No Image
عُمان الاقتصادي

هل تعيد النماذج الذكية تشكيل القرار الاقتصادي؟

13 مايو 2026
13 مايو 2026

حاورته - رحمة الكلباني 

بات بإمكان الآلة اليوم أن تتنبأ بالمخاطر الاقتصادية، وتغيّر سلوك الأسواق، واحتمالات الركود، وحتى الضغط المتوقع على القطاعات الحيوية قبل أن تظهر آثارها بشكل واضح، وهو ما يجعل الاقتصادات والمؤسسات تنظر للذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على دعم القرار الاقتصادي وتقليل حالة عدم اليقين، ومع تطور النماذج الذكية لم تعد قيمة التقنية في سرعة تنفيذ المهام فقط، بل في قدرتها على قراءة الأنماط، وربط المؤشرات، وتحويل البيانات إلى رؤى تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر دقة واستباقية. وهذا التحول لم يعد مرتبطًا بالشركات التقنية وحدها، بل أصبح جزءًا من طريقة تفكير المؤسسات والحكومات في إدارة الاقتصاد، والتخطيط، وتقليل المخاطر، وبناء قرارات تعتمد على التحليل بدل ردّ الفعل المتأخر.

في هذا الحوار ألتقت «$» الاقتصادي بالخليل بن أحمد العبدلي، مؤسس أكاديمية الذكاء الاصطناعي، ومطور وكلاء وأدوات الذكاء الاصطناعي، للحديث عن مستقبل الاقتصاد في عصر النماذج الذكية، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مجرد أداة تقنية إلى شريك في التفكير وصناعة القرار، وداعم رئيسي للتخطيط الاقتصادي واستشراف المتغيرات المستقبلية.

ما الدافع وراء تأسيسكم لأكاديمية تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

بدأت الرحلة من قناعة مفادها أن التقنية لا تُحدث أثرا حقيقيا بمجرد وجودها بل حين تتحول إلى مهارة قابلة للتطبيق في التعليم والعمل والإدارة وصناعة القرار، وفي الوقت الذي كان الاهتمام العام بالذكاء الاصطناعي منصبا على الانبهار بقدراته الإنتاجية كنا ننظر إليه من زاوية مختلفة وهي: كيف يمكن إعادة بناء طريقة العمل نفسها؟ وكيف يتحول الموظف من منفّذ لمهام متكررة إلى صاحب قرار مدعوم بالتحليل؟ وكيف تستطيع المؤسسات بناء ذاكرة معرفية رقمية لا تضيع بتغيّر الموظفين أو الإدارات؟

ومن هنا جاء الدافع لتأسيس الأكاديمية، ليس كمنصة تدريبية تقليدية، بل كجهة تساعد الأفراد والمؤسسات على الانتقال من مرحلة استخدام الأدوات إلى مرحلة تصميم الحلول، فهناك فرق جوهري بين شخص يستخدم أداة ذكاء اصطناعي لكتابة نص وبين مؤسسة تستخدم هذه التقنيات لتحليل بياناتها، وأتمتة إجراءاتها، وبناء وكلاء أذكياء، وتطوير قراراتها التشغيلية والاقتصادية. لذلك لا يقتصر دور الأكاديمية على تعليم الناس كيفية استخدام الأداة فقط بل يمتد إلى تعليمهم كيف يفكرون بمنطق الذكاء الاصطناعي بدءا من صياغة المشكلة، وبناء الأمر، والتحقق من المخرجات، وصولا إلى تحويل التقنية إلى قيمة حقيقية يمكن الاستفادة منها عمليا.

كيف تقيمون مستوى تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العربية والعُمانية على وجه التحديد؟

مستوى تبني الذكاء الاصطناعي في العالم العربي وسلطنة عُمان على وجه الخصوص يتقدم بشكل واضح، لكنه لا يزال في مرحلة الوعي المتزايد قبل الوصول إلى النضج المؤسسي الكامل، فهناك اهتمام كبير من القيادات والموظفين إلى جانب تجارب متعددة في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلا أن التحدي يكمن في أن نسبة كبيرة من هذا الاستخدام ما زالت فردية، مرتبطة بموظف مجتهد أو قسم متحمس، وليست جزءا من استراتيجية مؤسسية متكاملة.

