشل ترامب في دوره قائدا أعلى للقوات المسلحة
03 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
03 يونيو 2026
مع كل شهر يمر في رئاسته يسلك دونالد ترامب في أمريكا مسلك (حراميها) لا (حاميها).
كيف ذلك؟ أحصي لكم مظاهر الأمر وأشكاله. نحن اليوم أمة في حرب، ولنا آلاف من القوات منتشرة على مقربة من إيران. وقد جرت العادة عموما عندما تكون أمتنا في حرب على أن تكون الأولوية المحلية الأولى للقائد الأعلى للقوات المسلحة هي أن يحفظ للبلد وحدته؛ إذ لا شيء أشق على روح القوات الأمريكية المعنوية المحاربة بالخارج من أن ينظروا وراءهم، فيجدوا أن بلدنا يمزق أوصاله بالداخل. ولا شيء يجعل العدو أشد اجتراء على التمسك بأفضل الشروط لإنهاء حرب مع أمريكا من رؤيته أمريكا وهي في حرب مع نفسها.
فكيف كان أداء ترامب لواجب القائد الأعلى التوحيدي؟ لم يبذل أي جهد للحصول على تأييد الديمقراطيين للحرب، بل جعل أولويته سلوك مسلك اللص الأعلى؛ ففي الوقت الذي يطالب فيه ترامب قواتنا بتقديم أقصى التضحيات انهمك هو في محاولة سافرة وقحة للاستيلاء على الخزانة الأمريكية لنفسه ولأسرته ولحلفائه السياسيين. وقد يكون منهم أولئك الذين هاجموا مبنى الكابيتول الأمريكي في السادس من يناير سنة 2021. ومن المشين أن بعض أخلص أنصاره في الحزب الديمقراطي لم يستطيعوا تقبل ذلك.
تآمر ترامب مع وزارة عدله التي يرأسها محاميه الشخصي لاستعمال أموال دافعي الضرائب في تكوين صندوق أسود سياسي بقيمة 1776 مليار دولار يفترض أن يعوض بها أنصاره الذين «عانوا من تسليح القانون والحرب القانونية» على يد سلفه. وواقع الأمر مثلما أشار مجلس تحرير صحيفة نيويورك تايمز هو أن الصندوق سوف يستعمل «لمكافأة الأنصار العازمين على تحدي القانون، وممارسة العنف بالنيابة عن الرئيس».
ومن حسن الحظ أن قاضيا فيدراليا قد أوقف مؤقتا هذا المخطط الذي لم يصفه أحد وصفا أفضل من وصف زعيم الأغلبية الجمهورية السابق في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل حين قال: «هل المسؤول الأعلى عن تنفيذ القانون في البلد يطلب صندوقا أسود لتمويل من يهاجمون الشرطة؟ هذا إما غباء مطلق وإما خطأ أخلاقي، فاختاروا أنتم وصفه». وفي مواجهة كل هذه المعارضة أشار ترامب إلى عزمه على التراجع عن مخططه الرهيب، لكنني لن أصدقه في ذلك إلا حينما أرى هذه المناورة فاحشة الفساد القائمة على المصلحة الشخصية وقد ماتت ودفنت.
لو أن لدى ترامب ذرة من النزاهة فبدلا من التخطيط لتخصيص 1776 مليار دولار من المحتمل أن يدفعها لأولئك المدافعين الزائفين عن جبهة الحرية -وما هم غير أنصار له اعتدوا على الكونجرس- كان ينبغي أن يوجه الكونجرس إلى إنفاق هذا المبلغ نفسه على المدافعين الحقيقيين اليوم عن جبهة الحرية: أي الجيش الأوكراني. فيكون ذلك في آن واحد مقاومة لمحاولة فلاديمير بوتين سحق الديمقراطية الأوكرانية، ونيلا من قدرة روسيا على تهديد بلاد حرة أخرى في أوروبا. وليبارك الله مقاتلي أوكرانيا.
