قصة قصيرة.. أكثر من عشر سنوات
10 مايو 2026
10 مايو 2026
لغاية الآن، لا أعرف بالضبط لماذا حدث ذلك. لكني، في الأقل، أعرف تمامًا كيف وقع الأمر؛ فلأسباب لا تخصّني كثيرًا، وجدت نفسي وقد عدت إلى هناك بعد أكثر من عشر سنوات.
هبطت الطائرة بعد رحلة مباشرة وغير مريحة بصورة خاصَّة استغرقت ست عشرة ساعة وعشرين دقيقة. كان المطار الكبير الذي تُباهي به المدينة مطارات العالم قد تغيَّر قليلًا، والمدينة تغيرت كثيرًا بحيث لم يمكن لي التَّعرف إليها بسهولة حتى على الرغم من اختياري مقعد نافذة جريًا على عادتي في رحلاتي الجويَّة، إذ لم أرَ العلامات المعماريَّة الشهيرة التي كانت تميِّزها في أثناء إقلاع الطائرة أو الهبوط التَّدرجي نحو المطار.
أخذت حقيبتي وهبطت إلى محطة «المترو» كي أنزل في كل محطَّة على الطريق الرئيس وأرى. اختفت معظم المقاهي والحانات ودور السينما التي كنت أرتادها، أو أنها عُدِّلت وتحولت إلى حوانيت صارت تقدِّم خدمات أخرى كإصلاح وصيانة الحقائب والأحذية القديمة، أو إصدار تذاكر السياحة والسفر، وما إلى ذلك. أما الجامعة التي درست فيها، والتي كانت من أوائل مواقع تَفَقُّداتي، فقد صارت مصحَّة عقليَّة نظر إليَّ نزلاؤها من النوافذ وهم يضحكون. غادرت مذهولًا، ورأيت أن الشوارع توسعت، والحدائق قلَّت أعدادها وتضاءلت مساحاتها، والناس أصبحوا أكثر سرعة في الحديث والمشي وتبادل الابتسامات والضحكات القصيرة، لكن التماثيل في الميادين العامة لا تزال كما هي.
تساءلت بيني وبين نفسي بفضول عما إذا كان المجمع السكني القديم ذو الدور الواحد لا يزال باقيًا، ذلك الذي أقمتُ في شقة قائمة في أحد أطرافه، بإيجار شهري معقول يناسب ميزانية طالب جامعي محدود المستحقات الماليَّة ضمن مخصصات بعثته الدراسيَّة البسيطة، وعمَّا إذا كانت المرأة الأربعينيَّة التي تديره لا تزال تعمل هنا، أو عما إذا كانت لا تزال حيَّة في الأساس. لا تصل سكَّة حديد المترو إلى هناك، ولذلك فقد استقللت سيارة أجرة (وهذه صارت كهربائيَّة بالكامل وذاتيَّة القيادة) إلى ذلك الحي المتواضع الواقع في أقصى المدينة. غرقت في تأملات باهتة وذكريات علقت من وجودي السَّابق هنا، وأخرجت لفافة، وأشعلتها، ليأتيني صوتٌ مُوَتْمَتٌ من سمَّاعات السيارة قائلًا: «التدخين غير مسموح به باستثناء سجائر مارلبورو».
هالني أن المبنى السَّكني لا يزال على حاله بأدق التفاصيل وكأنني غادرته لآخر مرة أمس: لون طلاء الجدران البُنِّي الباهت قليلًا، والأبواب الخضراء التي تَكرَّر في هذه المرة عدم ارتياحي القديم للونها الذي لا يناسب أي شيء، ومكان وجود صناديق البريد للقاطنين، وموقف السيارات المكشوف الذي يتيح مساحة واحدة فقط لكل شقّة بصرف النَّظر عن عدد ساكنيها وعدد السيارات التي يستخدمونها، وحاوية النِّفايات البلاستيكيَّة السَّوداء غير المُغطَّاة عند أقصى مواقف السَّيارات، والمساحة المسقوفة التي توجد بها غسَّالتا ثياب ومجفِّفتان تعمل بالنُّقود المعدنيِّة، والأشجار والنباتات القليلة غير المُشذَّبة التي تتناثر وسط السَّاحة التُّرابيَّة كيفما اتفق.
