No Image
عُمان الاقتصادي

العالم على أعتاب عقد من الاضطرابات الكبرى

13 مايو 2026
كيف يرسم تقرير المخاطر العالمية 2026 ملامح المستقبل الأكثر قلقًا منذ عقود؟
13 مايو 2026

«عمان»: يقول خبراء الاقتصاد: إن العالم اليوم قد تخطى مرحلة الأزمات العابرة التي تنتهي بتسويات سياسية مؤقتة أو بحزم اقتصادية إسعافية كما اعتدنا أن يحدث خلال العقود الماضية، والبشرية دخلت بالفعل حقبة جديدة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفته سابقًا؛ حيث بتنا نقف أمام موجة متشابكة من التهديدات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والاجتماعية، تتداخل جميعها بطريقة تجعل أي أزمة قادرة على إشعال سلسلة ممتدة من الاضطرابات العالمية العابرة للحدود، وهذه الصورة المعقدة والمقلقة قليلا هي ما يحاول تقرير «المخاطر العالمية 2026» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي تقديمه للعالم، ليس باعتباره مجرد تقرير بل بوصفه وثيقة استراتيجية تحذر من أن السنوات المقبلة قد تكون من أخطر الفترات التي يواجهها النظام الدولي الحديث.

ويعكس التقرير الذي حمل عنوان «عصر المنافسة» حجم التحولات العميقة التي يشهدها العالم في وقت تتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى، وتتسع فيه الانقسامات السياسية والاقتصادية، بينما تتقدم التكنولوجيا بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الحكومات والمؤسسات الدولية على تنظيمها أو السيطرة على آثارها، في حين تتزايد الضغوط الاجتماعية داخل المجتمعات في الجهة المقابلة نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع فجوات عدم المساواة، فيما تستمر المخاطر البيئية والمناخية في التصاعد بصمت، وكأن العالم يواجه عدة أزمات ضخمة في آن واحد دون وجود نظام عالمي قادر على إدارتها بفاعلية.

ويستند التقرير في نتائجه إلى استطلاع عالمي شارك فيه أكثر من 1300 خبير وقائد دولي من مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن والتكنولوجيا والمجتمع المدني؛ حيث يحلل المخاطر عبر ثلاثة أطر زمنية تبدأ من عام 2026 وتمتد إلى عام 2036.

ويبدو أن الرسالة الأساسية التي يخرج بها التقرير منذ صفحاته الأولى واضحة وصادمة في الوقت نفسه ومفادها أن العالم لم يعد يتحرك نحو مزيد من الاستقرار والتكامل، بل يتجه تدريجيًا نحو مرحلة عنوانها المنافسة الحادة والانقسام والتوتر المستمر.

عالم يقف على حافة الهاوية

يصف تقرير المخاطر العالمية 2026 العالم بأنه يقف «على حافة الهاوية»، وهي عبارة تعكس حجم التحولات العنيفة والمتسارعة التي يشهدها النظام العالمي في السنوات الأخيرة. فالعالم الذي اعتاد لعقود على وجود توازنات سياسية واقتصادية واضحة، وعلى منظومة دولية قادرة نسبيًا على احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى اضطرابات شاملة، يبدو اليوم أقل استقرارًا وأكثر هشاشة من أي وقت مضى. وتشير تقديرات التقرير إلى أن السنوات المقبلة قد تكون نقطة تحول مفصلية في شكل النظام الدولي، مع تزايد احتمالات الصدامات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدارة هذه التوترات أو الحد من آثارها.

ولم تعد الحروب والصراعات العسكرية أحداثًا محلية معزولة يمكن احتواؤها داخل حدود جغرافية محددة بل أصبحت تمتد آثارها فورًا إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والغذاء والنقل والتجارة وسلاسل الإمداد وحتى الاستقرار الاجتماعي داخل الدول البعيدة عن مناطق النزاع، فأي أزمة عسكرية اليوم قادرة على رفع أسعار النفط عالميًا أو تعطيل حركة التجارة أو زيادة معدلات التضخم أو التسبب في نقص الغذاء والطاقة في دول لا علاقة مباشرة لها بالصراع وهذا الترابط الشديد بين الاقتصادات والأسواق جعل العالم أكثر حساسية للصدمات وأكثر عرضة للاضطرابات المتسلسلة التي تنتقل بسرعة غير مسبوقة بين القارات.

