No Image
عُمان الاقتصادي

الممرات الضيقة للعالم.. ماذا تكشف حرب إيران عن مستقبل العولمة؟

13 مايو 2026
13 مايو 2026

عاصم الشيدي -

قدم المنظرون العولمة بوصفها زمنا للاتساع عبر حقل دلالي ركز على مفردات الانفتاح والاندماج والتدفقات والتقارب واتساع النطاق. ووعدوا بعالم تعبر فيه السلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والأفكار الحدود بقدر من السلاسة يجعل التعاون أكثر ضرورة. غير أن بنية ذلك العالم الذي رسمه منظرو العولمة استندت دائما إلى مواضع ضيقة مثل المضايق والقنوات والموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات وأنظمة الدفع الإلكترونية والأسواق والضمانات الأمنية. جاءت الحرب على إيران لتضع هذا التناقض أمام العالم بشكل واضح. لقد أظهرت أن العولمة ليست فكرة معلّقة فوق السياسة، بل بنية مادية تتكثف هشاشتها في نقاط محددة.

كان مضيق هرمز أحد أبرز مظاهر ضعف العولمة. وصف المضيق بلغة أمن الطاقة، بوصفه ممرا بحريا تعبره حصة وازنة من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. هذا صحيح، لكنه لا يكفي. فهرمز مرآة العولمة في لحظة انكشافها؛ اقتصاد عالمي يدّعي التوزع، ويعتمد في لحظاته الحاسمة على نقاط تتركز فيها القوة. والأزمة في هذه الأماكن لا تبقى محلية، سرعان ما تتحول إلى أزمة عالمية يتجاوز اضطرابها الممر الحيوي إلى خلل أعمق في بنية النظام الذي يقوم عليه هذا الترابط. من هنا تكمن أزمة العولمة في غياب نظام سياسي قادر على إدارة الترابط الذي أوجدته.

لقد حملت العولمة، طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة، وعودا أخلاقية واستراتيجية. كان التكامل الاقتصادي سيخفف طبائع القوة، والدول المرتبطة بالتجارة والاستثمار ستكتسب مصلحة مشتركة في الاستقرار. وستتحول سلاسل التوريد إلى قوى اجتماعية واقتصادية تؤيد السلام. وسيعاقب المستهلكون والشركات والأسواق المالية أي مواجهة متهورة. وبمرور الوقت، سيهذبُ السعيُ إلى الازدهار السعيَ إلى الهيمنة.

وقد تحققت أجزاء من ذلك الوعد. وسّع التكامل الاقتصادي الفرص، وخفّض كلفة السلع، وساعد بعض الاقتصادات الصاعدة على بناء قدراتها الصناعية. غير أن هذه المكاسب حجبت عجزا سياسيا أعمق: فقد ربطت العولمة المجتمعات والأسواق أسرع مما بنت المؤسسات القادرة على إدارة خسائرها وتوزيع أعبائها وكتابة قواعدها بعدالة.

ظهر هذا العجز أولا داخل الدول؛ ففي كثير من الاقتصادات المتقدمة كانت مكاسب الاندماج حقيقية، لكنها غير متكافئة. استفاد المستهلكون من السلع الأرخص واستفادت الشركات من خفض التكاليف وتوسيع الأسواق، وازدهرت مناطق وقطاعات بعينها. في المقابل، تآكلت مناطق وقطاعات أخرى من الداخل. اختبر العمال في الصناعات المكشوفة العولمة بوصفها تخليا. ثم زادت إخفاقات السياسات الداخلية عمق الإصابة فكشفت عن شبكات أمان ضعيفة، وبرامج تأهيل غير كافية، وأنظمة ضريبية منحازة، وإهمال سياسي للمجتمعات التي ضربها تراجع التصنيع. وتحولت الاضطرابات الاقتصادية إلى غضب ديمقراطي في بعض البلدان.

