أسس السلام في عالم اليوم من منظور جلال الدين الرومي

06 مايو 2026
06 مايو 2026

في العصر الراهن، حيث يواجه العالم أزمات عميقة في الهوية، وأشكالا بنيوية من العنف، وانسدادات في إمكانات الحوار، تغدو العودة إلى التراث العرفاني لجلال الدين الرومي ضرورة حيوية لإعادة تعريف السلام، لا اختيارا ثقافيا عابرا. فالسلام في فكر جلال الدين يتجاوز التعريفات الشائعة في العلاقات الدولية التي تراه مجرد «غياب للحرب» أو «توازنا للقوى». إنه، في جوهره، شأن وجودي ومعرفي، ينقل السلام من مساحة العقود السياسية الهشة إلى أفق الروح وحقيقة التوحيد.

تبدأ رؤية جلال الدين للسلام من إدراك حقيقة «الوحدة في الكثرة». فالعالم، من منظوره، مظهر لأسماء الله وصفاته، وتنوع الموجودات مرآة لتعدد تجليات الحقيقة الواحدة. وعلى هذا الأساس، تغدو الاختلافات العرقية واللغوية والدينية جزءا من جمالية الخلق وأسراره الإلهية في سبيل اكتمال الإنسان. ومن هنا يفسر جلال الدين المداراة بوصفها إدراكا لضرورة التضاد في حركة الوجود، لا تنازلا مشوبا بالشفقة. فالصراع مع «الآخر» هو، في حقيقته، صراع مع جزء من الكل المتماسك للعالم؛ جزء ظنه الإنسان «غيرا» بسبب محدودية نظره.

وفي العمق الأخلاقي لهذه الرؤية، يبحث «مولانا جلال الدين» عن الجذر الأول لكل الحروب وأشكال العنف في «الأنا الزائفة» أو «النفس الأمّارة»؛ فالاستبداد الد اخلي في الإنسان، حين يرى نفسه مركز العالم، يتحول إلى مصدر للاستبداد الخارجي وإقصاء الآخرين. ويعتقد جلال الدين أن الإنسان ما دام أسير «ذاته» ونزعته الاحتكارية، فإن كل مسعى إلى السلام سيظل قناعا يغطي شهوة القوة. لذلك يمر الطريق إلى السلام المستدام، عنده، عبر «فناء الأنانية» في عشق متعال. وحين يخرج الإنسان من السجن الضيق للمصالح الفردية والجماعية، يرى العالم مائدة إلهية للتعايش، لا ساحة معركة من أجل البقاء. ومن هذا المنظور، يبدأ السلام العالمي من سلام الفرد الداخلي مع ذاته ومع خالقه.

إن حرب موسى وفرعون أبدية. ولا بد من مواجهة فرعون الداخل والخارج كي يقوم السلام والتوازن:

«موسى وفرعون في كيانك أنت

فابحث عن هذين الخصمين في نفسك»

وفي مجال الأديان والمذاهب، يقدم الرومي واحدة من أكثر الرؤى تقدما للسلام، فهو يميز بين «القشر»، أي ظاهر الدين، و«اللُّب»، أي باطنه. فالصراعات الدينية تقع غالبا على مستوى الصور والطقوس، أما في الطبقة الروحية والباطنية، فإن جميع طالبي الحقيقة يسيرون نحو نبع واحد. ويرى جلال الدين أن الخلاف بين أتباع الأديان ناشئ من «ظلمة النظر» و«ضيق وعاء الإدراك». ومن خلال طرحه لعقيدة «دين العشق»، يفتح أفقا تصبح فيه القيمة العليا للإنسان مرتبطة بجودة صلته بالحقيقة ورحمته بالخلق، لا بالملصقات الدينية. هذه الرؤية تمهّد الطريق لحوار الحضارات على أساس الاحترام المتبادل واكتشاف المشتركات الروحية.

وتتصل هذه الرؤية الروحية بأساس معرفي بالغ الأهمية، هو إدراك محدودية المعرفة البشرية. يبيّن جلال الدين، من خلال أمثلة متعددة، أن كل فرد أو جماعة لا تمتلك سوى جزء من الحقيقة. يولد العنف حين يتوهم «الجزء» أنه «الكل»، ويحاول فرض نظرته المحدودة على الآخرين بالقوة. فالسلام المولانوي يعني قبول حقيقة أن الحقيقة تشبه مرآة سقطت من السماء فانكسرت؛ يحمل كل إنسان قطعة منها، ولكي تُرى الصورة كاملة ينبغي أن توضع القطع إلى جوار بعضها، بدلا من نفي القطع الأخرى. هذا التواضع المعرفي يشكل أساس المداراة الحديثة والديمقراطية الروحية.

والسلام من منظور جلال الدين ليس عملية ساكنة، بل رحلة دائمة من «النيئ» إلى «الناضج». إنه معلم نضج البشرية؛ ذلك النضج الذي يدرك فيه الإنسان أن إيذاء الآخر هو إيذاء للذات. إن عقيدته في السلام، القائمة على العشق والشفقة ووحدة الوجود، قادرة على أن تكون ميثاقا أخلاقيا لبناء عالم أكثر هدوءا وإنسانية في القرن الحادي والعشرين. وللوصول إلى هذا المقصد، ينبغي تجاوز لغة الحدة والتعصب، والإنصات إلى لغة «الناي» التي تنشد لحن العودة إلى الأصل الواحد ووحدة النوع الإنساني.

في النهاية، لا بد من التأكيد أن السلام في عقيدة جلال الدين ليس صمتا مفروضا بالقوة، بل نداء صادر عن الوعي والنضج. فهو، بربطه بين الساحة القدسية للروح والساحة الدنيوية للحياة، يفتح طريقا تصبح فيه الاختلافات مصدرا للغنى الثقافي، لا ذريعة للحرب.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نستنتج أن السلام القائم على العدالة، والمبني على أعمدة راسخة من الحرية والمساواة والأخوة، هو النموذج الأكثر فاعلية للخروج من مأزق تعارض المصالح، والوصول إلى مصالحة مستدامة في عالمنا الراهن. هذه هي الرسالة التي تصعد من ناي روح مولانا، لتقرب عالم اليوم المضطرب من شاطئ الطمأنينة والوحدة.

سيد سلمان صفوي باحث ومفكر إيراني متخصص في الفلسفة والعرفان الإسلامي ودراسات جلال الدين الرومي. يرأس أكاديمية لندن للدراسات الإيرانية، وله مؤلفات وأبحاث باللغتين الفارسية والإنجليزية في الفلسفة الإسلامية والتصوف.

عن صحيفة «إطلاعات» الإيرانية