No Image
بريد القراء

وعي الإنسان يبدأ عندما يكتشف الحقيقة

24 أبريل 2026
24 أبريل 2026

يومًا ما، سيكف الإنسان عن غروره المتواصل، وسيبحث عن قشّة تنقذه من تيار النهر الجارف، يعاتب نفسه تارة ويتحسّر على عمره الذي أفناه وراء بحثه عن أوهام تشبع رغبته في إثبات أنه الأقوى دائمًا والأصلح للحياة، يحسب على يديه عدد الأشياء التي لم يكن يفكر فيها ولو لثوانٍ معدودة، يصدم كيف نسج في ذهنه بيستا أو هن من بيت العنكبوت.

الآن فقط بدأ يدرك الأشياء المفقودة وحصيها رغم أنه حتى قبل وقت قصير كان يراها مجرد عبث إنساني يهتم بسفاسف الأمور، الآن أيضًا أصبح يعي تفاصيل الأمور ويراها على حقيقتها كما كان يجب أن يهتم بها منذ وقت بعيد، في مراجعة داخلية تُعيد ترتيب الأولويات وتكشف زيف كثير من القناعات القديمة.

البعض من الناس يستيقظ متأخرًا لكن هذه الصحوة هي أفضل حالًا ممن يظل في غيبوبة مستديمة، وكما يقول الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر «أن تصل متأخرًا خيرٌ من أن لا تصل أبدًا». فالوصول إلى الحقيقة حتى في وقت متأخر لا يعني تضيع الفرص بل يمكن أن يكون استدراكًا لما قد مضى وبداية مرحلة أخرى في الحياة، أكثر نضجًا واتزانًا ووعيًا.

بعض الناس يصل إلى لحظة الاستدلال عندما تسكن روحه غياهب الجب السحيق، وتنهار أمام عينيه الجاحظتين الرواسي الشامخات، فحالة الهلع كفيلة في استيقاظ أسد نائم، والإنسان المغرور بذاته أحيانًا لا يرى خيوط الضوء التي تبعثها الشمس بل يتجنبها حتى لا يبصر العالم على حقيقته، وكأن الحقيقة عبءٌ يخشاه أكثر مما يطلبه.

من عجائب البشر، أنهم يتظاهرون أحيانًا بأنهم لا يرون الحقيقة الموجعة؛ لأن الأمر في نظرهم أكثر إيلامًا من العمى المؤقت الذي يصيب بعض المرضى، فيما يغلق الآخرون آذانهم عما يربك قناعاتهم لأنهم يحسبون بأن الصمت عن قول الحق «حكمة»، بينما هو خوف متقن يتخفّى في هيئة اتزان زائف.

أما الكلام فيُؤجَّل لدرجة أنهم ينسون قول الصدق لأنهم يعرفون بأنه سيكون عبئًا ثقيلًا على أنفسهم، فلا يحملون أنفسهم أمانة القول وصدق الموقف، فتتراكم الحقائق غير المعلنة حتى تتحول إلى ثقل داخلي يرافقهم دون أن يشعروا.

في هذا الزمن، كل شيء يُمكن تزويره «الوجوه والكلام وحتى المبادئ، يمكنها أن تشتري لك اسمًا ولقبًا»، في مشهد يعكس هشاشة بعض القيم حين تُترك دون وعي أو مساءلة.

إن الغرور النفسي عبارة عن ستارة سوداء تحجب النظر إلى الخارج وتجعل الشخص يعتقد بأنه قادر على تحديد المسافات والأجسام الصلبة التي تعترض طريقه، كذلك يسر في قرارة نفسه بأنه إنسان لا يخطئ، ولا ينسى، ولا يسامح، وكأن الكمال صفة مكتسبة لا تحتاج إلى مراجعة أو مساءلة.

لكن لكل رحلة في الوجود الإنسانية ثمة نهاية منتظرة، فبعد مشوار طويل يستفيق البعض على صوت العقل ويرى الحياة بمنظور مختلف، فليس كل الناس ينهون حياتهم مثلما بدأوها أول مرة، فهناك جمع من العصاة والطغاة يراجعون أنفسهم خاصة عندما تشيح الدنيا بوجهها الباسم من أمامه، في لحظة صدق لا تشبه ما قبلها.

يقول الأديب والفيلسوف الروسي البارز ليو تولستوي: «الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه دومًا فكرة خاطئة عن الموت».

في مرحلة التغير، يجعلون كل ما مضى عبارة عن «عصارة تجربة» تختزل بداخلها الكثير من الأشياء الثقيلة، فتجعلهم يتوقفون فجأة من محاولة إصلاح كل شيء، وعن تفسير إنجازاتهم لكل أحد يقابلونه في طريقهم على اعتبار أنهم أمهر البشر في صناعة النجاح، غرورهم القديم جعلهم ينفرون من البقاء في أماكن لا تشبههم أو تليق بهم، وكأنهم يعيدون تعريف أنفسهم من جديد.

المغرور بدا متثاقلًا في سيره، ربما هي ردة فعل أو هجمة مرتدة تجاه الحقائق، والخصوم التي بدأت تكشر عن أنيابها وأولها هو تأثير «الزمن على قواه الجسدية والعقلية»، وربما «خيبات الأمل والرجاء» ببقاء الأشياء على قوتها إلى ما لانهاية!.

عندما تتساقط أوراق القوة، سيحس الإنسان الضعيف بنوع من الوجف الداخلي، وسيكتشف أشياء كان يسمع عنها منذ زمن، لكنه كان يخالف كل شيء يحدث أمامه، الآن وصل إلى نقطة اللاعودة إلى زمن قد مضى بكل ما فيه، في المرآة هناك شخص آخر يقف بملامح أخرى جديدة، أكثر هدوءًا وأقل ادعاءً.

في هذه المرحلة التي أتحدث عنها، يفهم كل منا تفاصيل «الحياة على حقيقتها» وسندرك سويًا بأنه ليس كل معركة في هذا الوجود تستحق أن نخوض غمارها، وليس كل علاقة عابرة تستحق أن نقاتل من أجلها لنثبت سطوتنا وقوتنا أمام الآخرين، فبعض الهزائم مؤذية، وبعض الانتكاسات قاتلة، لكنها في المقابل تكشف لنا ما كنا نرفض رؤيته.

من أعذب الأقوال حكمة ورصانة وفكرًا هو قول الحسن البصري عندما يقول: «لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدًا وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في جمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم». لا تستغرب كثيرًا من هذا التحليل المظلم، ففي النهاية سيدرك الإنسان كم كان محتاجًا للهدوء النفسي، أما الانتقائية في العلاقات فهي أكثر الأدوات التي نمنح أنفسنا فيها السلامة والاستقرار الداخلي، حين تتضح الرؤية وتخف الضوضاء ويبدأ المعنى الحقيقي للحياة في الظهور.