دردشة على هامش القمة الصينية- الأمريكية
13 مايو 2026
13 مايو 2026
القمة الصينية الأمريكية المنعقدة في بكين بين الرئيس الصيني شي والأمريكي ترامب هي بلا شك قمة القمم كونها تنعقد بين أقوى اقتصادين في العالم وفي سياق دولي يحتل فيه الاقتصاد المرتبة الأولى في نسق القضايا ذات الأولوية القصوى عالميا.
كان من المقرر عقد القمة أواخر مارس الماضي وتم تأجيلها حينئذ بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجاء طلب التأجيل من الجانب الأمريكي بسبب اشتغاله بالحرب التي كان الرئيس ترامب يتوقع أن تحسم في غضون أسابيع قليلة لصالح أمريكا ثم يذهب منتصرا إلى بكين وفي يده ورقة ضغط على الجانب الصيني بجانب أوراق أخرى مثل التعريفات الجمركية تضمن له وضعا مريحا على طاولة محادثاته مع الصين.
لكن وكما هو معلوم لم تأتِ رياح الحرب بما تشتهي سفن ترامب، بل على العكس، فقد ازداد الوضع سوءا على سوء حيث لم يستطع ترامب تحقيق أيا من أهداف الحرب المعلنة حتى الآن على الأقل، فضلا عن تورطه في تعقيد أزمة مضيق هرمز بفرضه الحصار على الموانئ الإيرانية وما سماه بمشروع الحرية، مما زاد من إحكام الخناق على حركة الملاحة عبر المضيق وأصابها بالشلل التام وما ترتب على ذلك من آثار سالبة على الاقتصاد العالمي تأثر به الداخل الأمريكي نفسه بارتفاع أسعار الوقود والسلع.
يخوض الرئيس ترامب مباحثاته مع الجانب الصيني وعلى عاتقه مسؤولية إحكام إغلاق المضيق يتحملها مناصفة مع إيران، ويجلس لمائدة المحادثات مع الجانب الصيني وهو عالق في متاهة شائكة مع إيران لا يعرف كيف السبيل للخروج منها بسلام ودون خسائر.
وبهذه الوضعية الضعيفة يكون ترامب قد فقد ورقة الضغط الإيرانية التي كان سيشهرها في وجه الصين ويجني من ورائها مكاسب معتبرة فيما يتعلق بعلاقات بلاده التجارية معها، وفي الوقت نفسه تقليص النفوذ الجيوسياسي للصين عالميا وإقليميا، وملء الفراغ بتمدد أمريكي يحقق له وضعية جيدة ظل يسعى لتحقيقها منذ ولايته الأولى.
وعلى العكس تماما لما أراده ترامب لم يفقد ورقة الضغط الإيرانية فحسب بل أصبحت ورقة ضغط عليه هي الآن في يد الصين.
فالحالة الراهنة من عدم اليقين التي تكتنف الموقف الأمريكي وحالة «لا حرب» و«لا سلم» السائدة الآن على صعيد الحرب مع إيران من شأنها أن تربك أجندة ترامب في مواجهة الأجندة الصينية وبالتالي تضعف موقفه على طاولة المحادثات، وإذا أضفنا إلى ذلك نجاح الصين في إفشال خطة ترامب الخاصة بالرسوم الجمركية والتي حولتها الصين بما يشبه «الهجمة المرتدة» في كرة القدم استطاعت بها إحراز هدف ذهبي في المرمى الأمريكي بركلة عكسية تمثلت بفرض قيود على تصدير المعادن النادرة المستخدمة في التكنولوجيا الصناعية العسكرية الأمريكية مما أدى لتعثر هذه الصناعة وخروج عدد من المصانع عن الخدمة بعد وقت قصير من فرض القيود الصينية. إذا ما أضفنا هذا إلى الوضعية الأمريكية المتأرجحة على صعيد الحرب مع إيران فإن ذلك سيعطي الصين مساحة أوسع للمناورة على طاولة المحادثات ويكسبها القدرة على المحافظة على الأقل على تفوقها الحالي في علاقاتها الاقتصادية مع أمريكا هذا إن لم تضيف مزيدا من التفوق بسبب بوادر الاختلال الحادث في الاقتصاد الأمريكي نتيجة حرب الاستنزاف التي وجدت أمريكا نفسها عالقة فيها نتاج حسابات خاطئة.