وفي الواقع الفارق الحقيقي اليوم ليس بين مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي وأخرى لا تستخدمه، بل بين مستويات التبني نفسها. فهناك الاستخدام الفردي؛ حيث يعتمد الموظفون على أدوات عامة لتحسين بعض المهام اليومية. ثم يأتي الاستخدام التشغيلي، الذي توظف فيه الأقسام الذكاء الاصطناعي في إعداد التقارير، وخدمة العملاء، وصناعة المحتوى، والتحليل. بعد ذلك نصل إلى الاستخدام الاستراتيجي، حيث تبدأ المؤسسة بإعادة تصميم إجراءاتها وقراراتها اعتمادا على البيانات والنماذج الذكية. أما المرحلة الأكثر تقدما فهي الاستخدام المؤسسي العميق؛ حيث تُبنى نماذج ووكلاء وبيئات ذكاء اصطناعي مخصصة ومؤمنة داخل المؤسسة نفسها.

ومن هنا، يمكن القول إن التحدي الحالي لا يتعلق بتوفر التقنية بقدر ما يتعلق بتحويل هذا الاهتمام إلى بنية تشغيلية متكاملة تشمل السياسات، والتدريب، وتنظيم البيانات، والحوكمة، ومؤشرات القياس، بالإضافة إلى الربط المباشر بين الذكاء الاصطناعي والإنتاجية. وهذه ليست ملاحظة محلية فقط، بل إن التقارير العالمية تشير إلى أن المؤسسات بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع، لكن الانتقال من مرحلة التجارب الفردية إلى تحقيق أثر مؤسسي واسع النطاق لا يزال يمثل تحديا حقيقيا.

وفي المقابل، هناك جهد ملموس من المؤسسات التدريبية والاستشارية في تقديم الدعم المعرفي ومساعدة الجهات المختلفة على التقدم وفق خارطة تبني واضحة. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن العقبة الأبرز لدى كثير من المؤسسات تتمثل في غياب البنية الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي. ولهذا، فإن الاستثمار المتوقع في المدن والمناطق الخاصة لتوسيع البنية الحاسوبية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سيكون خطوة محورية في معالجة هذا التحدي.

ونحن اليوم نسمع عن مشاريع مرتبطة بالمناطق الخاصة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التحولات التقنية في المدن الكبرى مثل: مسقط الكبرى، وهو ما يُعد مؤشرا إيجابيا ومبشرا بتحول البنية الحاسوبية إلى قوة داعمة لتبني تقنيات المستقبل وتسريع التحول الرقمي في المؤسسات.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي داخل الشركات؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي داخل الشركات من ثلاث زوايا رئيسة؛ الأولى هي الانتقال من القرار المتأخر إلى القرار المبكر، ففي السابق كانت الشركات تكتشف المشكلة بعد وقوعها مثل انخفاض المبيعات أو ارتفاع التكاليف أو تراجع رضا العملاء، أما اليوم فأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على قراءة الإشارات المبكرة قبل أن تتحول إلى أزمة، فعلى سبيل المثال إذا بدأ الطلب بالانخفاض في منطقة معينة أو ارتفعت شكاوى العملاء أو تغيّر سلوك الشراء يمكن للنموذج أن ينبه الإدارة مبكرًا لاتخاذ إجراءات استباقية.

أما الزاوية الثانية فهي الانتقال من القرار المبني على الحدس إلى القرار المدعوم بالبيانات، فالخبرة البشرية تبقى عنصرًا مهمًّا لكنها قد تتأثر أحيانًا بالانطباعات الشخصية أو التجارب المحدودة وهنا لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الخبرة بل يعززها ويمنحها أرضية تحليلية أوسع وأكثر دقة. لذلك، فإن القرار الجيد مستقبلًا لن يعتمد على الإنسان وحده أو التقنية وحدها، بل على مزيج من خبرة الإنسان، وقوة البيانات، وسرعة النماذج الذكية في التحليل.

