مقدمة في السردية التأريخية العمانية
13 مايو 2026
13 مايو 2026
مصطلح «السردية» ظهر حديثاً، وغالباً؛ يستعمل في البناء التاريخي لحقبة محددة، أو لقضايا معينة؛ مثل: الدولة وسياساتها، أو الشعب وتأريخه، أو الجماعة ومعتقداتها. ويستعمل كذلك لوصف حوادث عابرة كقولهم؛ إعلامياً: (السردية الإسرائيلية لطوفان الأقصى). ولا يكاد يستعمل علمياً فيما يتعلق بالتاريخ العماني. المقال.. يضع مقدمة في «مفهوم السردية العمانية»، ويبدأ أولاً بتحديد مفهوم السردية ذاته.
السرد؛ لغة: التتابع، ففي «لسان العرب» لمحمد بن مكرّم ابن منظور (ت:711هـ): (سَرَدَ فلان الصوم إذا والاه وتابعه)، ومَن أراد أنْ يأتي بالشيء واضحاً فعليه أنْ يسرده؛ أي يجمع عناصره المتناثرة، ويربط بينها بالتحليل والتسبيب والمقارنة، فينظمها في سلك واحد متتابع: (تقدمة شيء إلى شيء تأتي به متسقاً بعضه في أثر بعضٍ متتابعاً). ومَن أراد أنْ يتحدث عن موضوع ما فعليه (سَرْدُ الحديث... يسرده سرداً إذا تابعه، وفلان يسرد الحديث سرداً إذا كان جيد السياق له). ويقال: (سَرَدَ القرآن: تابع قراءته في حدر منه).
يقول الله مخاطباً نبيه داود: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) [سبأ:11]، فهو يوجهه إلى أنْ يُحْكِم صناعة «السرد»؛ أي الدرع الذي يُصنع من حلقات متتابعة ومتداخلة، بحيث لا تحد من حركة الجندي، ولا تثقله، وفي الوقت ذاته؛ لا ينفذ من خلال الدرع السهم أو الرمح، كما أنه يحجب السيف عن جرح جسد الجندي، وعلى هذا؛ فإن «التقدير في السرد» يتطلب أمرين:
أولاً: التخيّل.. فصناعة الدرع تقوم على معرفة جوانب عدة؛ منها: حجم الجندي؛ طولاً وعرضاً، ومقدار قوته وتحمله وسرعة حركته، والغرض من الدرع؛ أللمواجهة بالسيوف أم الرماح أم الأسهم، وطبيعة المعركة؛ أهي في أرض منبسطة سهلة أم جبلية وعرة أم على أرماث البحر، ومعرفة الخطط العسكرية التي تتبعها الأطراف المتحاربة. كل هذا يستلزم خيالاً خصباً من صانع الدروع، لاسيما أنه يصنعها لكل فرد على حدة، فالناس متفاوتون في هذه الجوانب.
ثانياً: الحكمة.. ربما يعرف السارد المتطلبات السابقة ومقاديرها؛ حقيقةً أو تخيّلاً، بيد أنه قد لا يحكم صنع الدرع، ولذا؛ عليه أنْ يتمتع بحكمة حاذقة في صناعتها، وهو ما يسمى بالمهارة، يقول الله في حق داود: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) [البقرة:251]، فمن الحكمة التي آتاها الله دواد إحكام «تقدير السرد».
من هذا المبنى اللغوي والمعنى القرآني للسرد؛ نفهم «السردية التأريخية» بأنها تتشكل من عناصر هي:
- الحدث التاريخي.. فمن غير الأحداث لا يمكن أنْ تصاغ سردية تأريخية، وتشكل الوثيقة عنصراً لازماً لتكوينها، فمن دونها لا تاريخ يدوّن، ومن باب أولى؛ لا سردية تبنى.
- المنطق التاريخي.. فلا تشكُّل للسردية خارج منطق الأحداث، فأية رواية، أو وثيقة؛ مادية أو غير مادية، تند عن المنطق التاريخي، هي أوهام.
- المخيّلة الخصبة.. القادرة على الربط بين الأحداث في سياق المنطق التاريخي لمسار الجماعة أو الدولة ونحوها. وقولي بـ«المخيّلة» لا تعني الأوهام، فهناك فرق شاسع بين مخيّلة تستطيع أنْ تبني سردية موضوعية، فتسد ثغرات التاريخ وترصف طريقه وتعلل أحداثه، وبين أوهام تَحطب ليلاً وتَخبط عشواء، فلا تنتج إلا أحاديث خرافة.
- الحكمة المتزنة.. في طرح السردية، قد يتمكن الإنسان من صياغة سردية تاريخية، بيد أن محيطها الاجتماعي والعلمي لا يقبلها؛ لحدة طرحها وجفاف أسلوبها وإساءة استعمال وثائقها، فتظل معزولة عن المسار التاريخي العام، وعن التأثير في المتلقين للاستفادة منها.
بدأ استعمال مصطلح «السرد» و«السردية»؛ وجمعها «سرديات» في الحقل الأدبي، وظهر بدايةً عام 1959م، على يد البلغاري الفرنسي تزفتان تودوروف (ت:2017م). ثم تحول استعماله إلى حقول معرفية أخرى مثل: السياسة والسينما والتاريخ. ولكنه غالباً ما يخرج ذلقاً على اللسان، من غير إدراك دلالاته ومفاهيمه، وكأنه مشتهر بين مستعمليه، مسلّم به مِن قِبَل متلقيه.
