No Image
بريد القراء

حين يوقظنا الحنين «2»

24 أبريل 2026
24 أبريل 2026

لم تكن أمي تلقي كلماتها جزافًا، ولم تكن فلسفتها وليدة كتب أو تنظير، بل كانت خلاصة عمرٍ عاشت تفاصيله بصدق. كانت تؤمن أن البركة لا تُشترى، وأن الطمأنينة لا تُصنع، بل تكون داخل النفس.

وقفت طويلًا عند عبارتها: «عندما نعد الطعام يجب أن تكون أنفسنا متسامحة محبة»، وأدركت أن الأمر لم يكن متعلقًا بالطعام وحده، بل بكل مناحي الحياة، فكأنها كانت تقول: أعدوا أيامكم كما تعدون طعامكم، بنية طيبة، وقلبٍ خالٍ من الضغينة، وروح تعرف كيف تُعطي دون انتظار. حينها فقط يكون لكل شيء طعم.

تساءلت : كم مرة أعددنا أعمالنا بقلوب مثقلة؟ وكم مرة عشنا أيامنا ونحن نحمل داخلنا ما يُفسد جمالها؟ ربما لهذا نفقد الإحساس بالبركة، ليس لأن الأشياء تغيرت، بل لأن نوايانا اعتراها التبديل والتغير، ولم تعد كما كانت.

لقد سبرت أمي غور المعنى الذي يعجز الكثير منا عن فهمه وسط تعقيدات هذا العصر؛ أن النية ليست أمرًا خفيًا لا أثر له، بل هي روح كل فعل وسر كل جمال.

لقد تجلى لي المعنى العميق من هذا المشهد، وهو أن ما يخرج من القلب يصل إلى القلب.

وتيقنت أن المسألة ليست في فخامة ما نقدم، بل في صدق ما نحمله ونحن نقدمه؛ فقد يكون الطعام بسيطًا لكن أثره عظيم، وقد تكون الكلمات قليلة لكنها صادقة فتغني عن الكثير من الكلام.

رحت أتأمل حياتنا اليومية، فوجدت أننا أصبحنا نهتم بالشكل أكثر من الجوهر، نُتقن العرض ونُهمل المعنى، نُجمّل الأشياء من الخارج بينما نترك الداخل مثقلًا بالتعب والضيق.

فهل فقدنا البساطة؟ أم أننا ابتعدنا عنها بإرادتنا؟ الحقيقة المؤلمة أن البساطة لا ترحل، نحن من نغادرها؛ نغادرها حين نُعقّد ما هو بسيط، وحين نُحمّل الحياة أكثر مما تحتمل، وحين ننسى أن أجمل ما فيها لا يُرى بالعين، بل يُحسّ بالقلب.

ابتسمت وأنا أستعيد وجه أمي وصوتها، وطريقتها في الحديث، وأدركت أن بعض الأشخاص لا يغيبون لأنهم يسكنون في تفاصيلنا، في أفكارنا، في طريقتنا في النظر إلى الأشياء؛ فهم لا يتركون لنا ذكريات فقط، بل يتركون لنا منهج حياة.

ولعل أعظم ما تركته أمي لي ليس كلماتها فحسب، بل تلك القدرة على أن أرى الجمال في أبسط الأشياء، وأن أؤمن أن النية الصافية يمكن أن تُغيّر طعم الحياة كلها.

أغلقت عيني للحظة، ثم فكرت بصوت داخلي مستحضرًا كلمات فريدريك نيتشه: «الإنسان الحديث يعيش صراعًا دائمًا بين ما هو عليه وما كان يمكن أن يكونه». لقد أعادتني بساطة المشهد إلى النسخة الأصلية من نفسي، هذه النسخة التي كانت تستطيع أن ترى الجمال في أبسط الأشياء، أن تحب بلا تعقيد، أن تعيش بلا حسابات ولا تعقيدات.

فتحت عيني، لكن الحنين ظل معي يلازمني، يمنيني بإيجاد طمأنينة صغيرة في وسط هذه الفوضى التي تسيطر على العالم.

الحنين ليس رجوعًا إلى الماضي، بل استدعاء للجوهر، للمساحة النقية التي كلما ابتعدنا عنها أرهقنا الطريق. وما نفتقده ليس زمنًا مضى، بل أنفسنا كما كانت: صافية، خفيفة، قادرة على أن ترى الجمال في أبسط الأشياء، قادرة على استنشاق الطمأنينة في صمت اللحظة، في بساطة الحركة، في دفء اليدين التي تصنع دون أن تطلب الثناء.

حين يوقظنا الحنين لا يعود الماضي مجرد ذكرى، بل يصبح مرآة لكل ما نحتاج أن نستعيده في داخلنا، مرآة نرى فيها وجوهنا كما كانت: بلا تكلف، بلا أقنعة، بلا ذلك الإرهاق الذي أثقل أرواحنا دون أن نشعر.

مرآة نرى فيها قلوبًا كانت أصفى وأخف، وأرواحًا كانت أنقى وأصدق، وأيامًا لم تكن كاملة، لكنها كانت كافية.

الحنين في جوهره ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل لحظة وعي نادرة يعيد فيها الإنسان ترتيب نفسه، ويفرق بين ما كان حقيقيًا وما كان زائفًا.

هو نداء خفي يقول لنا: لا تعودوا إلى الوراء، بل عودوا إلى أنفسكم، استعيدوا تلك القدرة على الفرح بالأشياء الصغيرة، على الصفح دون الحساب، على العطاء دون انتظار، على أن تعيشوا اللحظة لا أن تستهلكوها؛ فالحياة لا تُقاس بعدد ما نملك، بل بعمق ما نشعر به، ولا تُختصر في صخب الأيام، بل في تلك اللحظات التي تشبهنا.

وربما لهذا، حين يمرّ بنا مشهد بسيط أو صوت مألوف أو رائحة قديمة، تهتز في داخلنا أشياء كثيرة؛ لأن أرواحنا تعرف الطريق، حتى وإن تاهت خطواتنا. فلا الماضي يُستعاد كما هو، ولا الحاضر يُفهم كما نظن، لكن بينهما يولد شيء أصدق، وهو نحن.

وحين نصغي جيدًا لذلك النداء الخافت، ندرك أن الحنين لم يكن ألمًا خالصًا، بل يقظة لطيفة تُعيدنا إلى أنفسنا، وتُذكرنا بما يمكن أن نكونه من صفاء وبساطة وصدق.