وتكمن الزاوية الثالثة في الانتقال من التفكير في قرار واحد إلى بناء عدة سيناريوهات اقتصادية محتملة. فبدل أن تسأل الإدارة: “هل نفتح فرعًا جديدًا أم لا؟”، يمكنها أن تسأل: ما السيناريو المتفائل؟ وما السيناريو المحافظ؟ وما أثر ارتفاع التكاليف أو انخفاض الطلب؟ وأين تقع نقطة التعادل؟ وما احتمالية الخسارة أو النمو؟ هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة للإجابة إلى محرك لبناء وتحليل السيناريوهات الاقتصادية المختلفة.

ومع وجود بنية تقنية يمكن تزويدها ببيانات وأرقام خاصة لتتبع تدفق العمليات، تصبح المؤسسات قادرة على إنشاء بيئة تحليلية مغلقة وآمنة تساعد في دراسة القرارات الحساسة أو السيادية دون الحاجة إلى كشف بياناتها خارج المؤسسة وهنا لا يكون الحديث فقط عن دقة المخرجات، بل عن مستوى الثقة الذي يمنحه الذكاء الاصطناعي لصانع القرار، وقدرته على الاعتماد على التقنية في فهم الاحتمالات واتخاذ قرارات أكثر وعيًا واستباقية.

إذا هل تتوقعون أن تصبح النماذج الذكية جزءًا أساسيًّا من التخطيط الاقتصادي الحكومي؟

نعم، وأعتقد أن هذا التحول قادم بقوة خلال السنوات المقبلة؛ فالحكومات اليوم تمتلك كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالسكان، والتعليم، والصحة، وسوق العمل، والتجارة، والطاقة، والنقل، والإسكان، والسياحة، والإنفاق العام. لكن القيمة الحقيقية لهذه البيانات لا تكمن في حفظها فقط، بل في القدرة على تحويلها إلى نماذج ذكية تساعد على التحليل والتخطيط والتنبؤ.

ومن هنا، يمكن للنماذج الذكية أن تؤدي دورًا مهمًّا في توقع الطلب على الخدمات الصحية والتعليمية، وتحليل احتياجات سوق العمل، وقياس أثر السياسات قبل تنفيذها، وتحسين توزيع الموارد، ورصد المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى دعم التخطيط العمراني والنقل، وبناء سيناريوهات دقيقة للإيرادات والإنفاق الحكومي. ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط الحكومي لا يعني أن النموذج هو من يتخذ القرار، بل إنه يزوّد صانع القرار برؤية أوسع وتحليلات أعمق وسيناريوهات أكثر دقة تساعده في اتخاذ القرار المناسب.

وأبرز القطاعات التي ستستفيد من هذه النماذج التنبؤية تشمل القطاع الصحي، من خلال توقع الضغط على المستشفيات والأمراض والاحتياجات الطبية، وقطاع التعليم في توقع التخصصات والمهارات المطلوبة مستقبلًا، وسوق العمل في قراءة فجوات الوظائف القادمة. كما ستستفيد قطاعات الطاقة، والنقل، واللوجستيات، والسياحة، والأمن الغذائي، والمالية العامة، من خلال تحسين التنبؤ بالاستهلاك، وتحليل الطلب، وتقليل الهدر، ومراقبة سلاسل الإمداد، وقياس المخاطر الاقتصادية والإنفاق والإيرادات بشكل أكثر دقة.

وفي الواقع، بدأت المؤسسات المالية الدولية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تحولًا هيكليًّا يؤثر في الخدمات العامة، وأسواق العمل، والإنتاجية، وحتى توزيع الدخل، وليس مجرد موجة تقنية مؤقتة.

والسر الحقيقي في النماذج الذكية أنها ليست مجرد أدوات مستقلة، بل هي انعكاس مباشر لتدفق العمليات التي صُممت من أجلها. فلكل قطاع أو تخصص طريقة عمل مختلفة، ولكل تدفق عمل هيكل معرفي خاص به. لذلك، فإن النموذج الذكي الناجح هو الذي يستطيع ترجمة هذا التدفق إلى خوارزميات دقيقة تحاكي طريقة تفكير الخبير البشري، ثم تتجاوزها من حيث السرعة، واتساع التحليل، والقدرة على ربط عدد كبير من المتغيرات في الوقت نفسه. 

