No Image
عُمان الاقتصادي

المستقبل .. من التنويع إلى ترسيخ الأمن الاقتصادي

13 مايو 2026
13 مايو 2026

محمد بن أحمد الشيزاوي

يظل تأمين المستقبل الاقتصادي وتعزيز أداء القطاعات الاقتصادية وتشجيع الإنتاجية وتأهيل الشباب للمراحل المقبلة من الحياة بكل تفاصيلها وما تشهده من متغيرات محلية ودولية؛ من المستهدفات الرئيسية لـ «رؤية عُمان 2040» للعديد من الاعتبارات لعل في مقدمتها أن الرؤية عندما أُعدت بمشاركة مجتمعية واسعة لم يكن الهدف منها أن تكون مجرد شعار يُرددّ من حين لآخر وإنما أن تصبح برنامج عمل يخرج من التنظير العام إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع وهو ما جعلنا نشهد خلال السنوات الخمس الماضية - منذ انطلاق العمل بالرؤية في عام 2021 - نشاطا متناميا وتكاملا مؤسسيا ومبادرات متعددة تستهدف تفعيل مؤشرات الرؤية وتحقيق أولوياتها وبما يُسهم في بناء الاقتصاد الوطني بشكل يمكنه من تحقيق تطلعات المجتمع العماني.

وعلى الرغم من أن الخطط التنموية والرؤى الاقتصادية المستقبلية تضع العديد من السيناريوهات للتحديات التي تواجه هذه الخطط ومدى قدرة الاقتصاد على النمو خلال الفترات المستهدفة، إلا أن المشكلة التي تواجه مختلف الخطط التنموية - ليس في سلطنة عُمان فقط وإنما أيضا في جميع دول العالم - هي أن أيّ أزمة اقتصادية في أي دولة من دول العالم، خاصة في الدول الكبرى، لا تقتصر تأثيراتها على الدولة ذاتها أو محيطها وإنما تمتد إلى العديد من دول العالم وهو ما نلاحظه الآن في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران وما أحدثه هذا الصراع من تأثيرات امتدت لمختلف دول العالم خاصة أن هذه التأثيرات ارتبطت بمصادر الطاقة التي تعتمد عليها مختلف دول العالم وبالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وكما نعلم فإن العولمة أحدثت تغيرات اقتصادية عديدة في مختلف دول العالم وجعلت الدول تعتمد على بعضها البعض في كثير من احتياجاتها، وكثيرا ما تلجأ الدول والمصانع الكبرى لتقليص التكاليف عبر استيراد مدخلات الإنتاج من دول أخرى، أو تصنيع السلع في دول أخرى تتميز بتدني أجور العاملين فيها ولكن عندما تتأثر سلاسل الإمداد فإن السلع لن تصل إلينا في الوقت المحدد والأمر لا يقتصر فقط على الأفراد المستهلكين وإنما يشمل أيضا المصانع الكبرى والدول التي تستورد احتياجاتها من الدول الأخرى. كل هذا يعني أن تحديات المستقبل الاقتصادي لا تقتصر فقط على التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتنويع الاقتصادي وإنما تتعداه إلى تأمين احتياجاتنا من السلع التي تحقق لنا الأمن الاقتصادي.وهذا يقودنا – ونحن نناقش «تأمين مستقبل الاقتصاد» - للحديث عن قضيتين أساسيتين: الأولى هي التنويع الاقتصادي والثانية هي الانتقال من التنويع إلى الاستدامة وترسيخ الأمن الاقتصادي، ولا يمكن الانتقال إلى الاستدامة الاقتصادية إلا من خلال التنويع الذي هو أساس كل الخطط التنموية، فالاقتصاد الذي يقوم على قطاع واحد كالنفط أو الغاز أو الصناعة أو السياحة لن يتمكن من الصمود في وجه الأزمات ولن يتمكن أيضا من تحقيق تطلعات المجتمعات في الحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها كالصحة والتعليم والعمل والعيش الكريم.

وقد أثبتت جائحة كوفيد-19 هذا الأمر بوضوح؛ فالدول التي كانت تعتمد على مورد واحد أو موارد محدودة كانت تداعيات الأزمة عليها كبيرة خاصة الدول السياحية التي تأثرت كثيرا بالإغلاقات التي شهدها العالم آنذاك، وهذا يعني أن التنويع الاقتصادي هو مدخلٌ لاستقرار الدول ونموها، غير أن قدراتها على الصمود في وجه الأزمات تحتاج إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما وهي مرحلة الاستدامة وتحقيق الأمن الاقتصادي.

