No Image
العرب والعالم

غزة في ظل إيران: سياسات النسيان وهندسة الحرب الدائمة

10 مايو 2026
10 مايو 2026

لندن"د. ب. أ": ترى المحللة السياسية الدكتورة جولي نورمان أنه في ظل حرب إيران ، لم يعد وقف إطلاق النار في غزة أولوية للجهات الفاعلة الدولية أو الإقليمية حتى بينما ظلت فلسطين مرتبطة على نحو معقد ومتشابك بالصراعات الأخرى في المنطقة. وبينما يوجه العالم أنظاره إلى وجهة أخرى، تشهد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تدهورا وتضييق المساحة لمسارات سياسية وتتعرض الحدود المؤقتة والاجراءات الأمنية افتراضيا لخطر أن تصبح راسخة.

وقالت نورمان ، وهي زميلة مشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني ( المعهد الملكي للشؤون الدولية) في تقرير نشره المعهد ، إنه كان من المحتمل دائما أن يكون من الصعب الانتقال من مرحلة وقف النار الأولى إلى المرحة الثانية لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من عشرين خطة ، مع مراعاة أنها تتضمن نقطتين من النقاط الشائكة بشدة : نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي .

ولكن حرب إيران وغياب الضغط الخارجي الذي أعقب ذلك سواء على حماس أو إسرائيل ، قد منح كلا الطرفين فسحة من الوقت لتشديد مواقفهما وترسيخ الوضع الراهن مع ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات خطيرة. وفي شهر أبربل ،رفضت حماس خطة نزع السلاح التي قدمها نيكولاي ملادينوف ، الممثل الأعلى لقطاع غزة في مجلس السلام بقيادة الولايات المتحدة والذي ربط نزع السلاح بجهود إعادة الإعمار.وأكد مسؤولو حماس أنهم لن يتفاوضوا بشأن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حتى تطبق إسرائيل بالكامل بنود المرحلة الأولى ، بما في ذلك السماح للمساعدات الإنسانية بدخول قطاع غزة بالمستويات المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار.

وعلاوة على ذلك ،لاترى حماس أي حافز لنزع سلاحها بدون إطار عمل لإقامة دولة فلسطينية . وعلى النقيض من إيرلندا الشمالية أو جنوب أفريقيا (وهما حالتان تاريخيتان يتم غالبا مقارنة الصراع بين إسرائيل وفلسطين بهما )، لاتلوح في الأفق أي عملية سلام كما أنه ليس هناك مسار سياسي متاح أمام حماس إذا ألقت أسلحتها.

ومثلما يرى قادة حماس حافزا ضئيلا لنزع السلاح ، فإن القادة الإسرائيليين يرون أيضا حافزا ضئيلا للانسحاب من غزة. ووفقا لخطة ترامب المكونة من عشرين نقطة ، كان من المقرر أن يتزامن انسحاب الجيش الإسرائيلي مع نشر قوة استقرار دولية . غير أن الاقبال على المشاركة في هذه القوة بطئ ، حيث أعرب عدد قليل من الدول عن اهتمام بالمشاركة . وبينما أعرب القائد الأمريكي لقوة الاستقرار الدولية أن خمس دول سوف تنضم إلى ألقوة ، لا يزال هناك عدم وضوح بشأن مهمتها وشكوك بشأن ما إذا كان سوف يتم نشرها بالفعل، إذا كان ذلك سوف يتضمن مواجهة مباشرة مع حماس في قطاع غزة.

يزيد هذا احتمال احتفاظ إسرائيل بوجود عسكري في غزة على المدى الطويل . وبعد وقف إطلاق النار احتلت القوات الإسرائيلية قرابة 53% من أراض قطاع غزة ، تم ترسيمها بالخط الأصفر على الخرائط .