يبدو أنني نسيت مظلتي في سيارة الأجرة التي وضعت ثمن رحلتها الباهظ بنقود ورقيَّة في المكان المخصص لذلك، ولذلك اتجهت راكضًا جارًّا حقيبتي متوسطة الحجم ذات العجلات تحت المطر الذي صار غزيرًا ومصحوبًا برياح متوسطة مألوفة في ذاكرتي من شتاءات هذه المدينة، حتى انزلقت قدماي قليلًا وكدت أقع على وجهي لولا أن تمالكت نفسي وأقلت عثرتي في اللحظة الأخيرة. وصلت إلى مكتب الاستقبال الذي وجدت فيه تلك الموظفة نفسها التي كانت تديره قبل أكثر من عشر سنوات. هالني أن أكثر من عقد كامل من الزمن قد انقضى ولم تمر عجلاته على محياها الحَسَن، بل وأيَّة زاوية من مجمل جسدها الذي لا يزال كما كان، ممتلئًا ومثيرًا للإعجاب بغض النَّظر عن نوع الثياب التي ترتديها.
ما إن رأتني هذه حتى ابتسمت ابتسامة كبيرة، وهبَّت واقفة من مقعدها الجلدي الأسود ذي القليل من التَّشقُّقات، وقالت بنبرة ترحيبيَّة لا افتعال بدا فيها ولا نفاق: «آه أيها السيد! أهلًا بك! كم افتقدناك! ألا تزال تحتفظ بالمفتاح»؟! قلت كالمصعوق الذي لم يفهم شيئًا: «ماذا؟ كيف؟! مفتاح؟! أيُّ مفتاح تقصدين؟! أنا لا أقيم هنا أصلًا»! ردَّت بلهجة واثقة من نفسها: «لا عليك أيها السيد، نستطيع أن نتدبر الأمر بسهولة»! وهكذا فقد فتحت أحد أدراج طاولة المكتب الخشبي المُغبَرّ والمتشقِّق هنا وهناك، والذي لا أزال أتذكره جيدًا، وأخرجت منه مفتاحًا بدا لي في سرعة الحركة أنه صدئ قليلًا، وموصول إلى ميداليَّة مفاتيح هي نموذج مُصَغَّر لكاميرا «Arriflex» السينمائيَّة التي تدرَّبتُ عليها هنا كثيرًا، ثم إنها أردفت كمن يُقرِّر وليس كمن يقترح: «نحتاج أيضًا إلى مظلَّتين اتقاءً للمطر»! ثم إنها لم تنتظر أكثر مما يمكن أن يكون ثلاث ثوانٍ على الأكثر حتى انتزعت مظلَّتين من صندوق خشبي، هو عينه الذي لا تزال ذاكرتي تحتفظ بشكله، يقع في الزاوية اليسرى الخلفيَّة من غرفة المكتب.
وصلنا إلى الشّقة التي كنت أقيم فيها منذ أكثر من عشر سنوات بعد مناورة صغيرة ضد الريح والمطر. فتحتْ باب الشّقة التي أصبحت رائحتها رطبة وخانقة، وضغطتْ على زر الإضاءة لأرى في الصَّالة كل شيء كما كان: الكنبة الزرقاء التي آل لونها إلى الكَلَح تحت طبقة كثيفة من الغبار، وعليها منشفة بيضاء طويلة وبعض القمصان والبنطلونات والملابس الداخليَّة المتَّسخة، وطاولة الكتابة الصغيرة والكرسي اللذان كنت قد ابتعتهما مستعمَلين، وصور تشي جيفارا، وفرانتز كافكا، ومالكُم إكس، معلَّقة على الحائط، ورفوف الكتب وعليها العناوين ذاتها التي تخص مجال دراستي واهتماماتي، وأجهزة تلفزيون، وفيديو، و«دي في دي»، ونظام صوتي من نوع «Sony»، إلخ.
قالت بنبرة فيها انتصار واضح: «أهلًا بك أيها السَّيّد! هكذا إذًا أنت مدين لنا بأكثر من عشر سنوات من الإيجار الشَّهري لهذه الشّقة»! صرختُ: «لكنني بِعْتُ كل هذه الأشياء قبل مغادرتي الشّقة وعودتي إلى بلادي»!
قالت مبتسمة: «لا بأس أبدًا أيها السَّيد»! ثم خرجت، وأغلقتْ الباب، وأدارت المفتاح في القفل مرَّتين سمعت صريرهما جيِّدًا.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
