ثمن السلام مع إيران على واشنطن أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات غير مريحة

03 مايو 2026
03 مايو 2026

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تعثرت المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، وقد تمكن البلدان من الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش بينهما. 

ورغم أيام من المفاوضات غير المباشرة والمباشرة، من ذلك قمة رفيعة المستوى ودرامية استمرت 21 ساعة في إسلام أباد، لا يزال الاتفاق الدائم بعيدا. 

ويرتبط جانب من هذا الإخفاق بتوقعات واشنطن الخاطئة. ويؤمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة تمسك بكل الأوراق، وبأنها تستطيع إجبار طهران على الانحناء، رغم شهور من الأدلة التي تقول عكس ذلك. غير أن جانبا آخر من المشكلة يكمن في انعدام الثقة المتبادل. 

تعود جذور هذا الشك العميق إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ثم أزمة الرهائن التي تلتها. وقد استمرت هذه الريبة العميقة، وتفاقمت؛ فقد صدّت واشنطن طهران مرارا في مسارات التفاوض، وأبرمت معها اتفاقا نوويا عام 2015، ثم انسحبت منه بعد ثلاث سنوات. دخلت محادثات جديدة مع إيران عام 2025، ثم قصفت بنيتها التحتية النووية. وعندما استؤنفت المحادثات مرة أخرى في مطلع هذا العام، أطلقت الولايات المتحدة حملتها العسكرية الأخيرة. 

ونتيجة لذلك، لا يملك معظم الإيرانيين ثقة كبيرة في أن تنجح المفاوضات الحالية، أو أن يصمد وقف إطلاق النار. وقد ازدادت جرأة الفصائل المتشددة في إيران، وهي تاريخيا متشككة في الدبلوماسية، فيما جرى تهميش البراجماتيين المؤيدين للانخراط والتواصل. 

ولتجاوز انعدام الثقة هذا، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إثبات أن المفاوضات الحالية تختلف جذريا عن سابقاتها؛ أي أنها ستفضي إلى اتفاق قابل للحياة والاستمرار. ويمكن أن يبدأ ذلك بقبول واشنطن أخيرا بأن لإيران حقوقا أساسية بوصفها دولة ذات سيادة، من ذلك حق تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وسلمية. وستحتاج الولايات المتحدة أيضا إلى مساعدة إيران على إعادة الإعمار، عبر السماح للدول الواقعة على امتداد الخليج، بما فيها إيران، بفرض رسوم إضافية على بعض السلع المرتبطة بالنفط التي تغادر موانئ الخليج وتعبر جنوبا عبر مضيق هرمز، وهو الممر الذي أثبتت طهران قدرتها على خنقه. ويمكن للأموال الناتجة عن ذلك أن تساعد في تمويل إعادة إعمار المنطقة وفق الاحتياجات، ومن الواضح أن إيران تحتاج إلى أوسع دعم. 

وأخيرا، يتعين على الولايات المتحدة أن تضمن امتناع إسرائيل عن مهاجمة إيران، وأن تساعد البلدين على بناء علاقات مستقرة، حتى إن بقيت غير ودية. وفي المقابل، سيكون على طهران أن توافق على قيود جديدة ورقابة صارمة على برنامجها النووي، بحيث تطمئن واشنطن إلى أنها لن تبني سلاحا نوويا أبدا. كما سيتعين على إيران أن تقبل بأنها لا تستطيع انتزاع أموال مقابل مجرد عبور السفن عبر المضيق، بما يخالف القانون الدولي. 

إن اتفاقا شاملا من هذا النوع سيمنح طهران وواشنطن معا ما يسميه الدبلوماسيون «الجسر الذهبي»؛ أي الترتيب الذي يسمح للخصوم بالتراجع عن مواقفهم القصوى مع الاحتفاظ بإمكانية إعلان النصر. ومن المؤكد أنه سيخيّب آمال كثيرين من صقور إيران في الولايات المتحدة، ممن ينفرون من السماح لطهران بتسجيل أي مكسب. غير أن الواقع يقول إن الدبلوماسية القسرية غير فعالة؛ فهي تصلّب المقاومة، وتضيّق مساحة التسوية، وتزيد خطر تحول الخلافات مرارا إلى صراعات أكثر عنفا. لذلك حان الوقت كي ينقل المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون لغتهم واستراتيجيتهم بعيدا عن الحدّية القصوى، وأن يتبنوا التسوية بدلا منها. 

ما يمكن التفاوض عليه نوويا 

يبدأ الطريق إلى السلام الأمريكي ـ الإيراني من أساسيات ميدانية بسيطة؛ مثل التعهد بالحفاظ على وقف إطلاق النار القائم، والامتناع عن مهاجمة البنية التحتية الحيوية، خصوصا في الخليج. وهذا يعني أن على البلدين الاتفاق على تمديد محدد بعناية لوقف إطلاق النار، يتضمن حظرا صريحا على مثل هذه الضربات. 

بعد ذلك، سيحتاج الطرفان إلى حل بعض خلافاتهما العميقة، وفي مقدمتها الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني؛ فهذا الملف ما زال (بوضوح) تحديا مركزيا للأمريكيين، ولآخرين كثيرين يريدون من الإيرانيين التخلي عن أي تكنولوجيا يمكن أن تتيح تطوير سلاح نووي. ويشعر المسؤولون الأمريكيون بقلق خاص إزاء ما يقارب ألف رطل من اليورانيوم عالي التخصيب الموجود في حوزة إيران، كما يخشون أن تكون طهران ما زالت تمتلك عدة آلاف من أجهزة الطرد المركزي الفعالة. 

ويمكن معالجة هذين القلقين تحديدا؛ فتستطيع إيران خفض نسبة اليورانيوم المخصب إلى ما دون 3.67 في المائة من نظير اليورانيوم-235، وفرض حدود صارمة على إدخال تكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي الأكثر كفاءة وعلى عددها. ويمكن للولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي أن يضعا نظاما إقليميا للمراقبة والتحكم، وأن يستخدماه للتأكد من أن طهران تفي بتعهداتها. وكجزء من ذلك، قد تصادق إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن تُخضع نفسها مجددا لتفتيش مكثف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما فعلت بعد التصديق على الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. 

غير أن موافقة إيران على مثل هذه الإجراءات ستتطلب من الولايات المتحدة أن تقرّ بأن لطهران حقا في تطوير التكنولوجيا النووية لأغراض الطاقة والرعاية الصحية وسواها من الاستخدامات السلمية. وهذا الحق تؤيده معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي صادقت عليها إيران. لكن إدارة ترامب رفضت حتى الآن تقديم هذا التنازل. وبدلا من ذلك، تمسكت بمطالبها بأن تتخلى إيران عن كل أشكال التخصيب. 

ومع ذلك، قد تكون واشنطن مستعدة للتحرك عن موقفها إذا وافقت طهران على إدماج تخصيبها النووي في لجنة متعددة الجنسيات تضم شركاء الولايات المتحدة في المنطقة. وفي هذا السيناريو، ستخضع كل أنشطة دورة الوقود في إيران، وربما في الشرق الأوسط كله، لتشغيل وإشراف مشتركين من اتحاد تديره شخصيات رسمية من البحرين، وإيران، والعراق، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة، وربما تركيا. ومن شأن هذا الهيكل التعاوني أن يجعل اكتشاف أي محاولة إيرانية لتحويل المواد النووية إلى مسار آخر أكثر سهولة. 

وإذا وافقت طهران على المشاركة في مثل هذه اللجنة، والتزمت عموما بشروط اتفاق السلام مع واشنطن، فستحصل على تخفيف للعقوبات. كما سيقوم مجلس الأمن الدولي بمراجعة القرارات المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي أو تجميدها أو تعليقها أو إنهائها. 

تولي زمام الأمر 

إذا توصلت طهران وواشنطن إلى اتفاق نووي؛ فسيصبح الطريق إلى سلام دائم أسهل. لكن البرنامج النووي الإيراني ليس نقطة الخلاف الوحيدة؛ فالحكومتان منخرطتان أيضا في معركة حول ما إذا كان ينبغي لإيران أن تسيطر على مضيق هرمز، وهي معركة قد لا تقل أهمية. كما أن حل هذه المسألة يرتبط ارتباطا وثيقا بحل المسألة النووية. 

في الوقت الراهن، اتخذ البلدان موقفين حدّيين إزاء المضيق. فإيران، بعدما أثبتت قدرتها على إغلاق الممر المائي بفضل موقعها الجغرافي واستخدامها القوة، أعلنت أن لها الحق في القيام بذلك. ويبدو أنها عازمة على إضفاء طابع رسمي على هيمنتها عبر وضع مجموعة جديدة من القواعد التي تنظّم المرور، بما في ذلك فرض رسوم على السفن التي تأمل في العبور. أما الولايات المتحدة، في المقابل، فقد طالبت إيران برفع كل القيود المفروضة على المضيق والسماح للتجارة بالمرور الحر. وأطلقت حصارا على السواحل الإيرانية والمضيق إلى أن توافق إيران على ذلك. 

ولردم هذه الفجوة سيحتاج الطرفان إلى قدر من الخيال السياسي؛ ستحتاج الولايات المتحدة إلى الاعتراف بأن إيران ستحتفظ بالقدرة على إغلاق المضيق ما لم تُنفّذ عملية عسكرية ضخمة ومكلفة. لكنها تستطيع رفض اقتراح طهران فرض رسوم عبور على المضيق، فهذه الرسوم ستتعارض مع أحكام المضائق في اتفاقية قانون البحار، وستؤسس سابقة سيئة جدا يمكن أن تقيد حرية التجارة البحرية عبر ممرات مائية مماثلة. 

وما يمكن للولايات المتحدة القيام به هو أن تجعل الدول المصدّرة في الخليج تفرض رسوما إضافية للنقل على السلع القائمة على النفط، من نفط وغاز وأسمدة، التي تغادر موانئها وتعبر جنوبا عبر المضيق. وقد تشمل هذه الرسوم، على سبيل المثال، خمسة دولارات على كل برميل نفط، و20 سنتا على كل ألف قدم مكعبة من الغاز، و25 دولارا على كل طن من الكبريت، و30 دولارا على كل طن من اليوريا والأمونيا اللامائية. 

وتشكل هذه المنتجات نسبة كبيرة من التجارة التي تمر عبر الممر المائي، وتؤثر في السعر الحالي للتجارة العالمية. وتختلف هذه الرسوم الإضافية عن رسوم العبور لأنها تُفرض من الدول المصدّرة في ميناء المنشأ، لا من دولة واحدة مقابل المرور في ممر مائي مفتوح بضمان دولي. ويمكن أن تحقق هذه الرسوم الإضافية إيرادات قريبة من إيرادات رسوم العبور، تقدر بنحو 80 مليار دولار سنويا، وفقا لأفضل التقديرات. وستذهب عائدات هذه الرسوم، بدورها، إلى وكالة جديدة تابعة للأمم المتحدة تتولى مسؤولية توزيع الأموال. 

وستُخصص الأموال الناتجة، جزئيا، لإعادة بناء إيران، بما يساعد في تلبية مطلب طهران بتعويضات الحرب. أما ما يتبقى من الأموال فيمكن أن يذهب إلى إصلاح أضرار الحرب المدنية في الدول العربية في المنطقة. ويمكن لهذه الأموال أن تلبي احتياجات الإغاثة الإنسانية العاجلة في الإقليم، وأن تصلح أضرارا أوسع خلفتها الحرب. كما يمكن أن تُستخدم لمساعدة المنطقة على مواجهة تحدياتها البيئية. وستكمل هذه الأموال ما قد تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية الميسورة وغيرها من مساهمات في إعادة الإعمار. وستكون مدة عمل الصندوق مفتوحة، لكنها ستخضع لمراجعة دورية، وتجددها الأطراف عند الحاجة (الدول التي تفرض الرسوم الإضافية على الصادرات، وكذلك عُمان، التي تضررت من الحرب). أما العراق فلن يكون مشاركا، بسبب حربه الطويلة مع إيران في الثمانينيات، ولأن احتياجاته الأساسية في إعادة البناء لا ترتبط بالصراع الحالي. 

وسيُصاغ اتفاق المضيق أولا بين إيران والولايات المتحدة. كما ينبغي للبلدين أن ينشئا فريق عمل مخصصا لهذه المسألة. وينبغي لهما أيضا إنشاء فريق عمل للتعامل مع التحديات النووية. غير أن للأمم المتحدة دورا أساسيا تؤديه كذلك؛ فترتيب الرسوم سيحتاج إلى دعم صريح من مجلس الأمن الدولي، وإلى رقابة أوسع من الأمم المتحدة لضمان عدم استخدام هذه الرسوم لأغراض غير مصرح بها، مثل حشد القدرات العسكرية أو برامج الأسلحة النووية والكيميائية. وسيتعين على مجلس الأمن إنشاء المنظمة الأممية الجديدة، التي قد تُسمى وكالة التعاون في الخليج الفارسي، أو العربي، وتُكلّف بتوزيع الأموال وتتبعها. ويجب أن يديرها موظفون فاعلون ذوو كفاءة يعيّنهم الأمين العام للأمم المتحدة وفق عملية دقيقة ومناسبة لتقييم المرشحين واعتمادهم. وإلى جانب إيران ودول الخليج، سيشارك الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، في الوكالة عبر نواة تشبه مجلس إدارة، كما ستشارك البرازيل والهند وإندونيسيا واليابان وماليزيا. 