وبدا أن تقارير حديثة تظهر خرائط أصدرها الجيش الإسرائيلي تتضمن منطقة سيطرة ممتددة محظورة في غزة أضافت ما يقدر بـ 11% أخرى من الأرض فيما وراء الخط الأصفر. وبينما ربما يتغير خط السيطرة الفعلي ، فإن هذه الخطوط الجديدة للسيطرة عرضة الآن لخطر أن تصبح حدودا فعلية على المدى الطويل.

ويبدو من غير المرجح بشدة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوف يقلص منطقة السيطرة الإسرائيلية في غزة ، بصفة خاصة في عام انتخابات ، حتى إذا قدمت حماس تنازلات . وبينما ربما يسفر تكتيك المنطقة العازلة عن بعض المكاسب الأمنية على المدى القصير لإسرائيل، فإنه يعزز دعوات حماس وحزب الله للمقاومة ضد الوجود المستمر للجيش الإسرائيلي .

ولا تزال اجراءات رئيسية أخرى تتعلق بوقف إطلاق النار متوقفة. وتتضمن هذه الإجراءات خطوات الحوكمة التي يمكن أن تساعد على استقرار القطاع مثل السماح بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة ، وهى هيئة حكم فلسطينية انتقالية شكلها مجلس السلام. ومنذ إطلاقها في شهر يناير، تتخذ اللجنة الوطنية من القاهرة مقرا لها حيث تتردد تقارير أن أعضاءها ممنوعون من دخول غزة.

وأعرب الكثير من الغزيين عن الأمل في أن تحقق اللجنة الوطنية على الأقل بعض التحسينات بقيادة فلسطينية. غير أن ذلك التفاؤل الحذر تحول الآن إلى إحباط حيث عزز الغياب المادي للجنة الوطنية عن غزة عجزها الملحوظ. ومن خلال عدم السماح للجنة الوطنية بدخول غزة بينما تواصل رفض أي دور كبير ومهم للسلطة الفلسطينية في القطاع ، تسهم إسرائيل في ظهور أوضاع تجعل القطاع يبدو في حالة من الفلتان الأمني ولا يمكن حكمه. ويعزز هذا أيضا موقف حماس من خلال منع ظهور أي بدائل لها.

ومن جهة أخرى ، نحى الرئيس ترامب وكبار مفاوضيه ، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر جانبا غزة بينما يركزون على إيران . وتركز جهات فاعلة إقليمية على مواردها ودفاعاتها في الخليج منذ اندلاع الحرب. ولكن لا يمكن تجاهل قطاع غزة . فالأوضاع الإنسانية لمواطني غزة العاديين تزداد سوءا حيث يتم إرجاء جهود التأهيل وإعادة الإعمار .

وقد أججت التكاليف الأخذة في الارتفاع وقيود الإمدادات النقص في المواد الغذائية بينما أدت مواقع النفايات غير المعالجة إلى انتشار التلوث وتفشي العدوى والأمراض. وتتمتع جهات فاعلة خارجية مثل المملكة المتحدة بنفوذ محدود بشأن النقاط الشائكة بشدة في وقف إطلاق النار في غزة .

ولكن من خلال العمل مع شركاء أوروبيين وإقليميين ، فإنه يمكنهم حث الولايات المتحدة وإسرائيل على الالتزام بالإجراءات الأساسية في خطة ترامب. وتتضمن هذه الإجراءات السماح للجنة الوطنية بدخول قطاع غزة والحفاظ على الحد الأدنى من حصص المساعدات الإنسانية.

وتعد هذه الخطوات ضرورية ،رغم أنها تمثل الحد الأدنى . وسوف تساعد في تلبية الاحتياجات الأساسية للغزيين وتقدم خدمات أساسية تسهم في تحقيق بعض الاستقرار الأوسع نطاقا ، الذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل واختتمت نورمان تقريرها بالقول إنه علاوة على ذلك ، يتعين على أي دول معنية بالمنطقة على نطاق أوسع أن تبقى قطاع غزة مطروحا على جدول الأعمال. ولن يؤدي أهمال قطاع غزة سوى إلى تأجيج الصراعات الحالية و تهيئة الأوضاع لظهور صراعات جديدة.