يجلس الوفد الأمريكي إلى الوفد الصيني وهو مشتغل بكيفية الحصول على دعم الصين ـ بلا مقابل ـ بما لها من نفوذ على إيران للضغط عليها لإعادة فتح مضيق هرمز وتخليصها من هذا القيد دون أن تبادر واشنطن بالخطوة.
وهو أمر ممكن حدوثه ولكن ليس بلا مقابل كما تأمل واشنطن، فالصين يمكنها التأثير على شريكتها التجارية إيران بسهولة ولكن عبر صيغة اتفاق يتضمن تنازلات جوهرية من جانب أمريكا فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وفك الحصار على الموانئ الإيرانية ولا تمانع إيران في قيام الصين بهذا الدور ما دامت هي الضامن؛ حيث تنعدم الثقة تماما من جانب طهران تجاه واشنطن. وهذا إن حدث يعطي قوة إضافية للموقف الصيني في المحادثات مع الجانب الأمريكي وبالتالي وبهذا الفهم يمكن أن تكون الصين مفتاح حل الأزمة الراهنة بشقيها الخاص بالمضيق وبالبرنامج النووي.
آفة المفاوضات الإيرانية الأمريكية يتمثل في ذلك الحاجز السميك من عدم الثقة المتبادل والذي كان السبب في تعسر جولاتها المختلفة، حيث بات من المستحيل استئنافها بشكل مباشر وبسلاسة، كما يعزز من تأزم هذه الحالة العنف اللفظي الذي يستخدمه الرئيس ترامب في حق الإيرانيين والذي يبدو كأنه ممنهج ومقصود لذاته.
ومن المرجح أن تستغل الصين حالة الضعف التي يمر بها ترامب بخصوص موقفه الداخلي الخاص بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، والتراجع المتزايد في شعبيته بين الناخبين وسعيه الدؤوب لإنقاذ شعبيته وسباقه المحموم مع الوقت لبلوغ هذه الأهداف، وتضغط عليه أكثر لتقديم المزيد من التنازلات حيث تعتبر هذه الحالة استثنائية ونادرة مما يفرض عليها أن تضرب على الحديد وهو ساخن لإعادة تشكيل المشهد على صورة أفضل تحقق لها مصالحها ومصالح شركائها بالمنطقة.
وبخصوص الملفات الرئيسية في الإطار الثنائي بين بكين وواشنطن فإن هذه الأخيرة تسعى إلى جذب الاستثمارات الصينية وعقد صفقات كبرى مع الجانب الصيني لتحقيق ما تراه واشنطن تصحيحا للاختلال الحادث في الميزان التجاري مع بكين حيث ترى أنه يميل لصالح الصين.
ومن جانبها تسعى الصين إلى الحد من القيود الأمريكية على صادراتها، وتعزيز قدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية.
وفي هذا الإطار فإن ملف الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح المجال واسعا لكلا الجانبين لتعاون مستدام في هذا المجال التكنولوجي المتقدم الذي يؤثر في كل مجالات الحياة بلا استثناء وللصين وأمريكا على قدم المساواة القدح المعلى في هذا المجال وينتظر أن يكون التعاون فيه بين البلدين نموذجا إيجابيا ومثاليا يعود بالفائدة على شعوب العالم.
أما عقدة المحادثات الصينية الأمريكية فتكمن في قضية تايوان التي تعتبرها بكين خطًا أحمر لا تسمح لأحد الاقتراب منه باعتبارها جزءا لا يتجزأ من أراضيها.
ولا يتوقع أن يتشدد الجانب الأمريكي في هذا الملف بسبب موقفها الحالي في الحرب مع إيران وخشية أن تتخذ بكين مواقف وخطوات أكثر تشددا تجاه تايوان.
وختاما فإن الحرب الأمريكية على إيران وتداعياتها الراهنة ومآلاتها المحتملة ستكون بمثابة مقياس الرسم الذي على أساسه ترتسم صورة العلاقات الصينية الأمريكية، وبمقياسه تتحدد أبعاد المشهد القادم في المنطقة من حيث الأمن والاستقرار والرفاهة الاقتصادية.
