اقرأ حتى وإن كنت تغرق!
في البدء سننطلق من مقولة شهيرة تقول: "شيئان يغيران نظرك للحياة.. الكتب التي تقرؤها، والأشخاص الذين تقابلهم".
سنترك النظرة الثانية ونهتم بالأولى لأنها صميم هذا المقال، فبعض التفاصيل الصغيرة عند دراستها والتركيز عليها تمكننا من فهم فحواها العميق جيدا، فليس كل شيء غير معقول أو لا يصدق "لا فائدة منه"، فالرمزية التعبيرية لها قيمتها في الفكر الإنساني على امتداد التاريخ.
لذلك وجدت العديد من الأمثلة على ذلك، ففي فنلندا على سبيل المثال هناك تمثال يحمل عنوان: "اقرأ حتى وإن كنت تغرق"!، استوقفتني الصورة التي بدأ فيها ذلك الرمز وأنا أقلب إحدى الصفحات الإلكترونية التي نشرت خبرا حول ذلك التمثال.
قد يستغرب البعض من تلك العبارة -كما حدث معي ذلك-، ولكن عند البحث والتقصي في تفسير مغزى ما كُتب، وجدت نفسي أدخل في سجال طويل حول الرمزية التي يرنو كاتبها لتعريف الناس بالقراءة وأهميتها للإنسان على وجه الأرض، خاصة أن ذلك المعلم البارز في فنلندا أصبح أحد الأماكن السياحية التي يقصدها الزوار سنويا والذي يثير تساؤلات ويطرح رؤى مهمة حول القراءة وأهميتها.
في إحدى الجلسات النقاشية التي جمعتني مع بعض الأصدقاء، عرضت ما كان قد أدهشني رؤيته في ذلك التمثال، وتحدثت عن وجهة نظري وقراءتي لذلك المشهد الذي لا يتكرر كثيرا في العالم رغم أن المعالم القرائية كثيرة وأسلوب التعريف عنها أيضا جمة.
أحد الجالسين من حولي أصر على رأيه بان "من يقرأ لا يغرق" دون أن يسرد بقية التفاصيل بل اكتفى بما قال!.
أما شخص آخر فسّر العبارة بأنها تعني: "القراءة سر تقدم الأمم ورقي الشعوب منذ أن عرف الإنسان القراءة والكتابة وكأنها رفيق دائم من الحياة إلى الموت".
وبعد سجال طويل اتفقنا على أن "نتفق هذه المرة"، ونؤكد جميعا على أن القراءة ليست مرتبطة لا بعمر إنسان أو مكان وجوده في الحياة، فالبعض يقول: "نَهم القراءة سيأتيه عندما يخرج إلى دكة التقاعد"، ودلل على نظرته بأن تلك المرحلة هي من ستمكنه من فعل الأمور التي لم يكن يستطيع عملها بسبب مشاغله، فالتقاعد سيمنحه الوقت في إنجاز بعض المهمات المؤجلة مثل السفر والقراءة، إذ لن يكون أمامه عمل آخر يقوم به سوى الاطلاع لقتل وقت الفراغ الذي سيعيش فيه في تلك المرحلة!.
وهذه نظرة أعتقد بأنها سوداوية بعض الشيء، ولم ترق لفكري على اعتبار أنها مفردة" خاطئة تماما" ومرتبطة بالوقت وهو ما يتنافى مع ما قلناه سابقا وشددنا عليه بأن القراءة ليست مرتبطة بعمر زمني أو وظيفة محددة!.
نفر من الجالسين قال: المنزل هو مكانه المفضل للقراءة وحصر نفسه في زاوية محددة يمكن ألا يخرج من نطاقها بسهولة، وهذه أيضا نظرة أخرى "خاطئة"، فالقراء الجيدون لا ينتظرون وصولهم إلى بيوتهم حتى يشرعوا في القراءة، فنحن نرى الكثير من الناس تقرأ في وسائل المواصلات، وفي المقاهي، والحدائق، وفي الاستراحات وغيرها من الأماكن العامة.
إذن الشروع في القراءة لا علاقة له بالمكان، ما دام هناك رغبة حقيقية لتحصيل الفائدة، ولذا نحن مع القائل: "القراءة هي أن تذهب بعقلك ومشاعرك خارج حدود المكان والزمان، فهي تمنحك مكانا آخر وحياة أخرى للتجربة".
يقول الكاتب والمفكر السوري البارز الملقب بـ "شيخ الناشرين" محمد عدنان سالم: "إن الشعب الذي لا يقرأ، لا يستطيع أن يعرف نفسه، ولا أن يعرف غيره". مضيفا: "القراءة هي التي تقول لنا: هنا وصل العالم من حولكم. من هنا يجب أن تبدأوا؛ لكي لا تكرروا الجهود التي سبق أن بذلها الآخرون، ولا تعيدوا التجارب التي مروا بها، ولا ترتكبوا الأخطاء التي ارتكبوها".
ندرك بأن تسارع الحياة والمشاغل والالتزامات قد تغير من اتجاهات البشر، وتجعلهم يظهرون أسلوبا مختلف عن توجهاتهم خاصة فيما يتعلق بالقراءة والاطلاع، إلا أن القراءة تظل ذلك الشيء الذي لا غنى عنه في الحياة، فالثقافة هي من تمنح الإنسان بعدا إنسانيا وفكريا يمكنه تفسير المتغيرات التي تنشأ من حوله ثم يدور في فلكها كطاحونة تولد الكثير من الفوائد، فلولا القراءة لما عرف الإنسان معنى التقدم الحضاري والتكنولوجي.
