ضد الصمت على اغتصاب الفلسطينيين
12 مايو 2026
ترجمة -أحمد شافعي
12 مايو 2026
إليكم هذا الطرح البسيط : مهما تكن آراؤنا في صراع الشرق الأوسط، يجب أن نتحد على إدانة الاغتصاب.
ذلك ما أكده أنصار إسرائيل بعد الاعتداءات الجنسية الوحشية على إسرائيليات خلال الهجمات التي قادتها حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر سنة 2023. إذ أدان دونالد ترامب وجو بايدن وبنيامين نتنياهو والعديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، ومنهم مارك روبيو، ذلك العنف الجنسي، ودعا نتنياهو وهو محق في دعوته «كل القادة المتحضرين» إلى «الجهر بأصواتهم».
ومع ذلك حكى لي فلسطينيون في حوارات موجعة نمطا منتشرا للعنف الجنسي الإسرائيلي بحق رجال ونساء بل وأطفال، يمارسه جنود ومستوطنون ومحققون في جهاز (شين بيت) للأمن الداخلي، ويمارسه أيضا قبل أولئك جميعا حراس السجون.
ما من دليل على صدور أوامر بالاغتصاب من قادة إسرائيليين. لكن أولئك القادة أقاموا في السنوات الأخيرة جهازا أمنيا بات العنف الجنسي فيه ـ كما ورد في تقرير للأمم المتحدة العام الماضي ـ أحد «إجراءات العمل المعيارية» الإسرائيلية و«عنصرا رئيسيا في المعاملة السيئة للفلسطينيين». وقد صدر في الشهر الماضي تقرير عن مرصد حقوق الإنسان الأورومتوسطي ـ وهو جماعة حقوقية في جنيف كثيرة الانتقاد لإسرائيل ـ ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل توظف «العنف الجنسي الممنهج...والمتبع على نطاق واسع في سياق سياسة منظمة للدولة».
فما شكل إجراء العمل المعياري هذا؟ يقول الصحفي المستقل سامي الساعي، 46 عاما، إنه حدث في أثناء اقتياده إلى سجنه بعد اعتقاله في عام 2024 أن رمته مجموعة حرس على الأرض.
«مضوا جميعا يضربونني، ووطأ أحدهم رأسي وعنقي. وانتزع أحدهم بنطالي. وانتزعوا سروالي الداخلي». ثم استل أحد الحرس عصا مطاطية تستعمل في ضرب السجناء، وأضاف بنبرة متزايدة التوتر أنهم «أخذوا يحاولون إقحامها في دبري، وأنا أقاوم لمنعهم، لكنني لم أستطع. كان ذلك مؤلما». والحرس كما قال كانوا يضحكون. «ثم سمعت شخصا يقول: «أعطوني الجزر»« مضيفا أنهم استعملوا جزرة بدلا من العصا. «وكانت شديدة الإيلام. فأخذت أدعو الله أن أموت».
قال الساعي إنه كان معصوب العينين، وسمع من يقول بالعبرية التي يفهمها: «لا تلتقطوا صورا»، ففهم من ذلك أن شخصا ما أخرج كاميرا. وكان بين الحرس امرأة قال إنها جذبته من جهازه التناسلي قائلة «...» ثم اعتصرتها جميعا وهو يصرخ من فرط الألم.
تركه الحرس ملقى على الأرض مغلل اليدين، وشم رائحة سجائر. «فهمت أنهم بدأوا استراحة التدخين».
وبعد أن رموا به في زنزانته خلص إلى أن الموقع الذي تعرض فيه للاغتصاب قد استعمل في ذلك من قبل لأنه وجد فيه بقايا لآخرين من القيء والدم والأسنان المكسورة التي انغرست في جلده.
قال الساعي إنه طولب بأن يكون عينا للمخابرات الإسرائيلية، ويعتقد أن الغرض من اعتقاله وحبسه ضمن نظام الاعتقال الإداري هو الضغط عليه حتى يوافق. ولكنه اعتزازا بعمله الصحفي رفض ذلك حسبما قال.