ويشير التقرير إلى أن العالم يعيش تحولًا تاريخيًا من «عصر التعاون» الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية إلى «عصر المنافسة» الذي تتراجع فيه فكرة العمل الجماعي الدولي لصالح الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية، فالتعددية الدولية التي قامت عليها المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية لعقود تواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة، مع تزايد النزعات القومية والحمائية الاقتصادية، وعودة الدول إلى التركيز على مصالحها الاستراتيجية حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار العالمي. وأصبح واضحًا أن الثقة التي كانت تمثل الأساس الذي بُني عليه النظام العالمي بدأت تتآكل بسرعة، سواء بين الدول الكبرى أو حتى داخل المجتمعات نفسها.

ولهذا يحذر التقرير من أن العالم يقف بالفعل أمام مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين؛ حيث تتقاطع المخاطر السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية في وقت واحد، في ظل غياب رؤية دولية مشتركة قادرة على إعادة بناء الاستقرار العالمي أو منع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى والانقسام.

الاقتصاد العالمي يدخل

مرحلة هشاشة خطيرة

وبعيدًا عن الصراعات السياسية والعسكرية المباشرة، يرسم تقرير «المخاطر العالمية 2026» صورة مقلقة للاقتصاد العالمي الذي يبدو وكأنه يدخل واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، وربما منذ عقود طويلة فالمؤشرات الاقتصادية بحسب التقرير لم تعد تعكس مجرد تباطؤ دوري معتاد في الأسواق، بل تشير إلى تراكم ضغوط هيكلية عميقة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة ممتدة من التقلبات وعدم الاستقرار، خصوصًا في ظل تزامن الأزمات الجيوسياسية مع التوترات التجارية والتسارع التكنولوجي والضغوط الاجتماعية والبيئية.  

ويؤكد التقرير أن المخاطر الاقتصادية سجلت هذا العام واحدة من أكبر القفزات في سلم التهديدات العالمية مقارنة بالأعوام السابقة؛ حيث ارتفع خطر «التباطؤ الاقتصادي» ثمانية مراكز دفعة واحدة ليصبح ضمن أبرز المخاطر العالمية قصيرة الأجل، كما ارتفعت مخاطر التضخم وفقاعات الأصول والديون بصورة لافتة. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لدى الخبراء وصناع القرار بأن الاقتصاد العالمي لم يعد يمتلك هامش الأمان الذي كان متوفرًا في العقود الماضية، وأن قدرة الأسواق والحكومات على امتصاص الصدمات أصبحت أضعف بكثير في ظل التوترات الحالية.

ويشير التقرير إلى أن العالم يقف أمام ما وصفه بـ«الحساب الاقتصادي الصعب»؛ حيث تواجه الحكومات والشركات والأفراد في آن واحد بيئة مالية معقدة تجمع بين ارتفاع مستويات الدين، وتباطؤ النمو، واستمرار التضخم، وتقلب الأسواق، وتزايد المخاطر الجيو-اقتصادية. فبعد سنوات طويلة من السياسات النقدية التوسعية والاعتماد على الديون لتحفيز الاقتصادات، أصبحت العديد من الدول مثقلة بأعباء مالية ضخمة تجعلها أقل قدرة على التعامل مع الأزمات المستقبلية أو تمويل برامج الدعم والحماية الاجتماعية إذا تفاقمت الأوضاع الاقتصادية.

ويحذر التقرير من أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر حساسية للصدمات من أي وقت مضى. فارتفاع أسعار الطاقة أو الغذاء بسبب نزاع إقليمي، أو فرض عقوبات اقتصادية جديدة، أو تعطل أحد الممرات التجارية الحيوية، أو حتى هجوم سيبراني واسع على البنية التحتية المالية أو اللوجستية، قد يؤدي خلال أيام قليلة إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الاستثمارات، واضطراب سلاسل التوريد، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين في مختلف الدول. وهذا ما يجعل الاقتصاد العالمي يعيش حالة من «الهشاشة المتشابكة»؛ حيث ترتبط المخاطر ببعضها بصورة تجعل احتواءها أكثر صعوبة وتعقيدًا.

