التراث الثقافي: قاعدة المعرفة ودليل الدولة في صناعة القرار الاستراتيجي
13 مايو 2026
13 مايو 2026
تمتلك المواقع الأثرية وما يرتبط بها من عناصر ثقافية وطبيعية قدرة على تقديم معلومات علمية تمكن الباحثين من استخدامها في الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية لتفسير وفهم التاريخ الحضاري للبشرية، وما تزامن معه من تطور المجتمعات والمشهد الطبيعي من حولها، وهنا نتحدث عن أهمية التراث في تقديم قيم بحثية ومعلوماتية ذات فائدة علمية ومعرفية. فالمواقع الأثرية واللقى المكتشفة فيها تعتبر واحدًا من أهم المصادر الغنية بالمعلومات التي تساعد الباحثين في دراسة وفهم تطور الإنسان عبر الزمن وأنماط استيطانه المختلفة، وتنظيمه الاجتماعي والاقتصادي، وتقنياته ومهاراته في صناعة الأدوات إضافةً إلى أنها تساعد في إعادة بناء التاريخ من خلال توثيق الأحداث التاريخية، وتأسيس الإطار الزمني للحضارات، وتفسير التفاعل بين الإنسان والبيئة المحيطة من حيث استغلال الموارد الطبيعية وتأثيرات التغيرات المناخية على حياته ومدى تأقلمه.
ومن هنا فإن تعتبر نتائج الدراسات الأثرية المكوّن الرئيسي للقيمة المعلوماتية والرصيد المعرفي الذي عادة ما نعتمد عليه في تقييمنا للمواقع الأثرية وتقديرنا للتراث الثقافي. فكلما زادت معرفتنا بالمواقع كانت هي الأقرب ـ ذهنيا ـ إلينا، وهي التي تستأثر بالجزء الأكبر من اهتمامنا، وهو ما يجعلنا نميل بشكل أكبر إلى حمايتها وصيانتها وحفظها. وترتبط القيمة المعلوماتية بكل القيم الأخرى مثل الهوية والسيادة والقيم الروحية والرمزية والاقتصادية، والتي لا يمكن أن تتحقق دون أن يكون لدينا رصيد معلوماتي متراكم عنها. فمثلاً لا يمكن أن تتحقق القيمة الاقتصادية دون أن ترتكز على قاعدة معلوماتية. فالسائح لا يقدم، في أغلب الأحوال، على زيارة مواقع لا تتوفر حولها أي معلومات، ولذلك نجد أن معظم المواقع التي تسجّل أعدادا كبيرة من الزائرين هي تلك التي تتوفر عنها معلومات كبيرة.
وبالنظر إلى تاريخ البحث الأثري في سلطنة عمان؛ فقد بدأ منذ خمسينيات القرن العشرين، وذلك من خلال الرحلات والمسوحات الأثرية الأولى التي قام بها العديد من خبراء الدفاع والبترول والرحالة والهواة، تبعتهم بعد ذلك البعثات الأثرية الأجنبية التي بدأت أعمالها في سبعينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي أنشئت فيها دائرة الآثار بوزارة التراث القومي والثقافة (سابقا)؛ حيث قدمت الدعوات للبعثات الأثرية للعمل في سلطنة عمان. وتواصلت الأعمال الميدانية منذ ذلك الوقت، وازدادت وتيرة العمل الأثري في البلاد.
ولا تزال جهود الحفاظ على التراث الثقافي كجزء من الهوية والسيادة الوطنية لسلطنة عمان متواصلة، وهو ما تجسده «رؤية عمان 2040» في محورها الخاص بالمجتمع والإنسان. وقد نتج عن هذه الأعمال التي امتدت لأكثر مع سبعة عقود من الزمن اكتشافات مهمة في ما يتصل بالتطور الحضاري لعُمان منذ أقدم العصور إلى الفترات الإسلامية.
وهذا بطبيعة الحال قدم كما هائلاً من المعلومات التي ساعدت على إشباع رغباتنا وفضولنا لفهم الماضي. وبالتالي أسهمت المواقع الأثرية والتاريخية في لعب أدوار بارزة في غرس الشعور بالانتماء والهويّة الوطنية، وكثيرا ما اتخذ التراث الأثري رمزا للتواصل الثقافي الذي تجسّد عبر الأزمنة في هذه الأرض. كما لعب التراث الأثري دورا في ترسيخ القيم الأخرى، لكن بدرجات متفاوتة. فعلى صعيد القيمة المعلوماتية قدمت الدراسات الأثرية منذ بدايتها إلى يومنا هذا تراكماً كبيراً من المعلومات التي ساعدت على فهمنا للتطورات الحضارية التي حدثت في عُمان عبر الزمن.
ومع ذلك فإن استخدام هذا الكم الوافر من المعلومات لا يزال بحاجة إلى توظيف أكبر في قطاعات مثل التعليم والتعلم أو التوعية أو السياحة أو حتى في التخطيط التنموي.
فعندما نمر بالقرب من أي معلم تاريخي أو موقع أثري فإننا غالبا ما نراه كبقايا من الماضي، ونميل إلى الإعجاب به من الناحية الجمالية والفنية، إلا أن هذا المنظور يختصر التراث باعتباره «ذاكرة جامدة أو ساكنة»، بينما هو في الواقع «سجل بيانات حي» و«منصة أو فضاء معرفي» متاح الوصول؛ فهو يمثل رصيداً معلوماتياً أساسياً يمكنه أن يساعد المجتمع في الاطلاع على تجارب الإنسان في الماضي، ويمكن الدولة من صناعة قراراتها وخاصة التنموية.