لكن المؤسف أن ترامب في ما يبدو لا يريد المال إلا لمن حاولوا الإطاحة بالدستور في الداخل، لا لمن يحاولون تقليد ديمقراطيتنا الدستورية في الخارج.
فضلا عن أن وزارة العدل بتوجيه من ترامب أدرجت في هدوء مع صفقة ذلك الصندوق الأسود ملحقا بوثيقة من صفحة واحدة وقعها القائم بأعمال النائب العام تود بلانشيه تنص على «منع الحكومة نهائيا من المقاضاة أو التحقيق» في أي مزاعم ضريبية معلقة تخص ترامب أو أسرته أو شركاته. ولا نعرف بعد ماذا سيكون مصير هذا الإجراء.
للرئيس ترامب لقب آخر يشير إلى تحدياته الأخلاقية، وذلك هو «التاجر الأعلى» حسبما اقترحت وكالة أنباء أسوشييتد بريس أخيرا. لماذا؟ لأن «الرؤساء في الزمن القريب كانوا ينأون عن العمل في أسهم الشركات التي يمكنهم أن يرفعوا قيمتها أو يخفضوها بجرة قلم، لكن دونالد ترامب حطم هذا العرف في الربع الأول من العام الحالي بأكثر من ثلاثة آلاف وستمائة أمر شراء وبيع يتعلق كثير منها بشركات تأثرت أرباحها تأثرا مباشرا بقراراته بوصفه رأسا للحكومة» بحسب ما كتبت أسوشييتد بريس.
يبلغ متوسط ذلك خمسين معاملة يوميا في أسهم بعضها لشركات توريد عسكري تأثرت بحرب إيران. ولقد قال ريتشارد بينتر مستشار البيت الأبيض للشؤون الأخلاقية في إدارة جورج دبليو بوش لأسوشييتد بريس: «إنه لو كان وزيرا لدفاع لكانت هذه جريمة. يحق له قانونيا أن يفعل هذا، لكنه خرق جسيم للثقة».
ولم يكتف ترامب بمنع جميع المساعدات المالية الأمريكية تقريبا لأوكرانيا، لكنه يخفض أيضا القوات الأمريكية المرتكزة في بلاد الناتو في الوقت الذي يعمد فيه بوتين -وقد استشعر أنه يخسر الحرب- إلى زيادة تهديده لهذه البلاد.
وإذ شرع الأمريكيون في إدراك أن ترامب يتحول إلى خطر على نظامنا -بمحاولة التلاعب بنظام العدالة لتوفير المال لقراصنته في السادس من يناير، ولتحصين نفسه وأسرته من التحقيقات الجارية في الضرائب-؛ فإن حلفاءنا يخلصون إلى أن أمريكا في عهد ترامب تتحول إلى خطر عليهم.
والحق أن شيئا يجري لدى حلفاء أمريكا التقليديين ما كنت أتصور أن أراه في حياتي أو الحياة التالية؛ ففي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية كنا نحن وحلفاؤنا نتبنى مبدأ «الردع» في مواجهة الاتحاد السوفييتي، ثم في مواجهة روسيا؛ لمنع أي محاولة من الكرملين لتوسيع نفوذه بالقوة في العالم الحر أو لقهر جيرانه.
وانتهى هذا؛ فقد رأى حلفاؤنا تهديد ترامب بتحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، والاستيلاء على جرينلاند من الدنمارك، ورأوه وهو يبدأ حربا مع إيران دونما استشارة للناتو، ثم مطالبته الناتو بالمساعدة في إنقاذنا من الفوضى التي آلت إليها الأمور، ورأوه وهو يخفض الدعم المالي الأمريكي لمساعدة أوكرانيا، ويساوي أخلاقيا بينها وبين المعتدي الروسي، ثم يأتي فوق ذلك كله برسوم جمركية متهورة غير مدروسة يفرضها على حلفائنا.