وغيّر ذلك الغضب السياسة الداخلية في الدول كما غير سلوكها الخارجي. وأصبحت العولمة تفسيرا جاهزا لعدم المساواة وفقدان الوظائف وفشل المؤسسات. وحوّل السياسيون التظلم إلى تعريفات جمركية وقيود تصدير وارتياب من الاعتماد على الخارج. عندئذ غدا الافتراض القديم، القائل إن التجارة تقف بعيدا عن الجغرافيا السياسية، افتراضا غير قابل للصمود. وبدأت التجارة والتمويل والتكنولوجيا والطاقة تعكس الاصطفافات الجيوسياسية أكثر مما تتجاوزها.

وكشفت الحرب على إيران مرحلة أخرى من هذا التحول. تكشف ما يحدث حين يبقى الاعتماد المادي قائما بعد أن تتراجع الثقة السياسية التي منحت هذا الاعتماد معناه. فالاضطراب في الخليج يذكّر العالم بأن رخاءه يعتمد على أنظمة لا تستطيع الأسواق وحدها ضمان أمنها. ولا يستطيع نظام الأسعار، في لحظات تعيد فيها القوة رسم حدود التوقع، أن يوفر هذه الشروط وحده.

هنا تغيّرت لغة العولمة. فما كان يسمى كفاءة صار يُعاش غالبا بوصفه انكشافا. لقد تعامل العالم مع سلاسل التوريد وشبكات الدفع بالدولار والمضائق البحرية باعتبارها بنى أساسية لعالم أكثر اندماجا، لكنها تُفهم اليوم، على نحو متزايد، كنماذج لهشاشة العولمة وضعفها.

والنتيجة ليست نزعا للعولمة بالمعنى البسيط؛ فالسلع ما زالت تتحرك، ورؤوس الأموال ما زالت تعبر الحدود، والتكنولوجيا ما زالت تنتشر، والطاقة ما زالت تتدفق. العالم شديد الاعتماد المتبادل ومعتاد إلى درجة عميقة على فوائد هذا الاعتماد، بحيث لا يستطيع العودة إلى اقتصادات وطنية مغلقة على ذاتها. الاكتفاء الذاتي وهم في الخطاب السياسي وليس استراتيجية اقتصادية قابلة للحياة. غير أن العولمة دخلت طورا أشد قسوة؛ إنها تتحول من مشروع ثقة إلى نظام يُدار بالارتياب.

تجعل منطقة الخليج العربي هذه الحقيقة مرئية لأنه غالبا ما يُساء فهمها باعتبارها مشكلة أمنية إقليمية مجاورة للاقتصاد العالمي. والأدق أن يُفهم بوصفه أحد أنظمة تشغيل الاقتصاد العالمي. فممراته البحرية تصل الإنتاج الآسيوي، والصناعة الأوروبية، وسياسات التضخم الأمريكية، وكلفة الغذاء في إفريقيا، والاستقرار المالي للدول المصدرة للطاقة. وحين تصل الحرب إلى هذا الفضاء ينهار الفاصل بين الإقليمي والعالمي. يصبح العسكري تجاريا، ويصبح التجاري سياسيا، ويصبح المحلي بنيويا.

من هنا تبدو الحاجة إلى مراجعة الافتراض الليبرالي الذي يقول إن التكامل الاقتصادي يستطيع أن يقوم مقام التسوية السياسية. والتجارب تقول إنه لا يستطيع. قد تخلق الأسواق حوافز لضبط النفس، لكنها لا تنتج الشرعية بمفردها. قد توزع السلع، لكنها لا تحسم النزاعات حول القوة والهُوية والسيادة والعدالة. قد تعمّق الاعتماد، لكنها لا تضمن أن يُفهم هذا الاعتماد بوصفه منفعة متبادلة لا انكشافا استراتيجيا. ولا تستطيع الحلول الوطنية، مهما حاولت، أن تحل محل نظام عالمي؛ فعالم مقسم إلى كتل اقتصادية محصنة لا يملك شروط الاستقرار. فهو يستبدل هشاشة الانفتاح بهشاشة أخرى تتمثل في قلة الثقة وارتفاع الكلفة وتآكل المساحات التي كانت تمنح الخصوم أسبابا عملية لتجنب التصعيد.