فمن الناحية العلمية تقدم هذه المواقع أو المعالم الأثرية مرجعيات معرفية رئيسية غير موثَّقة في المصادر المكتوبة عن حياة المجتمعات وأنظمة الحكم والإدارة؛ وبالتالي لا يمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها.
فلو أمعنا النظر مثلاً في البقايا الأثرية لمدينة قلهات الأثرية الساحلية، وهي موقع من مواقع التراث العالمي منذ 2018م، فقد تم تصميمها تاريخيًا ليس فقط كتجمع سكاني، بل كمحور أو ملتقى تجاري، فهي تقدم دلائل ومؤشرات مهمة للمهتمين مثلاً بدراسة الاقتصاد وشبكات التجارة البحرية، وتخطيط المدن المعاصرة. فعندما نفسر وندرك آلية تصميم وإدارة المدن الساحلية أو الموانئ البحرية القديمة كمثال لاقتصاد مرتبط بالعالم يعمل على المواءمة والتوازن بين التجارة والأمن والبيئة، فإننا نتمتع بإمكانات ووسائل أفضل لتصميم وتنفيذ وإدارة المدن الساحلية المعاصرة.
من هنا فإن ما تلعبه القيم البحثية والمعلوماتية للتراث من دور مهم في تطوير المعرفة العلمية الأثرية والتاريخية والبيئية، وتقديم مصادر رئيسية للدراسات والبحوث العلمية والأكاديمية، وفهم التأثير والتأثر المتبادلين بين الإنسان ومحيطة الطبيعي لابد من توظيفه بشكل صحيح.
إن هذه القيم المعرفية توفر بيانات تساعد في رسم السياسات والتشريعات العامة، واتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة التراث وصونه واستثماره وتقديمه للجمهور؛ فهي توفر مصادر معرفية علمية تسهم بطريقة مباشرة في توجيه السياسات العامة، وتمكن متخذي القرار من فهم الماضي وتوظيفه واستثماره في بناء الحاضر وتنمية المستقبل، لا سيما في المسائل المتصلة بالهوية والمواطنة والسيادة الوطنية، وتساعدهم في تحديد أولويات الحفظ والصون للمواقع التراثية، وإعداد استراتيجيات تنموية تراعي مبادئ حمايتها؛ وبالتالي يتحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على التراث.
لذلك تسهم المعلومات المستمدة من دراسات المواقع الأثرية في وضع سياسات متعلقة بالهوية الوطنية؛ حيث تعد عنصرا معلوماتيا مهما لفهم العمق التاريخي والثقافي للمجتمعات، مما يسمح للدولة بتعزيز السردية التاريخية، وإبراز الهوية الوطنية، وتوضيح الاستمرارية الحضارية للمجتمع. كما أنها تسهم في تأكيد السيادة الوطنية من خلال توثيق الحضور التاريخي للمجتمع على أرضه وفي بيئته، وتعزز الحقوق الثقافية والتاريخية للدولة، ودعم جهود الاعتراف الدولي بقيمة التراث الثقافي للدولة وخاصة عندما يتم إدراج مواقعها الأثرية أو مفردات تراثها في قوائم التراث العالمي لليونسكو.
وعلى مستوى الأفراد فإن هذه القيم المعلوماتية ترسخ مبادئ المواطنة، وتزيد من الشعور بالانتماء الوطني والمسؤولية تجاه الممتلكات الثقافية؛ حيث تمكن المواطنين من فهم تراثهم وتاريخهم المشترك، مما يزيد من وعيهم بأهميته ومشاركتهم في حمايته وإدارته.
ومن ناحية أخرى فإن التراث الطبيعي لا يقل أهمية من حيث تقديم معلومات علمية مهمة عن تاريخ الأرض والبيئة والمشاهد الطبيعية والتغيرات المناخية عبر الزمن؛ فهي تساعد في فهم التاريخ الجيولوجي للأرض، ودراسة التنوع الإحيائي والعلاقات البيئية بين الكائنات الحية؛ وبالتالي تمثل سجلاً مناخياً أو بيئياً بعيد المدى يقدم دلائل على التغيرات المناخية ومدى تأقلم الإنسان وتكيفه فيها، وإدارته للمدن والواحات التي أسسها وأستقر فيها كطرق إدارة المياه التي هي تقنيات ابتكرها الإنسان كحلول واجه بها تحديات المناخ والبيئات القاسية. هذه التجارب يمكن أن تقدم نموذجاً تطبيقياً مُلهِماً لصناعة قرارات وسياسات تتعلق بالاستدامة.
ومع توافر هذا الرصيد المعرفي القيم من المهم تحويله إلى سياسة عامة، فلا يجب أن تظل نتائج الدراسات الأثرية في منأى عن طاولة التخطيط الحضري أو استراتيجيات التنمية المحلية والسياحة الثقافية والطبيعية بحيث تصبح هذه المعرفة إحدى أدوات اتخاذ القرار. وعليه لا ينبغي التعاطي مع التراث من جانب واحد وهو الجانب الثقافي، بل كمصدر معرفة سياساتية بحيث تربط الدراسات الأثرية بالإطار المؤسسي الذي يسمح لمتخذي القرار في الدولة أن يتبنوا قرارات ناجعة تتعلق بالتخطيط الحضري، والتنمية المستدامة، والاستثمار الاقتصادي، وإدارة الموارد. فمتى ما تم توظيفها بطريقة ذكية فإنها قد تختصر الزمن على متخذي القرار وتجنبهم الأخطاء والخبرات الطويلة والمكلفة، فالاستفادة من تجارب الماضي التي تراكمت عبر الأجيال تمكنها من بلورة القرارات بشكل أفضل وأسرع وأقل تكلفة. من هنا يكون للتراث قيمة تشغيلية ويتحول من مجرد بقايا أثرية إلى شريك في صناعة القرار، والتخطيط المستقبلي.