كما يلفت التقرير إلى أن احتمالات انفجار فقاعات الأصول المالية أصبحت مصدر قلق متزايد خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في ظل استمرار التقييمات المرتفعة لبعض الأسواق والقطاعات، والتوسع الكبير في المضاربات المالية، والتقلبات الحادة في أسعار الأصول والتكنولوجيا والطاقة. ويرى التقرير أن أي انهيار مالي كبير قد تكون له آثار أوسع بكثير من الأزمات السابقة، نظرًا لحجم التشابك الحالي بين الأسواق العالمية والأنظمة المصرفية والاستثمارات العابرة للحدود.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الضغوط التضخمية تمثل أحد أكبر التحديات أمام الحكومات والبنوك المركزية. فرغم محاولات احتواء التضخم خلال السنوات الأخيرة، إلا أن التقرير يشير إلى أن المخاطر المرتبطة بعودة موجات تضخم جديدة لا تزال مرتفعة، خاصة مع استمرار التوترات الجيو-اقتصادية واضطرابات الطاقة والغذاء والنقل. كما أن التحولات المرتبطة بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، والاتجاه نحو الحمائية الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتكنولوجيا، قد تجعل التضخم أكثر تعقيدًا واستمرارًا خلال السنوات المقبلة.

وتزداد خطورة هذه التحديات الاقتصادية عندما تنعكس مباشرة على المجتمعات والأفراد. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، وتباطؤ النمو الاقتصادي، كلها عوامل تؤدي إلى زيادة الضغوط الاجتماعية داخل الدول، خصوصًا في الاقتصادات الهشة والدول النامية. ويحذر التقرير من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى موجات جديدة من الاحتجاجات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، مع اتساع فجوات عدم المساواة وتراجع ثقة المواطنين في قدرة الحكومات على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

ويشير التقرير كذلك إلى أن عدم المساواة بات واحدًا من أكثر المخاطر ترابطًا وتأثيرًا في المشهد العالمي خلال العقد المقبل؛ إذ لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليغذي مخاطر أخرى مثل الاستقطاب السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وحتى تصاعد النزعات الشعبوية والتطرف. فمع استمرار تركّز الثروات في أيدي عدد محدود من الأفراد والشركات، مقابل تزايد الضغوط على الطبقات الوسطى والفقيرة، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة وأقل قدرة على تحمل الصدمات الاقتصادية الجديدة.

وفي ظل هذه الصورة المعقدة، يؤكد التقرير أن الاقتصاد العالمي يدخل بالفعل مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة، مرحلة لا تقتصر فيها المخاطر على الركود أو التضخم أو الأزمات المالية التقليدية، بل تمتد إلى تداخل الاقتصاد مع السياسة والأمن والتكنولوجيا والمناخ بصورة تجعل أي أزمة قادرة على التحول إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد. ولهذا يرى التقرير أن السنوات المقبلة قد تشهد «مرحلة جديدة من التقلبات العالمية» يكون فيها الاستقرار الاقتصادي أكثر صعوبة، بينما تصبح قدرة الدول على التكيف وإدارة المخاطر العامل الحاسم في تحديد من يستطيع الصمود ومن سيكون الأكثر عرضة للانهيار.

المجتمعات على حافة الانقسام

ولا تتوقف المخاطر التي يحذر منها تقرير «المخاطر العالمية 2026» عند حدود السياسة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا فقط، بل تمتد بصورة عميقة إلى داخل المجتمعات نفسها؛ حيث يرسم التقرير صورة لعالم يزداد استقطابًا وانقسامًا وفقدانًا للثقة، في وقت تتعرض فيه الأنظمة الاجتماعية والسياسية لضغوط متزايدة قد تعيد تشكيل العلاقة بين الحكومات والمواطنين خلال السنوات المقبلة. فالتقرير يرى أن العالم لا يواجه فقط أزمات اقتصادية أو جيوسياسية منفصلة، بل يواجه أيضًا أزمة اجتماعية متصاعدة تهدد تماسك المجتمعات واستقرارها الداخلي، خصوصًا مع استمرار تراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية واتساع الشعور بالإقصاء والغضب لدى قطاعات واسعة من السكان.