لقد عملت في تغطية الحروب والإبادات الجماعية والأعمال الوحشية بما فيها الاغتصاب، وأخذني عملي في بعض الأحيان إلى أماكن تجاوز فيها العنف نطاق أي شيء ارتكبه مقاتلو حماس (كما تدعي إسرائيل) أو الحرس والمستوطنون الإسرائيليون. ففي صراع تيجاري بإثيوبيا قبل سنوات قليلة، قد تكون مائة ألف امرأة تعرضن للاغتصاب. والاغتصاب الجماعي جار الآن في السودان.
غير أن دافعي الضرائب الأمريكيين يدعمون المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وبهذا تكون الولايات المتحدة متواطئة في هذا العنف الجنسي.
أخذت أهتم بالكتابة عن الاعتداء الجنسي على السجناء الفلسطينيين بعد أن قال لي عيسى عمرو ـ وهو ناشط غير عنيف يوصف أحيانا بـ«»غاندي الفلسطيني» ـ في زيارة سابقة لي إنه تعرض للاعتداء الجنسي على أيدي جنود إسرائيليين وإنه يعتقد أن الأمر شائع وإن لم يجر الإبلاغ عنه بقدر ما يستحق بوازع من الإحساس بالعار.
وفقا لأحد الإحصاءات، اعتقلت إسرائيل عشرين ألف شخص في الضفة الغربية فقط منذ هجمات السابع من أكتوبر، وأكثر من تسعة آلاف فلسطيني لا يزالون معتقلين حتى الشهر الجاري. وبرغم عدم توجيه اتهام لكثيرين منهم، فإنهم معتقلون وفقا لاعتبارات أمنية غير محددة بدقة، وزيارة الصليب الأحمر والمحامين ممنوعة عن أغلبهم منذ 2023.
جاء في تقرير المرصد الأورومتوسطي أن «قوات إسرائيلية توظف الاغتصاب والتعذيب الجنسي بشكل ممنهج لإذلال من تعتقل من الفلسطينيات». وأشار إلى امرأة تبلغ من العمر اثنين وأربعين عاما قالت إنه تم تقييدها عارية في طاولة معدنية وتناوب جنود إسرائيليون ممارسة الجنس معها على مدار يومين بينما كان جنود آخرون يصورون تلك الاعتداءات. وقالت إنهم بعد ذلك عرضوا عليها صور اغتصابها وقالوا إنهم سوف ينشرونها إذا لم تتعاون مع المخابرات الإسرائيلية.
من المستحيل أن نعرف مدى شيوع الاعتداءات الجنسية على الفلسطينيين. وعملي الصحفي في هذه المقالة يقوم على حوارات مع أربعة عشر رجلا وامرأة قالوا إنهم تعرضوا للاعتداء الجنسي من مستوطنين إسرائيليين أو أفراد في القوات الأمنية الإسرائيلية. وتحدثت أيضا مع أقارب ومحققين ومسؤولين وآخرين.
وقد عثرت على أولئك الضحايا بسؤال محامين وجماعات حقوق إنسان وعمال إغاثة وفلسطينيين عاديين عنهم. وفي حالات كثيرة أمكن التحقق من روايات الضحايا عبر الحديث مع شهود، وفي حالات أكثر عبر الحديث مع من أفضى إليهم الضحايا بما جرى لهم من الأقارب والمحامين والأخصائيين الاجتماعيين، وفي حالات أخرى تعذر ـ بسبب العار على الأرجح ـ أن يعترف بعض الأشخاص بذلك الانتهاك حتى للمقربين منهم.
أجرت منظمة (أنقذوا الأطفال) مسحا في العام الماضي لأطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما تعرضوا للاعتقال الإسرائيلي، فأفاد أكثر من نصفهم أنهم شهدوا العنف الجنسي أو تعرضوا له. وقالت المنظمة إن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك لأن الوصمة الاجتماعية تجعل البعض يعزفون عن الاعتراف بما جرى عليهم.