لذلك فإن الخيار ليس بين استعادة العولمة القديمة والتصفيق لتفككها. النموذج القديم لا يمكن إحياؤه ببساطة، لقد منح الكرامة والتوزيع واختلالات القوة اهتماما أقل مما تستحق، وتعامل مع العمال والدول الأضعف والمناطق المكشوفة ككلفة تكيف. وسمح للدول القوية بأن تصوغ قواعدها في هيئة قواعد كونية، ثم تطبقها بصورة انتقائية. وخلط بين اتساع التبادل وبناء النظام.

لكن التفكك ليس استراتيجية؛ إنه حالة ينبغي إدارتها ومقاومتها حيثما أمكن. والمهمة هي منح العولمة أساسا سياسيا يوازي امتدادها المادي. وهذا يتطلب عقدا داخليا أقوى في الاقتصادات المفتوحة، حتى لا يتحول الانكشاف أمام التجارة إلى انكشاف أمام التخلي. ويتطلب مؤسسات دولية أكثر تمثيلا ومصداقية، خصوصا لدى الدول التي عاشت القواعد العالمية طويلا بوصفها أدوات ضبط لا شراكة. ويتطلب التعامل مع المضائق البحرية وطرق الطاقة، وكابلات البيانات، وأنظمة الدفع، وأسواق التأمين، كمصالح عامة لعالم مترابط، لا كبنى أساسية تجارية فحسب. كما يتطلب نقاشا أكثر جدية حول العبء الأمني الذي تتحمله أقاليم تمنح جغرافيتها الازدهار للاقتصاد العالمي.

لقد أوضحت الحرب على إيران أن الاتصال وحده لا يكفي لصون النظام. وجود التجارة لا يذيب التنافس الاستراتيجي، وحركة السلع لا تصنع الثقة من تلقاء نفسها. وحاجة الدول بعضها إلى بعض لا تعني أنها ستضبط نفسها حين تشعر بالتهديد أو الطموح أو الإهانة. فالاعتماد المتبادل من دون خيال سياسي قادر على نقل الصراع بالكفاءة نفسها التي ينقل بها الازدهار.

هذا هو التحذير الذي كشفت عنه أزمة مضيق هرمز. الخطر لا يقف عند احتمال تصدع العولمة، إنه يمتد إلى احتمال استمرارها في صورة فاقدة لليقين والثقة؛ عولمة تعمل تحت ضغط الخوف، وتعيد تشكيل مساراتها وفق منطق الأمن والإكراه واختبار القوة. عندئذ سيظل العالم مترابطا، غير أن هذا الترابط سيغدو أكثر قلقا وأقل قدرة على إنتاج الاستقرار.

سيتقرر مستقبل العولمة عند الممرات الضيقة للعالم لا في وزارات الاقتصاد. في الممرات المائية حيث يلتقي القانون والقوة والتجارة والخوف. أما العالم المترابط فلن يستطيع أن يعيش على الترابط وحده، إنه يحتاج إلى قواعد وإلى شرعية وخيال سياسي واسع بما يكفي لإدارة الهشاشات التي خلقها.

كشفت الحرب على إيران قصور العولمة بوصفها نظاما أيديولوجيا من دون أن تعلن نهايتها.. فعالم توحده الأسواق وتقسمه المخاوف لن يصبح أكثر سلاما لمجرد أنه بقي مترابطا.. سيكتشف أن ترابطه، من دون ثقة وضبط، يمنح صراعاته طرقا أسرع للانتقال.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان