خطأ دعاة الحرب الفادح في فهم التاريخ

20 أبريل 2026
ترجمة: أحمد شافعي
20 أبريل 2026

يستعمل أعضاء إدارة ترامب منذ بعض الوقت ما في نفوسهم من المؤرخ اليوناني العظيم ثيوكيديدس، فيعيدون صياغة أقواله عن الحقائق القاسية المتعلقة بالسلطة في عالم تحكمه الدول وفقا لمصالحها الخاصة.

في يناير وصف الرئيس التدخل العسكري المنفرد الذي انتهى إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه مثال «للقوانين الحديدية المحددة أبدا للقوة العالمية». وفي مواجهة الاعتراضات على عملية البيت الأبيض تلك، عمد كبير المستشارين السياسيين في البيت الأبيض ستيفن ميلر إلى الاستهزاء بجيك تاير عبر شبكة (سي إن إن) لسذاجته في ما يتعلق بـ«اللطائف الدولية» من قبيل ميثاق الأمم المتحدة، قائلا «إننا نعيش في عالم، عالم حقيقي، يا جيك، عالم تحكمه القوة، ويحكمه البأس، وتحكمه السلطة».

وجاءت حرب إيران فما زادت تلك النزعات العميقة إلا رسوخا؛ ففي السابع من أبريل حذر الرئيس ترامب النظام الإيراني الحاكم داعيا إياه إلى الرضوخ للبأس الأمريكي، وإلا فإن «حضارة سوف تفنى الليلة عن بكرة أبيها».

تلك الإشارات إلى حقائق سياسات القوة غالبا ما تستلهم المؤرخ ثيوكيديدس الذي لا يزال كتابه «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» نصا تأسيسيا للقائلين بالواقعية في السياسة الخارجية. فغالبا ما يرجع صناع السياسة والمحللون إلى هذا السفر لتفسير حتمية التنافس بين القوة العظمى ولتبرير الهيمنة على الضعفاء.

ولكنهم في تحليلهم لا يطرحون قراءة متأنية، بل إنهم كثيرا ما يتجاهلون في قراءتهم الدروس العميقة واجبة الاستخلاص من المؤرخ الإغريقي في ما يتعلق بأخطار إعمال القوة دونما حدود أو شرعية.

أشهر النوادر في كتاب ثيوكيديديس هي (محاورة ميلوس)، وفيها يسلم وفد من أثينا إنذارا إلى جزر ميلوس: إما الاستسلام لسلطة أثينا العليا واتباعها في حربها على إسبرطة، أو الخراب. وناشد أهل ميلوس الوفد بأن يبقوا على الحياد فقوبل طلبهم بالرفض. وقال وفد أثينا «إنكم على علم كما أننا على علم بأن الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، وأن الضعفاء يحتملون من المعاناة قدر طاقتهم».

وغُلب أهل ميلوس على أمرهم، فلقي الرجال منهم حتفهم، وبيعت النساء والأطفال بيع الإماء والعبيد.

اعتنقت إدارة ترامب الثانية منطق محاورة ميلوس هذا في حماس بالغ. فظهرت أصداؤها في إعلان الرئيس السافر للرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي بأن «الأوراق ليست في يدك» وتكشيره عن أنيابه للدنمارك كي تتنازل عن السيطرة على جرينلاند، وفرضه المنفرد لرسوم جمركية على بلاد أصغر، وتهديداته بـ«أخذ» كوبا وقتما تشاء الولايات المتحدة، ومطالبته حلفاءه في الناتو ـ الذين لم يستشرهم قبل حرب إيران ـ بالمساعدة في فتح مضيق هرمز.

وهذه أفعال تليق بقوة عظمى مارقة تخلت عن أي مظهر للقيادة المستنيرة وأي مطامح إلى الشرعية مستبدلة بذلك كله الهيمنة العالمية المحضة.

وهذا الاستئساد الدائم من إدارة ترامب يغفل عن درس مركزي يعلمه لنا التاريخ القديم، وهو أن أثينا بتحولها عن السيطرة الخيّرة إلى الإمبراطورية الكريهة مهدت الطريق لخرابها.

فمنذ القرن السابع قبل الميلاد وما أعقبه، اعترفت الدول-المدن الإغريقية بإحداها قائدة طبيعية عليها، لما لها من مكانة مرموقة وحقوق خاصة نظرا لإسهامها الذي لا نظير له في الدفاع الجماعي. وأطلقوا على هذه القوة اسم «المهيمنة» [hegemon]. غير أن زعامتها هذه كانت كثيرا ما تقابل تحديات أشهرها الحرب البيلوبونيسية التي وضعت أثينا في مواجهة إسبرطة، وفي نهاية المطاف انهزمت أثينا.

ولقد اشتهر عن ثيوكيديديس قوله إن «ما يجعل الحرب حتمية هو ازدياد أثينا قوة وما أثاره ذلك من خوف في إسبرطة». ففهم كثير من الباحثين المعاصرين هذا القول باعتباره تفسيرا دقيقا لحتمية حرب القوى العظمى. فقيل لنا إن الولايات المتحدة والصين ـ شأن أثينا وإسبرطة ـ يوشكان على الوقوع في «الفخ الثيوكيديديسي».

ولكن للحرب ـ مثلما أوضح المؤرخ الإغريقي نفسه ـ أسبابا أعمق. فالذي جعل تنامي قوة أثينا مثيرا للقلق هو انتهاكها للأعراف الهيلينية بسعيها إلى تحويل قيادتها القائمة على التراضي إلى إمبراطورية قاهرة. وخلال جدال أهل إسبرطة حول دخول الحرب، برر وفد أثيني زائر منحى أثينا الإمبريالي بقوله: «لم نكن نحن من ضربنا المثال، بل لقد كان القانون دائما هو أن يخضع الضعفاء للأقوياء». فارتد السهم عليهم، وثبتت لأهل إسبرطة شكوكهم في نوايا أثينا الإمبريالية فأقروا ومعهم حلفاؤهم إعلان الحرب.

أي أن ما جعل الحرب حتما مقضيا لم يكن محض وجود قوى عظمى متنافسة، وإنما أن إحدى هذه القوى كانت تنتهك قواعد النظام الذي أتاح لها الصعود إلى مراتب العظمة في المقام الأول.

وغواية استغلال الهيمنة دافع متكرر في التاريخ، وقد استسلمت لها أمريكا في عهد ترامب. فقد ضجرت الولايات المتحدة من احتمال الأعباء من أجل المصلحة العامة، فهي الآن تستفيد من هيمنتها الجذرية وتسيء استغلالها لتحقيق أقصى الكسب، فتنتزع المكاسب انتزاعا حتى من أقرب شركائها. وكما في عهد ثيوكيديدس، يعد هذا النهج بمكاسب قريبة الأجل وكارثة في المدى البعيد.

تكمن عبقرية السياسة الخارجية الأمريكية في ما بعد حرب 1945 في وضعها القوة الأمريكية الرهيبة داخل إطار المؤسسات والقانون الدوليين الذي تستطيع جميع الدول، كبيرتها وصغيرتها، أن تسهم فيه وتنتفع منه. وكان ذلك بعيدا بالطبع عن الكمال، فتوازت معه حالات كثيرة من التدخلات الإمبريالية. ولكن الاستراتيجية إجمالا آتت ثمارها للولايات المتحدة. فخففت من وقع الهيمنة الأمريكية، وأضفت الشرعية على القوة الأمريكية وأرست نظاما يتوافق بصفة عامة مع المصالح الأمريكية.

ولكن كل هذه المزايا باتت متروكة الآن. فالإدارة الأمريكية تدمر كل ما بقي من إيمان بإمكانية الوثوق في أن تمارس الولايات المتحدة سلطتها ممارسة مسؤولة. كما أنها تمحو أي تفرقة بين استعمال أمريكا للقوة والسلوك الروسي في أوكرانيا أو الصيني في بحر الصين الجنوبي أو (المحتمل) في تايوان.

والقادة في نهاية المطاف بحاجة إلى تابعين. وقد يصر الرئيس ترامب ـ مثلما فعل في صراع إيران ـ على رأيه: «نحن لسنا بحاجة إلى مساعدة أحد».

لكن إذا ما بقيت الولايات المتحدة على هذا المنوال، فسوف تجد نفسها بلا حلفاء أو أصدقاء، قوة عظمى وحيدة في نظام دولي بلا قانون هي التي أسهمت في إيجاده. ولم يفت الأوان كثيرا للانقلاب على هذا المسار، والبداية هي القراءة المتأنية لثيوكيديديس.

ستيوارت باتريك مدير برنامج النظام العالمي والمؤسسات في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي. الترجمة عن ذي نيويورك تايمز