ويشير التقرير إلى أن الاستقطاب المجتمعي والسياسي أصبح واحدًا من أبرز المخاطر العالمية خلال السنوات القادمة؛ حيث ارتفع خطر «الاستقطاب المجتمعي» إلى المراتب المتقدمة ضمن المخاطر قصيرة وطويلة الأجل، في انعكاس واضح لحالة الانقسام المتزايدة داخل العديد من الدول. فالمجتمعات أصبحت أكثر انقسامًا حول القضايا السياسية والثقافية والاقتصادية وحتى الهوياتية، بينما تتراجع قدرة المؤسسات السياسية والإعلامية والاجتماعية على خلق أرضية مشتركة أو بناء توافقات قادرة على احتواء هذه الانقسامات.

ويؤكد التقرير أن تنامي خطابات «الشعوب ضد النخب» يعكس حالة عميقة من الإحباط تجاه النظم التقليدية؛ حيث يشعر كثير من المواطنين بأنهم مستبعدون من عمليات صنع القرار السياسي والاقتصادي، وأن الحكومات والمؤسسات لم تعد قادرة على تحسين مستويات المعيشة أو تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية. ومع تصاعد هذا الشعور، تتزايد الشكوك تجاه النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية، بينما ترتفع معدلات الغضب الشعبي وفقدان الثقة في قدرة الأنظمة الحالية على إدارة الأزمات أو توفير مستقبل أكثر استقرارًا.

ويضيف التقرير أن ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الضغوط الاقتصادية على الطبقات الوسطى والفقيرة، كلها عوامل تدفع المجتمعات نحو مزيد من التوتر والانقسام. فالكثير من الأفراد باتوا يشعرون بأنهم يواجهون مستقبلًا اقتصاديًا أكثر غموضًا وصعوبة، في وقت تستمر فيه الثروات بالتركز في أيدي عدد محدود من الأفراد والشركات الكبرى. وهذا التفاوت المتزايد بين الفئات الاجتماعية لا يخلق فقط أزمة اقتصادية، بل يؤدي أيضًا إلى تآكل الثقة المجتمعية وارتفاع احتمالات الاحتجاجات والاضطرابات السياسية والاجتماعية.

ويحذر التقرير من أن «عدم المساواة» أصبح أحد أكثر المخاطر ترابطًا وتأثيرًا في المشهد العالمي خلال العقد المقبل؛ لأنه يغذي العديد من المخاطر الأخرى، من بينها الاستقطاب السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والتطرف، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وحتى ضعف القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية. فحين يشعر المواطنون بأن الفرص الاقتصادية أصبحت غير عادلة، وأن الثروة والنفوذ يتركزان في يد قلة محدودة، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة وأكثر عرضة للانقسامات الحادة.  

كما يشير التقرير إلى أن التكنولوجيا نفسها أصبحت عاملًا إضافيًا في تعميق الانقسام المجتمعي، خصوصًا مع تصاعد مخاطر المعلومات المضللة والمعلومات الزائفة، التي احتلت مراتب متقدمة ضمن أخطر المخاطر العالمية قصيرة الأجل. فوسائل التواصل والمنصات الرقمية لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة للاستقطاب السياسي والتلاعب بالمعلومات ونشر الانقسامات الاجتماعية والثقافية. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على إنتاج محتوى مضلل أو توجيه الرأي العام أكثر خطورة وتعقيدًا، ما يزيد من حالة «انعدام الثقة الرقمية» التي يحذر منها التقرير.

ويؤكد التقرير أن هذه الانقسامات قد تتفاقم أكثر خلال السنوات المقبلة مع ازدياد اندماج التكنولوجيا في الحياة اليومية واستمرار التوترات الجيو-اقتصادية العالمية. فالعالم لا يواجه فقط انقسامًا بين الدول، بل أيضًا انقسامًا داخل المجتمعات نفسها؛ حيث تتزايد الفجوات بين الأجيال، وبين المناطق الغنية والفقيرة، وبين الفئات القادرة على الاستفادة من التحولات التكنولوجية وتلك التي تخشى أن تصبح ضحية لها.