وأجرت (لجنة حماية الصحفيين)، وهي منظمة أمريكية محترمة، مسحا لتسعة وخمسين صحفيا فلسطينيا أفرجت عنهم السلطات الإسرائيلية بعد هجمات السابع من أكتوبر. فقال 3% منهم إنهم تعرضوا للاغتصاب، و29% قالوا إنهم تعرضوا لأشكال أخرى من العنف الجنسي.
في سياق عملنا الصحفي نسأل الكثير من المصادر، ولكن هذا لا يكاد ينطبق على هذه المقالة. وقد تصعب عليكم قراءة هذه المادة، لكن كان أصعب ألف مرة على الناجين من تلك الاعتداءات الجنسية أن يحكوا قصصهم. كنت أطلب منهم مناقشة أخصَّ وأقسى التجارب التي يمكن تصورها، والتي تتسبب لهم فعلا في كوابيس، ثم إننا كنا نعاود الخوض فيها مرة أخرى للتحقق من التفاصيل.
ترفض الحكومة الإسرائيلية القول إنها تستعمل الانتهاكات الجنسية للفلسطينيين. ورحبت إسرائيل بتقرير للأمم المتحدة يوثق اعتداءات جنسية من فلسطينيين على إسرائيليات لكنها رفضت دعوة التقرير إلى التحقيق في اعتداءات إسرائيلية على فلسطينيين. وأدان نتنياهو «الاتهامات الجزافية [الموجهة لإسرائيل] بالعنف الجنسي».
وقد رفضت وزارة الأمن الوطني الإسرائيلية التعليق في هذه المقالة. وقال متحدث رفض الإفصاح عن هويته إن جهاز السجون «دأبه أن يرفض ادعاءات» الانتهاك الجنسي، مضيفا أنه «يتم فحص» الشكاوى من خلال «السلطات المعنية». ورفض المتحدث الإجابة عما لو كان أحد من العاملين في السجون قد تعرض للفصل أو التحقيق بسبب اعتداءات جنسية.
روى من حاورتهم من الفلسطينيين ألوانا شتى من الانتهاكات عدا الاغتصاب. إذ أفاد كثيرون بأنهم كثيرا ما تعرضوا للجذب من أعضائهم التناسلية أو للضرب على الخصيتين. وأقحمت أجهزة فحص المعادن لتفتيش ما بين سيقان الرجال العارية، ثم دفعت بقوة في مناطقهم الحساسة، وتعرض بعض الرجال للإخصاء على أيدي أطباء بعد ضربهم، وفقا للمرصد الأورومتوسطي.
ومن أسباب عدم لفت هذه الانتهاكات لقدر أكبر من النظر أن السلطات الإسرائيلية دأبت على تهديد السجناء عند إطلاق سراحهم وتنبيههم إلى ضرورة التزام الصمت بحسب ما أفاد به فلسطينيون تم إطلاق سراحهم. ومن الأسباب أيضا كما قال لي ناجون فلسطينيون أن المجتمع العربي لا يحبذ مناقشة الموضوع خوفا على إيذاء أسر السجناء معنويا وتقويض السردية الفلسطينية عن بطولة المعتقلين وشدتهم.
كما أن أعراف المجتمع المحافظة تعوق النقاش أيضا، فقد قال لي اثنان من الضحايا إن السجين الذي يقر بتعرضه للاغتصاب يقلل من فرص شقيقاته وبناته في الزواج.
وقد وافق مزارع في أول الأمر على السماح لي باستعمال اسمه في المقالة. كان سراحه قد أطلق في مطلع العام الحالي بعد شهور قضاها رهن الاعتقال الإداري، دونما توجيه تهم إليه، وروى ما حدث له في أحد أيام العام الماضي: إذ عمد ستة من الحرس على تقييده بإمساك ذراعيه وساقيه ونزعوا عنه بنطاله وسرواله الداخلي وأقحموا عصا معدنية في مناطقه الحساسة. وقال إن الحرس كانوا يضحكون ويصخبون.
وقال إنه بعد عدة ساعات فقد وعيه فاقتادوه إلى عيادة السجن، وحينما أفاق تعرض للاغتصاب مرة أخرى، ومرة أخرى بالعصا المعدنية. قال: «نزفت، وانكسرت. وكنت أبكي».
بعد إعادته إلى زنزانته طلب من حارس قلما وورقا ليكتب شكوى عن الاعتداءات. فقوبل طلبه بالرفض. وفي المساء جاءت مجموعة من الحرس إلى زنزانته.
قال أحدهم ساخرا: «من الذي يريد أن يحرر شكوى؟». وأشار حارس آخر إليه. «وبدأ الضرب فورا» ثم اغتصبوه بالعصا المعدنية للمرة الثالثة في ذلك اليوم حسبما حكى.
روى أن أحدهم قال له: «الآن لديك المزيد لتدرجه في شكواك».
وبعد أيام من حواري معه اتصل ليقول إنه لا يريد استعمال اسمه. فقد زارته عناصر جهاز (شين بيت) وحذروه من التسبب في المتاعب، كما أنه خشي من رد فعل سلبي من أسرته على لفت الأنظار.
قالت ساري باشي محامية حقوق الإنسان الأمريكية الإسرائيلية والمديرة التنفيذية لـ(اللجنة العامة ضد التعذيب في إسرائيل): إن «تفشي الانتهاك الجنسي للسجناء الفلسطينيين أمر بات عاديا. ولا أرى دليلا على صدور أوامر به. لكن هناك تيارا متصلا من الأدلة على علم السلطات به وعدم إيقافها له».
وقال محام إسرائيلي آخر يدعى بين ماماريللي إنه بناء على تجارب المعتقلين الفلسطينيين الذين وكلوه في قضاياهم فإن اغتصاب السجناء الفلسطينيين بأغراض كالعصي المعدنية «جار على نطاق واسع».
قالت باشي إن منظمتها حررت مئات الشكاوى بتفاصيل انتهاكات مريعة في حق معتقلين فلسطينيين فلم تفض أي واحدة منها إلى توجيه اتهامات. وهذه الحصانة في رأيها تمثل «إعطاء الضوء الأخضر» للمنتهكين.
تفيد تقارير بأن سجينا فلسطينيا من غزة قد نقل إلى المستشفى في يوليو 2024 بتمزق في المستقيم، وشروخ في الضلوع، وثقب في إحدى رئتيه. وحصل المحققون على فيديو من السجن يقال إنه يصور الانتهاك. فاعتقلت السلطات تسعة من جنود الاحتياط، لكن حشدا من المتظاهرين اليمينيين ـ بينهم سياسيون ـ اقتحموا السجن للتعبير عن تضامنهم مع الحرس. وتم إسقاط الاتهامات الموجهة للجنود في مارس، وفي الشهر الماضي أقر الجيش رجوع الجنود إلى الخدمة.
أشاد نتنياهو بإسقاط الاتهامات معتبرا أنها نهاية «فرية باطلة». وقال إن «دولة إسرائيل لا بد أن تلاحق أعداءها وليس مقاتليها الأبطال».
وصفت باشي هذه النتيجة بقولها: «إن إسقاط الاتهامات تصريح بالاغتصاب».
أعيد السجين ـ الذي بات يستعيض بكيس عن التغوط الطبيعي ـ إلى غزة، وقال أحد معارفه إنه قضى شهورا في مستشفى يتعافى من جروح داخلية، وأضاف أن السجين السابق يرفض إجراء حوار.
بوسع التحقيقات القضائية وانتباه الرأي العام أن تحد من هذا العنف. ففي عام 1997ـ اغتصب ضباط شرطة في مدينة نيويورك مهاجرا من هاييتي يدعى أبنر لويما بعصا، وبلغ ذلك من القسوة أنه احتاج إلى علاج وجراحات. غضب أهل نيويورك، وقام العمدة رودي جيلياني بزيارة لويما في المستشفى ولوحق الضباط قانونيا في قضية شهيرة. فكانت تلك رسالة قوية لقوة الشرطة كلها: من يعتدون على المعتقلين قد يتعرضون للعقاب. وهذه هي الرسالة التي يجب أن تشيع بين قوات الأمن الإسرائيلية.
