فوق رأسه مكتبة!

09 مايو 2026
09 مايو 2026

عرفتُ فهد سالم الجهوري قبل عدة سنوات، ضيفا سنويا في برنامجي الإذاعي «كتاب أعجبني» يحرص أن يقدم لي في كل دورة للبرنامج كتابين نوعيين على الأقل من تلك الكتب التي تحتاج قارئا صبورا، وشديد الفضول. ولا أخالني مبالغا إذا قلت إن حالته خاصة في هذا البرنامج الذي يختار ضيوفُه بأنفسهم الكتبَ التي سيعرضونها. أما هو فيكفي أن أعود إلى رسائله في الواتس أب لأستعيد الكتب التي لخصها طوال عام مضى وأختار منها ما يعجبني، وكأنني أنا الذي اخترتُ الكتاب هذه المرة لا ضيف البرنامج.

ولعل من كان يستمع إليه في الإذاعة وهو يعرض الكتاب بتدفق وفهم عميق، لا يخطر بباله أن فهد سالم مصاب منذ طفولته بإعاقة جسدية تجاوزت نسبتها التسعين في المائة كما يروي في كتابه الصادر حديثا عن دار عرب «فوق رأسي مكتبة»، منعته من الالتحاق بالمدرسة، لكنه مع ذلك تمكن من تعليم نفسه ذاتيا. بدأ بقراءة كتب أخيه المدرسية، وشيئا فشيئا جذبته كتيبات الجيب لليافعين بما تتضمنه من روايات الغموض والقصص البوليسية، ومجلات الأطفال مثل «باسم» و«ماجد»، و«ديزني»، ثم مجلة «الصقر» الرياضية، والمقالات الفكرية التي يقول إنها كانت البوابة للانغماس في عالم الكتب.

أصابت فهد الجرثومة التي غالبا ما تصيب القراء النوعيين؛ أن تقرأ كتابا فتنبهر بأفكاره وتنتشي بها، وتتمنى لو أن الجميع يشاركك هذا الانتشاء، فطفق يستخدم إبهام يده اليمنى التي ما زالت تنبض بالحياة للكتابة في هاتفه الصغير عن الكتب التي أدهشته، ويلخص أفكارها، وينشرها على صفحته في فيسبوك، ثم يوزعها على أصدقائه في الواتساب. ويبدو أن تراكم هذه القراءات هو الذي أوحى له بجمعها في كتاب، وتصنيفها كما تصنف المكتبة في رفوف، فجاء العنوان دالا على شغفه بالقراءة: «فوق رأسي مكتبة».

قسم فهد كتابه إلى ستة رفوف، ليبدو وكأنه مكتبة يختار منها القارئ ما يريد، كما يذكر في مقدمته. وبدأ بالرف العام الذي وضع فيه كتبا عامة في الأدب والإعلام والعلم والتاريخ الطبيعي للإنسان وسواها من موضوعات، ويستوقف المرء في هذا الرف بعض الكتب المهمة من قبيل «عندما يقول الجسد لا» للطبيب الكندي جابور ماتيه، و«365 يوما بلا صُنِع في الصين» للصحفية الأمريكية سارة بونجورني، و«الجميع يكذب» لسيث ستيفنز. وفي الرف الثاني، اقترب من علم النفس وعلم الاجتماع، متوقفا عند بعض الكتب المهمة مثل «قلق السعي إلى المكانة» للفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، و«الإنسان والبحث عن المعنى» للطبيب النمساوي فكتور فرانكل، و«من وحي الثمانين» لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي. أما الرف الثالث فخصصه للتاريخ وعرض فيه عددا من الكتب اللافتة، مثل «30 طريقة للموت: تاريخ وسائل الإعدام في العالم» للكاتب المصري ميشيل حنا، و«الطباخ، دوره في حضارة الإنسان» للكاتبة العراقية بلقيس شرارة، و«مختصر تاريخ العلم» للكاتب توم فيليبس.

في الرف الرابع، اتجه فهد سالم إلى السياسة ليعرض «الصراع العربي الإسرائيلي» من خلال كتاب بالعنوان نفسه لعالم الاجتماع الأرجنتيني بيدرو برييجر، ويحلل الصراع في أفغانستان وتاريخها في صد الغزاة من خلال عرضه لكتاب «حجر الأرض» للصحفي الموريتاني أحمد فال الدين، ويتحدث عن الهزيمة العربية وأسبابها من خلال قراءته لكتاب المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم «النقد الذاتي بعد الهزيمة». ثم يلتفت في الرف الخامس لبعض الروايات الأدبية التي أعجبته، مع ميل واضح إلى الروايات المنبثقة من وقائع أو التي تستند إلى أرضية تاريخية وإنسانية، مثل «سمرقند» لأمين معلوف، و«وردة» لصنع الله إبراهيم، و«إبراهيم غوبي» لخليل خميس. ويختم بالرف السادس، المخصص للسير الذاتية؛ حيث تمر شخصيات كانت لها تجارب سياسية وثقافية وإعلامية تستحق السرد، مثل محمد نجيب في كتابه «كنتُ رئيسا لمصر»، ومحمد كريشان في كتاب «وإليكم التفاصيل»، وسامي الحاج في «جوانتانامو قصتي»، وإن كان من مأخذ وحيد على هذا الرف فهو إدراجه كتابَيْ «بدر شاكر السياب: حياته وشعره» لعيسى بلاطة، و«فائق عبد الجليل: رحلة الإبداع والأسر والشهادة» لحمد الحمد في رف السيرة الذاتية، في حين أنهما كتابا سيرة غيرية.

وعلى أية حال، بدا فهد سالم في هذا الكتاب قارئا نوعيا شغوفا يتفاعل بما يقرأ، ويتأثر به، بل ويعارضه أحيانا سائقا حججا من قراءات أخرى لعرض وجهة نظره، وهو لا يخفي أن لغته تختلف من مراجعة إلى أخرى، لأن كل كتاب يقرأه يترك أثره فيه وفي لغته وفي أسلوبه الكتابي.

بقي أن أقول إن قيمة هذا الكتاب تكمن في تقديمه نموذجا لقارئ مختلف، آمن بأن المعرفة ثمرة سعي ومثابرة، وأن المرء قادر على شق طريقه إلى الثقافة والمعرفة مهما أحاطت به العوائق. وهو بهذا المعنى كتاب عن القراءة عندما تكون ممارسة للحرية، وعن الكتابة حين تتحول إلى أثر يبقى للآخرين.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني