النهايات المفتوحة..
29 مايو 2026
29 مايو 2026
يعمد مؤلفو القصص والروايات، وصناع الأفلام إلى وضع نهايات مفتوحة لأعمالهم الأدبية والفنية التي تنشر عبر شاشات التلفزة، ويبدو أن ذلك مقبول، حيث تنتهي القصة دون أن يعي المتابع النهاية للأحداث، وكنا نستمع؛ أيضا؛ إلى المعلقين «النقاد» أن على المشاهد أن يختار النهاية التي يريدها واضع القصة، وأن النهايات المفتوحة؛ غالبا؛ تترك الكثير من الأسئلة التي يطرحها من تابع القصة عبر حلقات متعددة كالمسلسلات، أو عبر تسلسل زمني قصير كالأفلام، وكان هذا الأمر مقبولا قصرا، أو بحكم العادة، ولكن ما لم يكن مقبولا على الإطلاق أن تظل كل قصص الحياة،
وكل المواقف تحمل هذه الثيمة «نهاية مفتوحة» وخاصة تلك الممارسات التي يأتي بها الإنسان سواء في علاقاته مع الآخر، أو فيما يخصه هو من سلوكيات، وممارسات، لأن الحالة هذه «نهاية مفتوحة» تنبئ عن نتائج خطيرة، تؤدي بالإنسان إلى مهاوي الردى، حيث لا تجبره قيود، ولا يستسلم لنظام، ولا يضع للعواقب نهايات محددة، وهذا مما ابتلي به كثير من الناس، سواء بقصد أو بغير قصد، وخاصة للإنسان الذي يستمرئ الخطأ ويرى فيه العمر القصير، مع أن معانقة الأخطاء واستسهال أمر نتائجها يؤدي؛ بلا جدال؛ إلى نتائج قابلة لتراكم العواقب، فهل هناك من عاقل يقبل بذلك؛ مع خطورة النهايات؟
ومع خطورة ذلك، يظهر أن هناك ثمة علاقة تضادية بين النهايات المفتوحة والحسابات المقفلة؛ والحسابات المقفلة في هذا المعنى ليست تلك الحسابات الـ«التجارية» وهو نظام معروف، ولكن؛ أذهب هنا إلى الحسابات الذاتية المتعلقة بالفرد مع نفسه، والحسابات الاجتماعية أو الإنسانية؛ وهيا المتعلقة بالفرد مع من حوله في الوسط الذي يعيش فيه، فحدوث خصومة ما بين طرفين -سواء أفرادا أو مجموعات- أمر شائع ومتوقع ومقبول، ولكن؛ غير المقبول أن تظل حسابات الربح والخسارة التي تمخر في نفوس الطرفين، وهي حسابات «مفتوحة» هي التي يجب أن تغلق، وأن لا تظل مفتوحة، لأن إغلاقها وقف الشرور والآثام، ومختلف التداعيات الخلقية السيئة، وهي ما تزلزل كيانات المجتمعات الإنسانية؛ خاصة في جانبها الاجتماعي المطلق، وهي من الأسباب التي تقوض تماسك المجتمعات، وتعاون الأفراد، وتكافلهم في مختلف شؤون الحياة اليومية، فالنهايات المفتوحة في هذا الجانب بالذات خطر جسيم، ويظل الأفراد هم من يدفعون ثمن تداعياته؛ عندما لا ينتبه إليه، ولذلك فمن الرحمة أن تجد هناك من يجبر الخواطر ولا يكسرها، وقد يبذل مقابل تحقيق ذلك الكثير من الجهد والمال، وهذه الصورة وإن كانت قليلة؛ لكنها مؤثرة ولها نتائج طيبة.
يقال: «إن الأمر كلما ضاق اتسع؛ وكلما اتسع ضاق»، يذهب المعنى هنا؛ أكثر؛ إلى الأحكام الشرعية، ولكن في الفكرة التي نتحدث عنها هنا، يجب تضييق النهايات المفتوحة المتعلقة بكثير من الممارسات والسلوكيات، واتساع القيود المحيطة لكثير من السلوكيات؛ وخاصة تلك التي لا تتوافق مع تقنين العلاقات بين الناس، أو تقنين الممارسات الذاتية التي يقوم بها الفرد نفسه، فخطورة الاتساع، أكثر من خطورة التضييق، فكم من أناس تركوا لأنفسهم أعنتها بدون قيود، أوردتهم هذه الأنفس إلى مآوي الهلاك، والندم -بعد ذلك- لا يسترجع قيما إنسانية كانت قبل ذلك على قدر كبير من الاحترام والتقدير والتبجيل «والنفس راغبة إذا رغبتها؛ وإذا ترد إلى قليل تقنع».
ومن المفاهيم التي يمكن الاستناد عليها هنا؛ أيضا؛ المفهوم الذي يشير إلى استحالة الرؤية بـ «زاوية 360°»، وهو ما يذهب إلى محدودية الرؤية مهما بلغ الإنسان مبلغ التمكن، سواء بجهده أو بمساعدة غيره، وذلك لتعدد الزوايا التي ننطلق منها إلى تقييم الأشياء من حولنا واختلاف نظرتنا، ويعود تعدد هذه الزوايا إلى كثير من الأبعاد: بعضها نفسية، وبعضها الآخر مادية، تضاف إلى ذلك خبرة الحياة، واتساع الإطلاع، والمعرفة، ومستويات العمر، فلهذه كلها حسابات دقيقة، لا يمكن تجاوزها عند التعاطي مع كل شيء من حولنا، وكما يقول أحدهم: «ما تراه مني.. أنت من اخترت أن تراه !» أي من زاويتك الضيقة، وهذا يؤكد الفكرة ذاتها استحالة الرؤية بـ«زاوية 360°»، وبالتالي فـ«النهايات المفتوحة» يجب أن لا تكون على اتساع الرؤية أو الطموح.