لو أصرت إدارة ترامب على استئناف زيارات الصليب الأحمر للسجناء، وإذا زار سفير الولايات المتحدة ضحايا الاغتصاب ومعه الكاميرات، ولو جعلنا صفقات الأسلحة مشروطة بإنهاء الاعتداء الجنسي، فقد نبعث رسالة أخلاقية وعملية مفادها أن العنف الجنسي غير مقبول مهما تكن هوية ضحيته. وابتداء، على السفير أن يضمن ألا يتعرض الفلسطينيون الذين تجاسروا على الحديث علنا في هذه المقالة للعنف مرة أخرى عقابا لهم على شجاعتهم.
كيف يتسنى حدوث مثل هذا العنف؟ لقد تعلمت من عقود في تغطية الصراعات أن المزيج المؤلف من انتزاع الصفة الإنسانية والأمان من العقاب يمكن أن يدفع الناس إلى الطبيعة الهوبزيانية. وقد صادفت هذا الانجراف إلى الهمجية في ميادين القتل من الكونغو إلى السودان وميانمار، وأعتقد أنها تفسر إقدام جنود أمريكيين على الانتهاك الجنسي لسجناء في أبو غريب بالعراق.
فالحقيقة العارية هي أننا معشر البشر حينما نأمن العواقب، فإننا نكون قادرين على ارتكاب أهوال في حق من ننشأ على ازدرائهم واعتبارهم أدنى من البشر.
لقد وصف إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، المعتقلين بأنهم «حثالة» و«نازيون» وتباهى بأنه جعل السجون أقسى على الفلسطينيين. وحينما تسود هذه المواقف، يمكن أن يكون الانتهاك الجنسي محض أداة إضافية لإيلام الفلسطينيين وإذلالهم.
رفض بن غفير ـ عبر متحدثة باسمه ـ التعليق على ممارسة أجهزة الأمن للاعتداءات الجنسية.
وقد وثقت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان «نمطا خطيرا من العنف الجنسي» تجاه الفلسطينيين. واستندت إلى رواية سجين من غزة يدعى تامر قرموط قال إنه تعرض للاغتصاب بعصا. وقالت بتسيلم إن التعذيب «بات عرفا مقبولا».
وصف ضابط إسرائيلي سابق في عيادة أحد السجون في شهادة أمام جماعة «كسر الصمت» الإسرائيلية معنى القبول تطبيقيا: «يرى المرء أشخاصا طبيعيين عاديين يصلون إلى أن ينتهكوا الآخرين على سبيل التسلية الشخصية، فليس ذلك حتى لأغراض التحقيق أو غيره. للمتعة، للحصول على حكاية يحكيها للأصحاب، أو للانتقام».
أغلب الاغتصاب وغيره من العنف الجنسي موجه للرجال، وإن يكن سبب ذلك هو أن أكثر من 90% من السجناء الفلسطينيين ذكور. لكنني تحدثت مع امرأة فلسطينية اعتقلت وهي في الثالثة والعشرين من العمر بعد هجمة حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023. قالت إن الجنود الذين اعتقلوها هددوا باغتصابها هي وأمها وابنة أختها الصغيرة. وبدأت محنتها في السجن بتفتيش ذاتي مهين أجرته حارسات «ثم دخل جندي ذكر وأنا عارية تماما».
قالت إنها خلال الأيام التالية عرِّيت من ثيابها مرارا، وتعرضت للضرب والتفتيش على أيدي فرق من الحرس الذكور والإناث على السواء. وكان النمط ثابتا: يأتي العديد من الحرس، الرجال والنساء معا، إلى زنزانتها ويرغمونها على التعري، ويقيدون يديها وراء ظهرها ويرغمونها على الركوع، وفي بعض الأحيان يقحمون رأسها في المرحاض. وبينما هي في هذا الوضع تتعرض للضرب والتحرش في كل موضع.
قالت: «كانوا يضعون أيديهم على كل موضع في جسمي. وللأمانة، لا أعرف إن كانوا اغتصبوني» لأنها في بعض الأحيان كانت تفقد الوعي من فرط الضرب.
كان هدف الانتهاك مزدوجا في رأيها: تدميرها معنويا والسماح لرجال إسرائيليين بالتحرش بامرأة فلسطينية عارية وهم آمنون.
قالت: «كنت أتعرض للتعري والضرب مرات عديدة في اليوم. وكأنهم كانوا يقدمونني لكل العاملين هناك. في بداية كل نوبة عمل، كانوا يحضرون الرجال لتعريتي».
قالت إنها استدعيت إلى غرفة فيها ستة مسؤولين، عندما أوشكوا على إطلاق سراحها من السجن، وتلقت تحذيرا مشددا بعدم إجراء حوارات.
«هددوني إذا تكلمت باغتصابي وقتلي وقتل أبي». فلا عجب في أنها رفضت الإفصاح عن اسمها في هذه المقالة.
يبدو أن بعض أسوأ الانتهاكات استهدفت سجناء غزة. فقد حكى لي صحفي من غزة عن تعرضه للانتهاك بعد اعتقاله سنة 2024.
قال: «لم ينج أحد من الاعتداءات الجنسية. لم يتعرض الجميع للاغتصاب، لكن يمكنني القول إن الجميع تعرضوا للمذلة، والاعتداءات الجنسية القذرة». وفي أحد المواقف كما حكى ربط الحرس خصيتيه وقضيبه لساعات وهم يضربونه فيها. ولأيام بعد ذلك قال إنه كان يبول دما.
وقال إنهم في إحدى المرات قيدوه وجردوه من ثيابه وبينما هو مغلل اليدين معصوب العينين جاءوا بكلب، وبتشجيع مدربه بالعبرية اعتلاه الكلب.
«كانوا يلتقطون الصور، وسمعت ضحكاتهم وقهقهاتهم» قال إنه حاول أن ينهر الكلب لكنه اخترق دبره.
استند سجناء فلسطينيون آخرون ومراقبون حقوقيون إلى تقارير تفيد بتدريب كلاب الشرطة على اغتصاب السجناء. وقال الصحفي إن مسؤولا إسرائيليا حذره عند إطلاق سراحه: «إذا أردت البقاء على قيد الحياة، فلا تتكلم مع الإعلام».
فلماذا أبدى استعدادا للكلام معي؟
قال: «إن التذكر في بعض اللحظات يصبح غير محتمل. شعرت أن قلبي سوف يتوقف وأنا أكلمك. لكنني أتذكر أن بشرا لا يزالون هناك. ومن أجلهم أتكلم».
تشير روايات عدة إلى أن العنف الجنسي أصاب حتى الأطفال الفلسطينيين ممن يتعرضون للسجن عامة بسبب إلقائهم الحجارة. عثرت على ثلاثة صبية تم اعتقالهم وحاورتهم، ووصف الثلاثة تعرضهم للانتهاكات الجنسية. أحدهم صبي خجول يرتدي قميص هيلفنجر وكان يبلغ من العمر خمسة عشر عاما عند اعتقاله، وقد رفض أن يقول إن كان قد شهد أيضا اغتصابات فعلية. لكنه قال إن التهديدات كانت معتادة: «افعل ما نقول وإلا سنضع هذه العصا في دبرك».
وحكى الصبيان الآخران حكايات مماثلة للغاية عن العنف الجنسي في سياق الضرب وأشارا إلى أن التهديد بالاغتصاب لم يقتصر عليهما بل امتد ليشمل والدتيهما وأخواتهما.
وليس المستوطنون الإسرائيليون ذراعا رسميا للدولة مثل نظام السجون، ولكن الجيش الإسرائيلي يحمي المستوطنين بازدياد وهم يهاجمون القرى الفلسطينية ويستعملون العنف الجنسي في إرغام الفلسطينيين على الفرار. وقد ورد في تقرير حديث صادر عن (تحالف حماية الضفة الغربية)، وهو ائتلاف من منظمات الإغاثة الدولية بقيادة المجلس النرويجي للاجئين، أن «العنف الجنسي يستعمل للضغط على المجتمعات» لمغادرة أراضيها.