وحتى نعطي النقاش ما يستحقه من عناية واهتمام نشير إلى أن الانتقال إلى مرحلة الاستدامة تتطلب في البداية جهودا عديدة لتحقيق التنويع الاقتصادي وهو –كما نتصور- ليس مجرد تقليل الاعتماد على المورد الرئيسي للدخل أو زيادة الموارد التي تساهم في الإيرادات الحكومية ولكنه –في نظرنا- منظومة متكاملة من المشاريع والخطط المترابطة التي تقودنا لاحقا إلى تحقيق الأمن الاقتصادي والتي تبدأ بالانتقال من الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي يرتكز على تطوير مجموعة من القطاعات؛ تشمل على سبيل المثال: الصناعات التحويلية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والزراعة المتقدمة، والقطاع المالي بما يضمه من قطاعات فرعية كالقطاع المصرفي وقطاع سوق رأس المال والتأمين، كما تشمل أيضا تعزيز إمكانيات القطاع اللوجستي عبر تطوير سلاسل الإمداد ومنظومة النقل متعدد الوسائط وتعزيز إسهامات الموانئ والمطارات في التنويع الاقتصادي، بالإضافة إلى تشجيع ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمكين القطاع الخاص من النمو في ظل بيئة تنافسية منظمة ومستقطبة للاستثمارات وداعمة للقوى العاملة المحلية، ويعتبر التعليم وتنمية المواهب المحلية والحوكمة والقوانين والتشريعات المنظمة للاستثمار من الممكنات الرئيسة لخطط التنويع الاقتصادي.

وعلى الرغم من الأهمية التي يمثلها التنويع الاقتصادي لأي دولة إلا أن التحديات الاقتصادية العالمية والأوضاع الجيوسياسية المتقلبة تتطلب الانتقال من مرحلة التنويع إلى مرحلة أكثر تقدما تقي الاقتصاد من الأزمات وذلك عبر تحقيق الاستدامة الاقتصادية، وترسيخ الأمن الاقتصادي الذي يركز في مفهومه العام على حماية الاقتصاد من الصدمات وضمان استدامة النمو ورفاه المجتمع وتحقيق تطلعات الشباب نحو المستقبل، وإذا كنا في حديثنا عن التنويع الاقتصادي قد ركزنا على أهمية تنويع الموارد فإننا في مرحلة الاستدامة نركز على ترسيخ الأمن الاقتصادي من خلال مجموعة من المرتكزات في مقدمتها تنويع القاعدة الاقتصادية بما يُسهم في توزيع المخاطر بين قطاعات اقتصادية مختلفة فلا يمكن الاعتماد على إنتاج النفط والغاز وتصديرهما فقط أو على القطاع السياحي وإنما لابد من استغلال الإمكانيات الاقتصادية الأخرى وتنميتها بما يحقق استدامة هذه القطاعات، في الوقت الذي ينبغي أن تركز فيه الخطط الاقتصادية على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي وضبط العجز في الموازنة العامة وإبقاء الدَّين العام في حدود آمنة والسيطرة على التضخم ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتمكين القطاع الخاص، وتوفير المناخ الملائم له للنمو دون الاعتماد على الإنفاق الحكومي.

ويعد تحقيق الأمن الصناعي والأمن الغذائي والمائي من أبرز مرتكزات الأمن الاقتصادي بحيث تعمل الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية داخليا؛ عبر الزراعة والصناعة وتطوير الإنتاج المحلي وتخزين السلع الأساسية للمحافظة على استقرار الأسعار أثناء الأزمات؛ وخارجيا عبر عقد التحالفات الاقتصادية وتنويع الشركاء التجاريين ومصادر الاستيراد وتأمين قنوات التجارة وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، هذا بالإضافة إلى العمل على تحقيق أمن الطاقة واستدامتها وتنويعها من خلال الاتجاه نحو مصادر الطاقة المتجددة، وحتى تتمكن هذه القطاعات من تحقيق مستهدفاتها لابد من بناء الكفاءات المحلية التي تقود التنمية إذ لا يمكننا أن نتصور اقتصادا آمنا محميا ضد الصدمات دون وجود كفاءات قادرة على التعامل مع المتغيرات المحلية والدولية، ولا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال التعليم النوعي وتطوير المهارات وتعزيز الابتكار والاستثمار في التقنية وبناء اقتصاد حديث قائم على الذكاء الاصطناعي والتحول الإلكتروني والأنظمة الذكية التي تعزز تجربة المستثمرين والمواطنين والمقيمين.

وبشكل عام يمكننا القول إن الأمن الاقتصادي لا يتحقق إلا من خلال منظومة متكاملة تبدأ بالتنويع الاقتصادي لتنتقل لاحقا إلى حماية الاقتصاد من التقلبات والمخاطر وتُسهم في تحقيق الاستقرار المالي والنقدي مع الاهتمام ببناء احتياطيات مالية وغذائية واستثمارية متعددة وإعداد خطط اقتصادية للطوارئ والقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية عبر سياسات اقتصادية استباقية تستشرف المخاطر ولديها القدرة على التخطيط طويل المدى والمرونة في تعديل هذه الاستراتيجيات؛ في عالم تتزايد فيه التقلبات وتتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات والأزمات التي تفرض على جميع دول العالم بناء اقتصاد قادر على التأقلم مع المستقبل وتحدياته التي لا يمكن التنبؤ بها مهما سعينا إلى ذلك.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية