" زغر".. صُبَّار "ظفار" النادر عالميا
في أحضان محافظة ظفار يلتقي الخريف بالمطر وضباب الصباح، ينمو زغر، أو كما يسميه العلماء Euphorbia momccoyae، الصبَّار الذي لا يشبه أي صبّار آخر على وجه الأرض. إنه نبات الوطن الوحيد من الصباريات المميزة، الذي اختار ظفار ليكون موطنه الأبدي، شامخا متفرعا من القاعدة، يصل ارتفاعه إلى 3 أمتار وبقطر يتجاوز ثلاثة أمتار، ليكون أضخم أنواع الصبَّاريات في الجنوب العماني، وحارسا صامتا لأراضي الخريف وآفاق الرذاذ.
هذا النبات اللبني، شديد الشوكية، يحمل في كل شوكة وساما للطبيعة، ولكنه في الوقت ذاته مصدر عسل فريد. من أزهاره الصفراء العاسلة يصنع النحل أطيب وأجود أنواع العسل، الذي يتداوله أهل ظفار منذ القدم لمنافعه الصحية المتنوعة. ينزف سائلا لبنيا، رغم سميته الشديدة، استُخدِم تقليديا لعلاج بعض الأمراض الجلدية، لتكشف قدرة الطبيعة على تحقيق توازن دقيق بين السم والشفاء.
للإبل نصيب من كرم هذا النبات، ففي أيام الجفاف، تقطع سيقانه وتقدّم كعلف، وهي عملية محلية تسمى “يزيغير هير إيل”، حيث يعتقد أن النبات يطهّر الإبل من السموم ويغيّر بنيتها ولون جلودها، فتحوّل الطبيعة سمها إلى شفاء حتى للماشية.
علماء الكيمياء النباتية والطب في العالم يرون في الفصيلة الفربيونية لوحة طبيعية من المركبات الفريدة، ويتوقعون معجزة مستقبلية قد تتحقق في علاج السرطان وهذا النوع الحصري لم يكتشف بعد لعلم العقاقير الطبية، فقد يصبح هذا النوع رمزا للابتكار الطبي الطبيعي من قلب الطبيعة العمانية.
في سلطنة عمان، ومع اعتزازنا بثروتنا النباتية، يبرز السؤال: هل أجريت الدراسات المحلية الكافية لاستكشاف هذا الكنز البيئي والطبي؟ وهل توفرت الدراسات المخبرية والميدانية لتوثيق فوائد النبات السام وتحويله إلى علاج آمن وفعال؟ إن توثيق زغر ووضعه على خريطة النباتات الفريدة في العالم يعكس أهمية الحفاظ على التراث الطبيعي لظفار، ويؤكد أن لكل نبتة حكاية، ولكل شوكة سرّا قد يغيّر حياة البشر يوما ما.
إن زغر ليس مجرد نبات، بل حكاية وطنية للخلود والابتكار، يجمع بين القسوة اللحمية للشوك، واللطف الدافئ لعسل الزهور، ويختصر رسالة الطبيعة العمانية: أن الأصالة والابتكار يمكن أن يزدهرا في آن واحد، في قلب صبار سام، في أرض تحب الخريف والضباب، وتحتفظ بسحرها في كل قطرة رذاذ.
ظفار بهذا الصبار لا تحتفظ فقط بجمال الطبيعة، بل بفرصة لا تتكرر: أن ترى في نبات سام، الأمل في حياة أكثر صحة وشفاء. وهنا تكمن دعوة لكل العلماء والباحثين لاستكشاف هذا الكنز، وتسجيله، ودراسة كل شوكة وكل قطرة لبن، لأن المستقبل الطبي قد يحمل في قلب زغر وعدا كبيرا للبشرية.
في علم النبات، سجِّل هذا النوع لأول مرة في محافظة ظفار بسلطنة عمان بوصفه نوعا نادرا وحصريّ التوثيق داخل حدود سلطنة عمان حتى الآن، وتشير المعطيات النباتية الإقليمية إلى أنه قد يمتد خارج نطاق عمان ليظهر في جنوب شرق اليمن، موزعا على امتداد السلاسل الجبلية لهذه المنطقة الحيوية الاستثنائية، التي تمتاز بخصائص شبه استوائية فريدة، وتشكلت عبر ملايين السنين في أقصى جنوب الجزيرة العربية، ما يجعلها أحد أهم المراكز النباتية ذات التنوع والخصوصية البيئية العالية في الإقليم.
يهمني في هذا المقال كذلك وصف النبات كما أشاهده في أحضان الطبيعة، فهو شجيرة لبنية، شوكية، معمرة، تنشأ من جذع قاعدي أرضي تتفرع منه السيقان في هيئة شبه وردية، مشكلة كتلة نباتية واضحة، تمتد السيقان قائمة إلى مقوسة قليلا، ويبلغ طولها ما بين 1–2 متر، وهي سميكة ليفية متضخمة، ذات لون أخضر داكن يميل أحيانا إلى الرمادي.