هناك أمر مشترك في الحقول المعرفية؛ بما فيها النظريات العلمية التي تبدو صارمة ونهائية، وهو «المعرفة المتحركة»؛ فالعلوم والمعارف في مراجعة دائمة وتحول مستمر، يستثنى منها «النصوص المغلقة» المنسوبة إلى أصحابها كالكتب والوثائق، ورغم ذلك؛ نجدها متحركة بدرجة ما، بمثل: المقارنة بين النسخ والوثائق، والإضافة إليها من غيرها، وتحقيق نسبتها إلى أصحابها، وتأويل دلالاتها.
وبالنسبة لأحدث التاريخ خارج نصوصها المغلقة المُوَثَّقة -والنص ليس بالضرورة يحكي الحدث كما وقع- فهي تنتمي إلى «المعرفة المتحركة»، وهي حركة خاضعة إلى عوامل؛ منها: العثور على وثائق جديدة، وقرب كل وثيقة من الحدث ومصدره، وأمانة الباحث التاريخي، ومنهجه في استعمال الوثيقة، ومدى موضوعيته، وتجدد المناهج البحثية والعلمية. إن الوثيقة وطبيعتها، والسارد وحالته، ومنهج السرد وظروفه، مؤثرة في بناء السردية، وبهذا؛ ندرك أنه لا يكاد تتفق «السرديات التاريخية» مع بعضها البعض.
وبعد؛ فأعرّف «السردية التاريخية العمانية» بأنها: الأحداث التي يسردها المؤرخ لمسار التاريخ العماني، بجمع أحداثه، في نسق مترابط، خاضع للمنطق التاريخي العام، معتمداً على الوثائق التاريخية المعتبرة، منطلقاً من فهمه للأحداث وطبيعة الظروف التي يعيشها.
إن فهم المؤرخ خاضع لمعتقداته الدينية والوطنية، فالعماني المنطلق من روحه الوطنية والدينية كعبدالله بن حميد السالمي (ت:1332هـ) في كتابه «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» تختلف سرديته عن المستشرق الإنجليزي جون ولكنسون في كتابه «الإمامة في عمان»، رغم أن كليهما يعتمدان على المصادر التاريخية المعتبرة، وبعضها مشترك بينهما.
إن القول بضرورة بناء السردية على المنطق التاريخي، لا ينفي أنْ تتضمن أقاصيص غير منطقية، وهذا ما لا يكاد تسلم منه السرديات، غير أن وجود بعض الحكايات الأسطورية والقصص الوهمية لا ينبغي أنْ يؤدي إلى رفض السردية كلها، فالتاريخ ظنون؛ فيه الصحيح المقبول والسقيم المرذول. كما أن مفهوم «المنطق التاريخي» يختلف من شخص إلى آخر، ومن زمن إلى آخر. فمثلاً.. لا نرفض في السرديةِ التاريخيةِ الهجرةَ اليمانيةَ إلى عمان، لكن لا نقبل السرد الوارد في شخصية مالك بن فهم الأزدي؛ ذا التفصيل الأسطوري، مع إدراكي أن شخصية مالك بن فهم شكّلت «الأب القومي للعمانيين» حتى اليوم. وكذلك؛ نسلّم بحادثة وقوع «نقض النصارى العهد» في سقطرى، وتسيير الإمام الصلت بن مالك الخروصي (ت:273هـ) قواته لنجدة المسلمين، غير أن «قصيدة الاستنصار» المنسوبة إلى الزهراء السقطرية من الصعب قبولها لمخالفتها المنطق التاريخي.
يوجد العديد من «السرديات» التي تحكي التأريخ العماني، ظهرت متأخرة في الدولة اليعربية، فقد كان العمانيون يكتبون «السِّيَر». و«السيرة التاريخية».. هي التأليف في حوادث وقعت؛ يريد كاتبها أنْ يبيّن رأيه فيها، أكثر من نقله وقائع الحدث مجردة، ومن أوائل السِّيَر العمانية «السِّيَر والجوابات لعلماء وأئمة عمان». وفي الدولة اليعربية بدأ التأليف في السرديات، والتي تجاوزت الحكم على الحدث إلى التأليف فيه لذاته، وإنْ كانت السردية -ضرورةً- تبنى على توجه المؤرخ؛ كما سبق بيانه.
وبنظري.. أن الانتقال من السيرة الخاصة إلى السردية العامة يرجع إلى ظروف الظاهرة التاريخية في عمان، فلمّا كانت عمان تعيش عصراً من الاضطراب السياسي متفرقاً أمرها؛ فإنه لمْ تتشكل خلالها سردية مكتملة عن تاريخها، أو جوانب منه. وعندما توحدت وأصبحت دولة مركزية في العهد اليعربي، ظهرت السرديات المكتملة.
فإنْ قلتَ: إنك ذهبتَ في كتابك «السياسة بالدين» إلى أن عمان تكونت لها دولة مركزية خلال العهد اليحمدي؛ ما بين عامي 177-272هـ؛ فلماذا لمْ تظهر السرديات التأريخية حينها؟
قلتُ: إن اهتمام العمانيين بالتاريخ بدأ بعد انهيار هذه الدولة، وانهيارها هو الذي دعاهم إلى الكتابة في التاريخ، وأمَّا لماذا لم يهتم العمانيون بكتابة التاريخ قبل ذلك؟ فهذا له مقام آخر.
