الثقافة والحضارة: مفهومان ملتبسان
12 مايو 2026
12 مايو 2026
هما مفهومان ملتبسان لأنهما متداخلان تماما بحيث لا يمكن فهم أحدهما بمنأى عن الآخر؛ ولذلك فإن الألمان يستخدمون كلمة واحدة تجمع بينهما معا، وهي كلمة Kultur. لقد أدرك الألمان مبكرا الفارق الجوهري بين المعنى العميق للحضارة المرتبط ارتباطا ماهويا مع الثقافة، وبين المظهر المادي للحضارة الذي يتمثل في التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والعسكري، والتقدم في النظم الإدارية للدولة، وفي تأسيس العمران والبنى التحتية، وما شابه ذلك. هذا المظهر المادي للحضارة هو ما يطلق عليه الألمان كلمة Zivilisation (أي: civilization بالإنجليزية)، وهي كلمة تشير إلى ما نقصده عادة بكلمات من قبيل: التمدين والرفاهة والتقدم المادي. وعلى الرغم من أن هذه الدلالة الأخيرة هي المعنى الشائع والمتداول في أذهان الناس؛ فإن الألمان يرون أن هذا المعنى لا يعبر عن جوهر الحضارة، بل عن مظهر زائف لها؛ فالحضارة لا تُقاس «بقوة الأحصنة»، أي لا تُقاس بقواها المادية، وإنما بقواها الروحية، وهذا ما ذهب إليه كثير من فلاسفة التاريخ، ومنهم اشبنجلر الذي ذهب إلى القول بأن هذا المظهر يكون نذيرا بأفول الثقافة، ومن ثم الحضارة نفسها، فهو يكون أشبه بتعبير عن شيخوخة الحضارة.
فما المقصود إذن بالقوى الروحية للحضارة؟ المقصود هو الثقافة بمعناها الواسع الذي يشمل القيم الروحية الدينية والأخلاقية، والفنون والآداب والفلسفة وكل ما يتعلق بما يسميه الألمان «علوم الروح» Geisteswissenschaften. ذلك هو المعنى العميق لمفهوم الحضارة، وهو معنى مختلف تماما عن مظهرها المتمثل في التقدم المادي، وهو المظهر الذي يناظر عند ابن خلدون ما يسميه «العمران». حقا إن موقف ابن خلدون يبدو في النهاية متوافقا مع موقف فلاسفة التاريخ الغربيين فيما يتعلق بنقد الانغماس في المظهر المادي للحضارة، وهو ما أسماه «حالة الترف»، ولكن هناك اختلافات في أسباب تلك الحالة في كلا الموقفين؛ فهو يرى أن انهيار الحضارة يرجع إلى الانغماس في مظهرها المادي، أو في التنعم بحالة الترف التي تؤدي إلى فقدان الروح العصبية والقوة وغيرها من العوامل المؤسسة للأمم؛ بحيث «يصبح الرجال أشبه بالنسوان والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم» بينما يرى فلاسفة التاريخ من أمثال اشبنجلر أن انهيار الحضارة يرجع إلى إغفال قواها الروحية التي أنتجتها، والتي تتمثل في الفكر والمعرفة والثقافة وسائر ما يسميه الألمان «علوم الروح»؛ فالحضارة تجلٍ لهذه الروح العامة التي نسميها الثقافة. هكذا فهم الألمان الصلة الوثيقة بين الحضارة والثقافة. وحتى الفلاسفة الألمان التالون من أنصار مدرسة فرانكفورت النقدية كان أغلبهم متأثرين بعمق بهذا الفهم؛ ولذلك نراهم ينتقدون ما آلت إليه الحضارة الغربية الحديثة باعتبارها حالة من التقدم المادي التقني والتكنولوجي الذي أفضى إلى حالة من «التشيؤ» التي تتحول فيها الوسائل إلى غايات؛ بحيث يصبح الوجود الإنساني نفسه مغتربا في هذا العالم.
كيف نطبق ذلك على أمثلة من الواقع العالمي الراهن؟ لنتأمل الحالة الأمريكية الراهنة باعتبارها ذروة التقدم الحضاري في مظهره المادي التكنولوجي الذي هو بالتأكيد نتاج تطور علمي كبير نتج عنه بدوره تلك القوة العسكرية الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن السؤال هو: هل استطاعت هذه القوة الجبارة في حربها الراهنة على إيران القضاء على حضارة تمتد لآلاف السنين كما هدد بذلك ترامب؟! مثل هذا التهديد يبدو مضحكا؛ لأنه لا يفهم أصلا معنى الحضارة التي يختلف عمقها الوجودي عن مظهرها الذي يتبدى فوق الأرض من منشآت مدنية وعسكرية. ولذلك فإننا لا ينبغي أن نندهش حينما نسمع تحليلات سياسية كثيرة ترى أن الحضارة الأمريكية في مرحلة أفول؛ ليس بسبب ترامب في حد ذاته، وإنما بسبب شيوع هذه الرؤية التي يتبناها كثير من الساسة وعموم الناس. والواقع أن مفهوم «الحضارة الأمريكية» ذاته مفهوم مشكوك في صدقه؛ لأن الحضارات الكبرى تدوم ألفا أو عدة آلاف من السنيين بينما الحضارة الأمريكية لم تدم أكثر من قرنين ونصف من الزمان حتى الآن. حقا إن هذه الحضارة قامت في المقام الأول على الإعلاء من شأن المبادئ الإنسانية الكبرى من قبيل: الحرية والعدالة والاحتكام إلى الدستور والقانون، وهو ما جعل أمريكا تبدو أشبه بالحلم في عيون المهاجرين إليها والراغبين في العيش فيها خلال النصف الأخير من القرن الفائت، لكن هذا «الحلم الأمريكي» قد تبدد الآن، حتى إن أمريكا بدأت في مطاردة المهاجرين إليها، وتفرض قيودا صارمة وتمييزا عنصريا على الراغبين في العيش فيها، وكأنها بذلك قد تخلت عن المبادئ والقيم الإنسانية التي قامت عليها حضارتها الموقوتة.
على نحو مشابه يمكننا أن ننظر إلى الكيان الصهيوني المسمى رسميا بدولة إسرائيل التي لا نعرف لها حدودا، ولا تريد هي نفسها أن تحدد لها حدودا؛ لأنها ترى أن حدودها قد حددتها الرؤية التوراتية من البحر إلى النهر. تمتلك هذه الدولة التكنولوجيا الفائقة وأعتى الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك فإنها تظل في النهاية دولة بلا حضارة: دولة قد نشأت باعتبارها كيانا صهيونيا تم تزويده بكل منجزات التقدم التكنولوجي والعسكري في الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. ولا شأن لذلك بكون أن كثيرا من اليهود في الغرب قد قدموا أعظم الإبداعات الحضارية في شتى مناحي العلم والفكر والثقافة؛ فهم قد قدموا هذه الإبداعات، لا باعتبارهم صهاينة ولا حتى باعتبارهم يهودا، وإنما باعتبارهم مبدعين قد نشأوا في سياق الحضارة الغربية. أما إسرائيل نفسها فهي بلا حضارة رغم امتداد أصول اليهود لأزمنة بعيدة في المنطقة. ولعل هذين المثالين يلقيان الضوء على المفهوم النظري الذي قدمته عن معنى الحضارة.