وقد تقدم هذه الدول أيضا أموالا وتدريبا وكوادر بشرية. وستفصل الجمعية العامة للأمم المتحدة في النزاعات المتعلقة بالوكالة عبر تصويت بالأغلبية. ويمكن للوكالة كذلك أن تنسق أشكال المساعدة الدولية الأخرى في إعادة بناء إيران ودول الخليج الأخرى. 

لن تحل مثل هذه الإجراءات كل الخلافات العميقة بين طهران وواشنطن، لكنها ستساعد في تثبيت العلاقات، وتمهيد الطريق لمفاوضات قد تقود، في نهاية المطاف، إلى تطبيعها. وسيحتاج الطرفان إلى ترتيب دقيق للخطوات؛ ففتح المضيق فورا سيكون ضروريا، لكن الربط بين المضيق والبرنامج النووي الإيراني يمكن أن يمنح إيران فوائد مالية تعمل كرافعة إيجابية، وتجعل طهران أكثر استعدادا لوضع سقوف لبرنامجها النووي وإنهاء دعمها للإرهاب. وستحتفظ الولايات المتحدة وسواها دائما بالقدرة -في الظروف القصوى- على استخدام القوة العسكرية وسيلة لضمان استمرار التزام إيران بحسن السلوك، رغم أن القوة العسكرية أداة غير فعالة لدفع الأطراف إلى الامتثال وصناعة الاتفاقات. 

معضلة الأجسام الثلاثة 

في القراءة المتفائلة، يمكن لطهران وواشنطن أن تدركا فوائد التعاون وأن تصوغا اتفاقا دائما. غير أن أي اتفاق يحتاج، كي يصمد، إلى قبول من إسرائيل، التي غالبا ما تُستبعد من أحاديث صناعة السلام. وستكون هناك حاجة إلى ميثاق عدم اعتداء بين إيران وإسرائيل لضمان استمرار الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن دون ذلك، ستواصل إيران مهاجمة إسرائيل عبر وكلائها، وستنفذ إسرائيل -وهي لا تملك وكلاء- هجمات عسكرية أكثر مباشرة على إيران. 

وقد يتصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل مرة أخرى، جاذبا واشنطن ودول الخليج العربية إلى حرب جديدة ضد إيران؛ وعندها ستبقى المنطقة عالقة في حالة من صراع مزمن لا ينتهي. 

ومن دون شك، سيكون من الصعب إنشاء ميثاق عدم اعتداء إيراني ـ إسرائيلي؛ فقلّة من الحكومات تحمل هذا القدر من انعدام الثقة والخوف المتبادل. ومن المؤكد أن مثل هذا الميثاق لن يشبه السلام بأي معنى تقليدي: لن تكون هناك سفارات، ولا ثقة، ولا رؤية مشتركة. ومع ذلك، لا يزال في مقدور البلدين أن يصوغا تعايشا منضبطا ومنظما، يسعيان من خلاله إلى خفض التصعيد. هذا تصور جديد ومختلف، وسيتطلب فترة تخلو من التهديدات والعنف. 