وفي هذا السياق، يحذر التقرير من أن استمرار تركّز الثروة والفرص في أيدي عدد محدود من الأفراد والشركات، بالتزامن مع الضغوط المعيشية المتزايدة، قد يؤدي إلى اهتزاز «العقد الاجتماعي» بين الحكومات والمجتمعات. فالعقد الاجتماعي الذي قامت عليه الأنظمة الحديثة -والقائم على توفير فرص العمل والاستقرار وتحسين مستويات المعيشة مقابل الحفاظ على الاستقرار السياسي- بات يواجه اختبارات غير مسبوقة. وإذا فشلت الحكومات في توفير فرص اقتصادية عادلة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتقليل فجوات عدم المساواة، فقد تجد نفسها أمام موجات متزايدة من الغضب الشعبي وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ويخلص التقرير إلى أن أخطر ما في هذه التحولات ليس فقط حجم الأزمات الاقتصادية أو السياسية، بل تأثيرها العميق على تماسك المجتمعات نفسها. فالعالم يدخل مرحلة تصبح فيها المجتمعات أكثر انقسامًا، وأكثر تشكيكًا في المؤسسات، وأقل قدرة على بناء توافقات جماعية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التعاون والثقة لمواجهة الأزمات العالمية المتشابكة. ولهذا يرى التقرير أن الحفاظ على الاستقرار خلال العقد المقبل لن يعتمد فقط على قوة الاقتصادات أو الجيوش، بل أيضًا على قدرة الدول على إعادة بناء الثقة داخل مجتمعاتها، وتقليل الانقسامات، وحماية العقد الاجتماعي من الانهيار.

مستقبل غامض... لكن لم يُحسم بعد

ورغم الصورة الثقيلة والمليئة بالمخاطر التي يرسمها تقرير «المخاطر العالمية 2026»، إلا أنه لا يتعامل مع المستقبل باعتباره مسارًا حتميًا لا يمكن تغييره، بل يؤكد أن العالم لا يزال يقف عند لحظة مفصلية يمكن للقرارات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تُتخذ اليوم أن تحدد اتجاهها النهائي خلال العقود المقبلة. فالتقرير، على الرغم من لهجته التحذيرية، لا يقدم رؤية تشاؤمية مطلقة بقدر ما يسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجه البشرية، وعلى حقيقة أن شكل المستقبل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول والمؤسسات والمجتمعات على إدارة هذه المرحلة المعقدة من التحولات العالمية.

ويشير التقرير إلى أن العالم يعيش حاليًا حالة غير مسبوقة من عدم اليقين؛ حيث تتداخل الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية بصورة تجعل من الصعب التنبؤ بمسار النظام الدولي خلال السنوات المقبلة. فالقوى الكبرى تعيد رسم تحالفاتها ومصالحها، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصاد وسوق العمل والأمن العالمي بوتيرة متسارعة، بينما تتزايد الضغوط المناخية والاجتماعية على الحكومات والمجتمعات في مختلف أنحاء العالم. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو البشرية وكأنها تدخل مرحلة انتقالية كبرى قد تعيد صياغة شكل القوة والنفوذ والاستقرار العالمي لعقود طويلة قادمة.

ويؤكد التقرير أن العالم يقف اليوم أمام خيارين رئيسيين: إما أن تنجح الدول في بناء نماذج جديدة من التعاون وإدارة المخاطر الجماعية، أو أن يستمر الانزلاق نحو مزيد من الانقسامات والصراعات والمنافسة غير المنضبطة، بما قد يؤدي إلى مرحلة طويلة من الاضطرابات العالمية المتشابكة. فالتحديات التي يواجهها العالم اليوم -من التغير المناخي، إلى الذكاء الاصطناعي، إلى الأمن الغذائي والطاقة، وصولًا إلى الاستقرار الاقتصادي- لم تعد قضايا يمكن لأي دولة التعامل معها بمفردها، بل أصبحت أزمات عابرة للحدود تتطلب تنسيقًا دوليًا وثقة متبادلة وقدرة على العمل الجماعي.