إن ما يؤرق الأعمال اليوم والاقتصاد بشكل عام هو «عدم اليقين» فكيف تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالمخاطر الاقتصادية قبل وقوعها؟

يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالمخاطر الاقتصادية من خلال قراءة الأنماط وتحليل العلاقات بين البيانات، وليس من خلال معرفة الغيب أو التنبؤ المطلق بالمستقبل. فهو يعتمد على تحليل كميات ضخمة من البيانات، ثم يبحث عن التغيرات غير الطبيعية أو العلاقات المتكررة بين المؤشرات المختلفة. فعلى سبيل المثال، إذا ارتفعت تكلفة الشحن، وانخفضت حركة المبيعات، وتغير سلوك المستهلك، وزادت شكاوى الموردين، وتأخرت المدفوعات، فقد يتمكن النموذج من استنتاج وجود خطر قادم يتعلق بالتدفقات النقدية أو سلاسل الإمداد قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة فعلية.

وتعتمد هذه النماذج على مجموعة واسعة من المؤشرات؛ فهناك المؤشرات المالية مثل الإيرادات، والمصروفات، والتدفقات النقدية، وهامش الربح، ونسب الديون، وسرعة التحصيل. وهناك أيضًا المؤشرات السوقية مثل حجم الطلب، والأسعار، والمنافسة، وتغير سلوك العملاء، ومعدلات الاحتفاظ بهم.

إلى جانب ذلك، تتابع النماذج المؤشرات التشغيلية، مثل المخزون، والإنتاج، والتأخير، والأعطال، وتكاليف التشغيل، وأداء سلاسل الإمداد. كما تستفيد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، مثل التضخم، وأسعار الفائدة، وأسعار الطاقة، والبطالة، وأسعار العملات، وحركة التجارة. وحتى المؤشرات الرقمية والسلوكية أصبحت جزءًا مهمًّا من التحليل، مثل عمليات البحث على الإنترنت، والتفاعل الرقمي، وتقييمات العملاء، والشكاوى، وأنماط الشراء، وحركة المنصات الرقمية.

وتكمن قوة الذكاء الاصطناعي في أنه لا يقرأ كل مؤشر بشكل منفصل، بل يربط المؤشرات ببعضها لفهم الصورة الكاملة. ففي كثير من الأحيان، لا يظهر الخطر في رقم واحد واضح، بل في العلاقة بين عدة أرقام وتغيرها مع الوقت. وهنا تظهر قيمة النماذج الذكية في اكتشاف الإشارات المبكرة التي قد لا تكون واضحة للإنسان عند النظر إلى البيانات بشكل تقليدي.

ماذا عن الأزمات المالية أو حالات الركود، هل يمكن التنبؤ بها بدقة حقيقية؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن قدرة المؤسسات والحكومات على التنبؤ بالأزمات المالية، لكنه لا يمنح يقينًا كاملًا، وهذه نقطة مهمة جدًا حتى لا نبالغ في تصوير قدراته؛ فالأزمات المالية لا تنتج عن الأرقام وحدها، بل تتأثر بعوامل كثيرة ومتداخلة، مثل القرارات السياسية، وثقة المستثمرين، وسلوك المستهلكين، وأسعار الطاقة، والحروب، والكوارث، والإشاعات، والقرارات التنظيمية، وحتى الحالة النفسية للأسواق. 

لذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرصد مؤشرات الخطر، أو يحدد احتمالية حدوث ركود، أو يكشف وجود ضغط على السيولة، أو يلاحظ تشابها مع أنماط اقتصادية سابقة. لكنه لا يستطيع أن يؤكد بدقة مطلقة أن أزمة معينة ستقع في يوم محدد وبطريقة محددة. والأدق أن نقول إن الذكاء الاصطناعي لا يتنبأ بالأزمة كحدث مؤكد، بل يعمل كنظام إنذار مبكر يساعد على اكتشاف الإشارات قبل تفاقمها.