سيحتاج الإيرانيون والإسرائيليون إلى إنشاء قنوات اتصال خلفية. وسيكون هدف هذه القنوات تخفيف التوترات وتجنب التصعيد من خلال تحسين التواصل وخطوات الوساطة. كما سيحتاج الإيرانيون والإسرائيليون إلى التوقف عن الحديث العلني عن بعضهم البعض بلغة شبه قيامية. فالنخب الإيرانية، على سبيل المثال، يمكن أن تتوقف عن قيادة هتافات «الموت لإسرائيل» في صلوات الجمعة. وفي المقابل، يمكن للنخب الإسرائيلية أن تتوقف عن الادعاء بأن إيران ستتسبب في «محرقة نووية». وبعد أن يبدآ فتح قناة للتواصل أكثر احتراما، ويتراجعا عن مواقفهما الأكثر تطرفا، يمكن لإيران وإسرائيل أن تنظرا بجدية في إجراءات لبناء الثقة تنتج ضمانات أمنية متبادلة، خصوصا حول قدراتهما النووية والصاروخية. ستكون قضية حزب الله نقطة أساسية في أي نقاشات. ففي الوقت الراهن، تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فصل المفاوضات مع إيران عن المفاوضات المتعلقة بلبنان. وهذا إشكال؛ إذ لا يمكن معالجة مسألة حزب الله من دون إشراك إيران. وسيكون من الضروري التفكير في الصورة الأوسع مع إسرائيل، التي قد تحتاج إلى إقامة مواثيق عدم اعتداء مع إيران ولبنان معا. ومع مرور الوقت، إذا تحقق مثل هذا الاتفاق بين إسرائيل وهاتين الدولتين، فقد ينتج آليات أكثر دواما للحوار وخفض المخاطر، وربما تعاونا اقتصاديا محدودا. وما يزال الدور الشائك للقضية الفلسطينية -وسيظل- جزءا مهما من أي ترتيب أمني إقليمي مستقبلي. إنها مأساة سياسية وإنسانية حقيقية، ويجب ألا تضيع في المفاوضات الجارية. ورغم أن حلها لن ينهي التنافس الإيراني ـ الإسرائيلي، فإنه سيزيل إحدى أقوى مصادر القلق المشروع لدى النظام الإيراني. فقد منحت القضية الفلسطينية، منذ زمن طويل، إيران مبررا أخلاقيا وسياسيا لمعارضتها إسرائيل. ومن شأن مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية أن يضعف هذه السردية ويساعد في حل المشكلة. 

عبر الكلام 

يقف الشرق الأوسط عند نقطة انعطاف؛ فقد أصرت إيران، طويلا، على أنها لا ترغب في تطوير ترسانة نووية. بل إن مرشدها الأعلى السابق، علي خامنئي، أصدر فتوى دينية ضد ذلك. لكن، ورغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعلن بانتظام أن إيران لن تنخرط في الانتشار النووي، فإن الفتوى ماتت مع المرشد الأعلى السابق. وبالنظر إلى الصراع الأخير، ستواجه القيادة الإيرانية الجديدة بلا شك ضغطا داخليا شديدا لإنتاج رادع نووي. وإذا فعلت ذلك، فسيواجه العالم تهديدا بالغ التعقيد للسلام. وعلى الناس في كل مكان أن يحاولوا منع مثل هذه النتيجة، لا سيما الإيرانيين. وقد نشر وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف، مؤخرا، مقالا مفيدا في «فورين أفيرز» حول كيفية صناعة السلام، جادل فيه بأن التكنولوجيا النووية الإيرانية لم تردع الهجمات. 

ولحسن حظ الجميع، توجد أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن المفاوضات قادرة على تجنب مثل هذه النتيجة؛ فإيران رغم أسابيع من الهجمات ما زالت منفتحة على المفاوضات. وقد أعاد عراقجي، مرارا، تأكيد حق إيران في التخصيب والسيطرة على مضيق هرمز. لكنه قال أيضا: إن إيران منفتحة على مزيد من الحوار حول كيفية طمأنة العالم إلى أنها لن تطور سلاحا نوويا، ودعا إلى نظام جديد لإدارة المضيق. ومع قدر من السيطرة على هذا الأخير، قد لا تحتاج إيران إلى الأول. فقد أظهرت طهران، في نهاية المطاف، أنها تستطيع مقاومة دولتين مسلحتين نوويا وتمتلكان قدرات عسكرية أرفع بكثير، جزئيا عبر استخدام المضيق ورقة ضغط. 

في الأزمنة المحفوفة بالخطر، تظهر أفكار غير متوقعة تفتح باب الدبلوماسية. وهذه إحدى تلك الأزمنة. لن يحل الإكراه أو القصف الصراع بين إيران والولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، يحتاج البلدان إلى جسر ذهبي، بحيث لا تكون نتيجة المفاوضات إذلالا، بل تعاونا يقود إلى النجاح. 

 توم بيكرينغ وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية من عام ١٩٩٧ إلى عام ٢٠٠٠. شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى ست دول، من بينها إسرائيل وروسيا. ومن عام ١٩٨٩ إلى عام ١٩٩٢، شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك. 

 جابرييل ريفكيند خبيرة في حل النزاعات ومديرة عملية أكسفورد. 

 بول إنجرام متخصص في السياسة النووية ومستشار في عملية أكسفورد. 

 عن مجلة فورين أفيرز خدمة تربيون