أجرى التحالف استطلاعا للمزارعين الفلسطينيين وتبين له أن أكثر من 70% من الأسر التي نزحت من أماكنها قد أفادت بتلقيها تهديدات للنساء والأطفال، تعلقت خصوصا بالعنف الجنسي، فكانت تلك التهديدات هي الحاسمة في اتخاذ قرار الرحيل. قالت أليجرا باتشيكو من التحالف إن «العنف الجنسي إحدى آليات طرد الناس من أرضهم».
في قرية صغيرة ونائية بوادي الأردن يعيش فيها مزارعون بدو قابلت المزارع البالغ من العمر تسعة وعشرين عاما صهيب أبو الكباش فحكى أن عصابة من قرابة عشرين مستوطنا اقتحمت بيوت أسرته، فضربت الكبار والصغار على السواء، وسرقوا حليا وأربعمائة من الأغنام، وقطعوا الثياب بسكين صيد ثم قيدوه من جهازه التناسلي وجذبوه.
قد يتساءل البعض إن كان الفلسطينيون لفقوا تلك الاتهامات بالاعتداءات الجنسية لتلويث إسرائيل. بالنسبة لي كان ذلك بعيد الاحتمال، فليس ممن حاورتهم من سعى إليّ أو علم مع من غيره سبق لي أن تكلمت، وكلهم كانوا عازفين عن الكلام. غير أن ثمة بعض الأدلة على أن انتهاكات إسرائيل الجنسية أصبحت متواترة إلى حد تغيير الأعراف وإرغام الضحايا الفلسطينيين على الجهر بما جرى لهم.
قال محمد مطر، وهو مسؤول فلسطيني حكى لي أن المستوطنين عروه من ثيابه وضربوه وطعنوه في دبره بعصا وهم يتكلمون عن عزمهم على اغتصابه، «إنني على مدى ستة أشهر لم أستطع الكلام في الأمر، حتى مع أسرتي». خلال الاعتداء، نشر المهاجمون صورة له على موقع للتواصل الاجتماعي وهو معصوب العينين ومتجرد من ثيابه إلا سرواله الداخلي.
بمرور الوقت، قرر مطر أن يتكلم محاولا التخلص من العار. ولديه الآن نسخة مكبرة من الصورة التي التقطها له المستوطنون معلقة على جدار مكتبه.
لكي أفهم ما توصلت إليه، اتصلت بإيهود أولمرت الذي كان رئيسا للوزراء من 2006 إلى 2009، فقال لي أولمرت إنه لا يعرف الكثير عن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين لكنه غير مندهش من الروايات التي سمعتها.
قال: «هل أصدق أن هذا يحدث؟ بالقطع» وأضاف: «ثمة جرائم حرب تقترف كل يوم في الأراضي».
هكذا نرجع إلى النقطة التي بدأت بها هذه المقالة: لقد كان أنصار إسرائيل على حق في عام 2023 في أنه مهما تكن رؤانا للشرق الأوسط، يجب أن نكون قادرين على إدانة الاغتصاب.
لقد سأل نتنياهو المجتمع الدولي آنذاك قائلا: «أين أنتم بحق الجحيم؟» مطالبا بإدانة العنف الجنسي المقترف.
وإذا كان الإسرائيليون يريدون من العالم إدانة ما فعلته حماس حسب قولهم فينبغي على المسؤولين الإسرائيليين أن ينظروا في انتهاكاتهم هم أيضا، وبخاصة ما وصفه تقرير للأمم المتحدة صدر العام الماضي ويتألف من تسع وأربعين صفحة بإخضاع إسرائيل للفلسطينيين «على نحو ممنهج» لـ«التعذيب الجنسي» الذي يجري على أقل تقدير «بتشجيع ضمني من القيادة العليا المدنية والعسكرية».
فكروا في الأمر على النحو التالي: ما قلتم إنه حدث للإسرائيليات في السابع من أكتوبر يحدث الآن للفلسطينيين يوما بعد يوم. وهو مستمر بسبب الصمت، واللامبالاة، وبسبب عدم إجابة المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين سؤال نتنياهو: أين أنتم بحق الجحيم؟