وهذه بحد ذاتها قيمة كبيرة؛ لأن الإنذار المبكر في الاقتصاد قد يكون أحيانا أهم من التنبؤ الكامل؛ فهو يمنح المؤسسات والحكومات وقتا للاستعداد، واتخاذ إجراءات احترازية، وتقليل حجم الخسائر المحتملة.

وفي المقابل، هناك جانب آخر مهم يجب الانتباه له، وهو أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يتحول إلى مصدر لمخاطر جديدة داخل النظام المالي، خاصة إذا بدأت المؤسسات تعتمد على نماذج متشابهة وتتخذ قرارات متقاربة في الوقت نفسه. ففي هذه الحالة، قد يؤدي ذلك إلى تضخيم بعض الصدمات الاقتصادية بدلا من تقليلها.

ولهذا السبب، بدأت المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية تناقش تأثير الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة للتنبؤ والتحليل، بل أيضا كمصدر محتمل لمخاطر مالية جديدة إذا لم تتم حوكمته وتنظيم استخدامه بشكل صحيح.

هل يمكنك أن ترسم لنا تصورا لشكل الاقتصاد خلال السنوات العشر القادمة مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

خلال السنوات العشر القادمة، سيتحول الاقتصاد تدريجيّا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على رأس المال والعمالة، إلى اقتصاد يعتمد على البيانات، والخوارزميات، والقدرة على الأتمتة، وسرعة التعلم المؤسسي. فالمنافسة لن تكون فقط بين الشركات التي تملك منتجات أكثر، بل بين الشركات التي تستطيع فهم السوق بشكل أسرع والتكيف معه بكفاءة أعلى.

وسنرى بشكل متزايد شركات صغيرة قادرة على منافسة شركات أكبر منها حجما؛ بفضل استخدامها للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وتحليل العملاء، وأتمتة المبيعات، وبناء النماذج، وتقديم خدمات العملاء بتكلفة أقل وسرعة أكبر.

لكن في المقابل، سيظهر انقسام واضح بين نوعين من المؤسسات: النوع الأول، هو المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة جانبية لتحسين بعض المهام، وهذه ستحقق تحسنا محدودا في الإنتاجية. أما النوع الثاني، فهو المؤسسات التي تعيد تصميم طريقة العمل نفسها حول الذكاء الاصطناعي، وهذه ستحقق قفزة كبيرة في السرعة والكفاءة والقدرة التنافسية.

ولهذا، فإن الاقتصاد القادم سيكون أسرع وأكثر اعتمادا على التكيف المستمر، لكنه في الوقت نفسه سيكون أكثر قسوة على المؤسسات البطيئة في التطور. ولن يكون السؤال الأساسي مستقبلا: «هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟» بل: «هل بنيت نموذج عمل قادرا على التعلم والتطور المستمر؟» كما أن تأثير الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على الوظائف التقنية فقط، بل سيمتد إلى مجالات المحاسبة، والقانون، والتسويق، والتعليم، والصحة، والإدارة، والموارد البشرية، والخدمات الحكومية، وحتى التخطيط الاقتصادي؛ فالكثير من المهام التقليدية ستتغير طبيعتها، وستظهر مهارات جديدة مرتبطة بالتحليل، واتخاذ القرار، وإدارة الأنظمة الذكية. وفي هذا السياق، تشير المؤسسات الدولية إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل لا يعتمد فقط على فكرة استبدال الوظائف بشكل مباشر، بل على كيفية إعادة تشكيل المهام نفسها، وتغيير متطلبات الخبرة والمهارات داخل مختلف القطاعات.

هل هناك مهارات يستوجب امتلاكها من قبل قادة الأعمال لمواكبة هذا التحول؟

قادة الأعمال اليوم لا يحتاجون بالضرورة إلى أن يصبحوا مبرمجين أو متخصصين تقنيين، لكنهم بحاجة إلى فهم استراتيجي عميق للذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفه داخل المؤسسات، وأولى هذه المهارات هي التفكير بالأنظمة، بحيث ينظر القائد إلى المؤسسة كنظام مترابط يضم البيانات، والعمليات، والموظفين، والعملاء، والمخاطر، والقرارات؛ فالذكاء الاصطناعي لا يحقق أثرا حقيقيّا عندما يُستخدم كأداة منفصلة، بل عندما يكون جزءا من منظومة العمل كاملة.