وتتميز السيقان بأنها خماسية الأضلاع بشكل ثابت، حيث يحمل كل ساق خمسة أضلاع طولية واضحة تمتد بطول الساق، وتكون الأضلاع في النموات الحديثة شبه مستقيمة، ثم تصبح مقوسة للداخل مع التقدم في العمر، تنشأ الأشواك بانتظام على طول الأضلاع الخمسة من غدد عصارية واضحة، بحيث تحمل أشواكا مزدوجة حادة وقوية وبارزة، وتؤدي هذه الأشواك دورا في الحماية، إضافة إلى ما يلاحظ من مساهمتها في امتصاص الرطوبة الجوية وتثبيت الطبقة الهوائية الدقيقة حول سطح النبات.
النبات عديم الأوراق، إذ تختزل الأوراق كليا، وتقوم الأضلاع المتضخمة بوظيفتها الحيوية في التمثيل والتكيف مع الجفاف، وعند قمم الأفرع، تبدأ التفاصيل الدقيقة التي لا ترى إلا لمن يتأمل، حيث تتجمع النورات في وحدات صغيرة، تحمل تراكيب زهرية دقيقة (سياثيوم) هو نوع خاص وفريد من النورات الزهرية (تجمع الأزهار)، يتميز بغلاف يشبه الكأس يحتوي على غدد تفرز الرحيق، ويضم زهرة أنثوية واحدة مركزية مختزلة إلى مدقة، محاطة بعدة أزهار ذكرية مختزلة إلى أسدية، وهو شائع في نباتات الفصيلة اللبنية (Euphorbia)، ويغلب عليها اللون الأصفر المخضر، وتحيط بها قنابات واضحة، في تناسق لوني هادئ لكنه دقيق البنية، هذه التراكيب ليست أزهارا مفردة بالمعنى التقليدي، بل وحدات زهرية مختزلة تضم العناصر الذكرية والأنثوية في تركيب واحد، وتظهر في تموضع قمِّي على الأضلاع، وتعد جاذبة للحشرات، خاصة النحل الذي يزورها بشكل ملحوظ.
وتتحول هذه التراكيب الزهرية لاحقا إلى ثمار علبية ثلاثية الفصوص، شبه كروية، مقسمة إلى أخاديد طولية واضحة تعطيها مظهرا مضلعا مقوسا متقنا، يتدرج لونها من الأخضر المصفر إلى الأصفر الذهبي، ثم تتوشح بخطوط قرمزية داكنة تمتد على طول الفصوص، والثمار ذات لون أصفر مائل إلى الذهبي، تتخلله ستة خطوط طولية واضحة بلون أرجوانيّ مائل إلى الأحمر، تمتدّ من القمة إلى القاعدة بشكل منتظم، بحيث تفصل بين هذه الخطوط مساحات صفراء تبرز التباين اللوني الجذّاب للثمرة. وكأنها حبيبات مزخرفة صاغتها الطبيعة بعناية، سطحها أملس دقيق الحبيبات، يحيط بقاعدتها كأس مستديم بني ذو مظهر زغبي، وتظهر أحيانا قطرات من اللاتكس الأبيض.
ينتشر النبات غالبا على المنحدرات الصخرية في المناطق شبه الجافة المتأثرة بالأمطار الموسمية، كما يلاحظ وجوده أحيانا على حواف الصخور في بعض المناطق المشجرة على أطراف الأودية والمنحدرات الصخرية، ويبدو أنه متأقلم مع بيئات متعددة ضمن نطاق سلسلة جبال ظفار، ويسهم هذا النبات في تشكيل الغطاء النباتي في بيئته الطبيعية، خاصة في المنحدرات الصخرية، حيث يشكل تجمعاته العصارية جزءا من البنية النباتية المميزة للبيئات الجافة وشبه الجافة، ويسهم في تثبيت التربة الصخرية وتقليل تعريتها في تلك المناطق.
وفي سياق العلاقة بين الإنسان وهذا النبات، فقد استخدمت عصارته اللبنية، رغم خطورتها، في ممارسات تقليدية، خصوصا في معالجة بعض الأمراض الجلدية، مع التأكيد على ضرورة توخي الحذر الشديد عند التعامل معها، وخصوصا تجنّب ملامسة العين، إذ إنّ لبن النبات شديد التهيّج، وقد يسبّب إحساسا حارقا قويا في الجلد والأغشية الحسّاسة.
كما تقطع ألواح النبات الخضراء وتعطى للإبل في أوقات شح المراعي، ويعرف هذا العلف محليا باسم "يزغير"، نسبة إلى الاسم المحلي للنبات (زغر)، حيث يهيأ بطريقة تقليدية ليكون موردا غذائيا في البيئات التي يقل فيها العلف، أما الماعز، فلا تقبل عليه إلا في حالات الجوع الشديد، وغالبا ما تقتصر على الرؤوس المزهرة دون غيرها. يعكس هذا البناء المورفولوجي تكيفا عاليا مع البيئات الجافة والصخرية، من خلال اختزال الأوراق، وتضخم السيقان العصارية، والتنظيم الخماسي للأضلاع، والبنية الغدية المنتظمة للأشواك، إضافة إلى البنية الزهرية المختزلة المميزة لهذا الجنس.