ومن جراء ذلك كله يجري شيء غير مسبوق؛ إذ قال لي نادر موسوي زاده الرئيس التنفيذي لشركة «ماكرو أدفيزوري بارتنرز» للاستشارات الجيوسياسية، والمستشار السابق للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان: إن «ردع أمريكا الترامبية يتحول الآن إلى أولوية استراتيجية لدى حلفائنا بقدر ما كان ردع روسيا من قبل».
وكيف لا؟ ومن يرى كيف انهال ترامب بالرسوم الجمركية على كندا يصعب عليه ألا يخلص إلى أن أسوأ وضع لبلد خلال فترة إدارة ترامب الثانية هو أن «يكون أقرب حليف لأمريكا، وله اقتصاد وأنظمة طاقة وجيش تتكامل مع نظائرها لدى الولايات المتحدة» مثلما قال موسى زاده. وأضاف أن الجميع يرون الآن أن ترامب قد «يسيء استغلال اعتماد أي بلد على أمريكا، ويستعمله في انتزاع كل ما في وسعه بأسوأ تعريف تكتيكي مصلحي للقوة الأمريكية».
ولا عجب في أن أعضاء الناتو الأوروبيين -ألمانيا والسويد وفرنسا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة- قد عمدوا جميعا بعد تصعيد ترامب خطابه حول الاستيلاء على جرينلاند إلى إعلان خطط لإرسال وحدات عسكرية صغيرة إلى جرينلاند دعما للدنماركيين.
وقد أشار دانيال فريد -سفير الولايات المتحدة السابق لدى بولندا- في مقالة لمجلس الأطلنطي إلى أنه برغم محاولة حلفاء الناتو أولئك أن يضعوا خطوتهم تلك في إطار ضرورة تعزيز الأمن القطبي الشمالي؛ فإنهم «استعملوا أيضا كلمة «الردع». وحينما يتكلم الأوروبيون بهذه اللغة عن الولايات المتحدة -ولو ضمنيا- نكون قد وصلنا إلى نقطة منخفضة، لكنها ضرورية».
ولا يجب أن ننسى أن ترامب أرغم أوكرانيا منذ وقت مبكر على إعطاء الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الحيوية في مقابل مساعدتها ضد الجيش الروسي الرامي إلى الاستيلاء عليها. وهذا هو «مبدأ ترامب» الحقيقي: من يعارض أمريكا أفرض عليه رسوما، ومن يعتمد على أمريكا أبتزه.
كان الرد المنطقي الوحيد من جانب حلفائنا هو محاولة «الردع والتنويع» حسبما انتهى إليه موسى زاده. وفي حال استمرار ترامب في نهجه طوال سنواته الأربع؛ «فما بوسع قائد بلد من بلاد الناتو أن يوافق موافقة مسؤولة على درجة الاعتماد على التكنولوجيا وأنظمة الدفاع والتمويل الأمريكية» التي دأبت بلاد الناتو فيما مضى على اعتبارها أمرا مسلما به.
لقد كنت الأسبوع الماضي في البرتغال، وأذهلتني درجة حديث الرؤساء التنفيذيين للشركات الأوروبية عن فقدان الثقة في المؤسسات الأمريكية وأمريكا باعتبارها ضامنة للأعراف القانونية العالمية، وهو ما كانوا يعدونه دائما من المسلمات. وهذا وضع مربك لهم جميعا كأنهم رحالة فقدوا البوصلة. باختصار؛ وجود رئيس يسلك مسلك اللص الأعلى -لا القائد الأعلى- يكلفنا الكثير داخليا وخارجيا. وهذا الزيغ عن طبيعة الرئاسة الأمريكية يقوض بنية التحالف التي انتصرت في حربين عالميتين وحرب باردة، وأثمرت أطول عصور السلام والازدهار في التاريخ. وكل يوم نتسامح فيه مع هذا السلوك نخاطر فيه بمستقبل أبنائنا.