أما المهارة الثانية فهي فهم البيانات، ولا يُقصد بذلك أن يكون القائد عالم بيانات وإنما أن يدرك قيمة البيانات وجودتها ومخاطرها، وكيف يمكن تحويلها إلى قرارات أكثر دقة وكفاءة. وتأتي بعد ذلك مهارة قيادة التغيير، وهي من أهم المهارات في هذه المرحلة؛ لأن أكبر مقاومة للذكاء الاصطناعي غالبا ليست تقنية، بل بشرية؛ فالكثير من الموظفين يخشون التغيير، وبعض الإدارات تتمسك بالأساليب التقليدية، بينما تحاول في الوقت نفسه تحقيق نتائج مختلفة بعقلية قديمة.

كما تبرز أهمية الحوكمة الأخلاقية؛ حيث يجب أن يكون القائد قادرا على تحديد متى يُستخدم الذكاء الاصطناعي، ومتى لا يُستخدم، وما البيانات الحساسة التي تحتاج إلى حماية، ومن يتحمّل المسؤولية عند حدوث خطأ أو انحياز في المخرجات.

ومن المهارات المهمة أيضا القدرة على بناء فرق هجينة؛ لأن المستقبل لن يكون لفريق تقني يعمل بمعزل عن الإدارة، بل لفرق تجمع بين خبراء المجال، وخبراء البيانات، ومصممي الإجراءات، ومهندسي الذكاء الاصطناعي، بحيث يعمل الجميع ضمن رؤية واحدة.

وأخيرا، تبقى القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة من أكثر المهارات حسما في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالقائد الناجح لن يُقاس فقط بقدرته على إعطاء الإجابات، بل بجودة الأسئلة التي يطرحها: ما المشكلة الحقيقية؟ ما البيانات المتوفرة؟ ما القرار المطلوب؟ ما المخاطر المحتملة؟ ما السيناريوهات المتوقعة؟ وما حدود النموذج المستخدم؟ لأن جودة هذه الأسئلة ستحدد جودة القرارات والنتائج مستقبلا.

أخيرا، هل نحن أمام عصر تصبح فيه الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على البقاء والمنافسة؟

نعم، إلى حد كبير، لكن هناك شرط مهم جدا: ليس كل شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي ستنجح تلقائيّا؛ فالنجاح الحقيقي سيكون من نصيب الشركات التي تستخدمه بوعي، وتدمجه ضمن نموذج العمل نفسه، وتبني حوله ثقافة مؤسسية واضحة، وعمليات منظمة، وبيانات موثوقة. فالشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر قدرة على البقاء والمنافسة؛ لأنها تستطيع تقليل الهدر، وتسريع اتخاذ القرار، وفهم العملاء بدقة أكبر، والتنبؤ بالمخاطر مبكرا، وأتمتة الأعمال المتكررة، وتخصيص الخدمات، ورفع إنتاجية الموظفين، إضافة إلى تطوير المنتجات والاستجابة لتغيرات السوق بسرعة أكبر من المنافسين.

لكن في المقابل، فإن الاعتماد العشوائي على الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى مصدر خطر بدل أن يكون نقطة قوة. فإذا استخدمته الشركة دون حوكمة واضحة، فقد يؤدي ذلك إلى قرارات غير دقيقة، أو الاعتماد على بيانات ضعيفة، أو انتهاك الخصوصية، أو الثقة الزائدة في مخرجات قد تحتوي على أخطاء أو انحيازات.

ولهذا، فإن المستقبل لن يكون فقط للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، بل للشركات التي تفهمه بشكل صحيح، وتضع له إطارا واضحا للحوكمة، وتعيد تصميم عملياتها وطريقة عملها بما يتناسب مع قدراته وإمكاناته الحقيقية.