لكن التقرير يلفت في الوقت نفسه إلى أن البيئة الدولية الحالية لا تسير بالضرورة في هذا الاتجاه. فمع تصاعد التنافس الجيوسياسي، وعودة السياسات الحمائية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، أصبحت فرص التعاون أكثر تعقيدًا، بينما تتزايد النزعات التي تدفع الدول إلى التركيز على مصالحها الوطنية الضيقة بدل الحلول الجماعية طويلة الأمد. وهذا ما يجعل العالم، بحسب التقرير، يدخل مرحلة «المنافسة المفتوحة»؛ حيث تصبح إدارة الأزمات أكثر صعوبة، وتزداد احتمالات تحول أي اضطراب محدود إلى أزمة عالمية أوسع نطاقًا.

كما يشير التقرير إلى أن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس فقط وجود المخاطر نفسها، بل تزامنها وترابطها. فالأزمات الاقتصادية قد تغذي الاضطرابات الاجتماعية، والتوترات الجيوسياسية قد تؤدي إلى أزمات طاقة وغذاء، والتغير المناخي قد يزيد من الهجرة والصراعات على الموارد، بينما يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن تسرّعا انتشار المعلومات المضللة والانقسامات السياسية. وهذا التشابك بين المخاطر يعني أن العالم قد يواجه خلال السنوات المقبلة سلسلة من «الأزمات المركبة» التي يصعب احتواؤها بالأدوات التقليدية التي اعتادت الحكومات استخدامها.

وفي هذا السياق، يطرح التقرير تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام الدولي الحالي على التكيف مع التحولات القادمة. فالكثير من المؤسسات والقواعد التي بُني عليها العالم بعد الحرب العالمية الثانية تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، سواء بسبب التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية أو بسبب تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. ولذلك يرى التقرير أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل واسعة للنظام العالمي، ليس فقط على مستوى موازين القوى السياسية، بل أيضًا على مستوى الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة وحتى القيم التي تحكم العلاقات الدولية.

ورغم هذه الصورة المعقدة، يؤكد التقرير أن المستقبل لا يزال قابلًا لإعادة التشكيل. فالتاريخ، بحسب التقرير، يثبت أن فترات الاضطراب الكبرى لا تؤدي دائمًا إلى الانهيار، بل قد تصبح أيضًا لحظات لإعادة بناء أنظمة أكثر توازنًا وقدرة على التكيف. لكن ذلك يتطلب وجود قيادة دولية قادرة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد، واستثمارات حقيقية في البنية التحتية والابتكار والتعليم والطاقة والتكنولوجيا، إضافة إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات وبين الدول.

كما يشدد التقرير على أن التعامل مع المخاطر المقبلة لن يعتمد فقط على القوة الاقتصادية أو العسكرية، بل أيضًا على قدرة الدول على بناء مجتمعات أكثر مرونة وتماسكًا، وقادرة على التكيف مع التحولات السريعة في الاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ. فالاستقرار في المستقبل لن يكون مرتبطًا فقط بالنمو الاقتصادي، بل بقدرة الحكومات على حماية العقد الاجتماعي، وتقليل فجوات عدم المساواة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، والاستعداد لمواجهة الأزمات المركبة التي قد تتكرر بوتيرة أسرع خلال العقد المقبل.

وفي النهاية، تبدو الرسالة الأساسية للتقرير واضحة: العالم يدخل عصرًا جديدًا من المنافسة وعدم اليقين، لكن هذا العصر لم تُحدد نتائجه بعد. فالطريقة التي ستُدار بها هذه المرحلة هي ما سيحدد ما إذا كانت البشرية ستتمكن من تحويل التحديات الحالية إلى فرص لإعادة بناء نظام عالمي أكثر استقرارًا وعدالة، أم أنها ستدخل عقدًا طويلًا من الاضطرابات والانقسامات والأزمات المتداخلة التي قد تغير شكل العالم لعقود قادمة.