ينظر إلى الثقافة على أنها محور كل العمليات الإنسانية، في تقاربها وتباعدها، وفي اتفاقاتها واختلافاتها، وفي تضامناتها وتصادماتها، وفي تكاملها وتناقصها، وفي تموضعاتها وانتشارها، وبهذا المعنى تتحمل الثقافة السبب والنتيجة لكل هذه الصور؛ ذلك لأن منبع كل السلوكيات التي يترجمها الأفراد على الواقع هو من تأسيس الثقافة، وبهذا المعنى أيضا أن الثقافة لا يُحصر معناها أو مفهومها فيما يذهب إليه الفهم على أنها المعرفة فقط، أو الكم الهائل من المعلومات التي يتحصل عليها الفرد على امتداد تجربته في الحياة،
وإنما هي مجموعة متنوعة من المعرفة وخبرات وتجارب الحياة، وتأتي السلوكيات فتترجمها على الواقع، وإن كان للمعرفة في مفهوم المعلومات التي تُدرّس دور ثانوي؛ فهي تأتي لتهذّب هذه السلوكيات إما نحو الخير لمن أراد توظيفها في ذلك، وإما نحو الشر عبر مسالك ملتوية كذلك؛ لأن المعرفة لها القدرة على فتح مسارات غير مرئية، وذلك كله اعتمادا أيضا على المؤسس الثقافي الذي يتربى عليه الفرد بين أحضان أسرته في مراحل التنشئة الأولى، ثم مجموعة المكتسبات التي يتحصل عليها من البيئة المحيطة، سواء البيئة الاجتماعية الواسعة، أو من البيئات التخصصية «المهنية» فيما بعد: كالمدارس والجامعات، وصولا إلى المجتمع الوظيفي المتنوع.
ولماذا يُسند كل ذلك إلى الثقافة؟ لأن الثقافة هي مجموعة من الممارسات السلوكية، وهي الناتجة عن مستوى الاستيعاب الذي ينطلق منه الفرد في البدايات الأولى لعمر التنشئة كأسس أو كخريطة طريق، ثم يضيف ويحذف وفق تقييمات خاصة تترجمها الذات الإنسانية قبولا أو رفضا، توظيفا لمجموعة الخبرات التي يتحصل عليها طوال تجربة حياته المستمرة، والثقافة التي نعنيها هنا هي التي تتيح للفرد بأن يغير ويعدل، يضيف ويحذف من القناعات والسلوكيات، وذلك وفقا لكثير من المواقف التي تمر عليه،
ويتلقى رسائلها بصورة مباشرة دون وسيط؛ ولذلك يتفاوت الناس في التعامل مع مجريات الواقع، استنادا على قوة الاستيعاب هذه التي نعنيها، والتي توفرها ثقافة الفرد، فأصحاب الثقافات محدودة التجربة الحياتية يحتاجون إلى جهد كبير لاستيعاب ما يدور حولهم من أحداث، بعكس الذين يتسع لديهم الأفق الثقافي انعكاسا لتجربتهم الحياتية الواسعة والشاملة، فالثقافة تضع بصمتها على الشخص في كثير من المواقف، ولنا أن نلاحظ ذلك في كثير من الصور التي يتباين من خلالها الناس،
فسكان المدن تختلف ثقافتهم عن سكان القرى والأرياف، وأبناء الأسر الغنية تختلف ثقافتهم عن ثقافة أبناء الأسر الفقيرة أو البسيطة، وتتمايز سلوكيات كل طرف عن الطرف الآخر في كثير من الممارسات والتعاملات سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام، وذلك في كيفيات التعامل؛ سواء مع الآخر أو مع المواقف والأحداث، أو في الانتقاء والتمايز بين الأشياء، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.
لذا يمكن القول إن الثقافة تتحمل قدرا كبيرا من نتائج السلوكيات وأعبائها التي يقوم بها الأفراد، وما ينشأ عنها من تصادمات أو اختلافات بينهم في لحظات زمنية فارقة، أو على امتداد علاقات تنظيمية متعددة. ومع أن امتداد العلاقات وتراكم الخبرات الإنسانية يمنحها خصوصية مغايرة، إلا أنه مع استمرار التفاعل والتعامل، تذوب بعض الفروقات تدريجيا وتتماهى، نتيجة قدرة الأطراف على التنازل المتبادل، واستبدال بعض الممارسات بعناصر من ثقافة الآخر، فيما يُعرف بعمليات الاندماج بين الأطراف.
ويظل هذا الاندماج محتفظا بالسمات الأساسية لكل مجموعة، دون أن يلغي هويتها أو يطمس خصوصيتها بشكل مطلق، وهو ما يفسر قدرة الأفراد على الاستمرار في التعامل فيما بينهم عبر الزمن، في إطار من التفاهم النسبي، دون حدوث صدامات حادة أو قاسية.
يلعب التجذر دورا محوريا في هذه المسألة، وهو ما يُشار إليه بـ«القيم الثابتة» وهي التي تنبثق منها معززات الثقافة، ومن هنا يأتي ما يسمى بـ«التنوع الثقافي»، والأمران كلاهما معرضان للتصادم أو التوافق، وذلك بناء على قدرة الأفراد في الرفض أو الاستيعاب، وذلك محكوم أيضا بالفترات العمرية «السن» وتجربة الحياة.