رقميّة القتل وأمان القتلى
19 أبريل 2026
19 أبريل 2026
عالم مليء بالعنف واقعيًا وافتراضيًا لا يمكن لأطفاله ومراهقيه النجاة من آثار العنف سببًا أو نتيجة إذا أسلموا للإهمال الحقيقي، أو المُقنّع وهو الأخطر، تحت دعوى الترف، لاسيما إذا توافق الإهمال واطمئنان الأهل لحالة الهدوء الخادعة مع استغراق الأبناء في عالم الألعاب الرقمية المغذية للعنف والعدائية والأفكار المتطرفة، إما عبر الاستثارة بالتحديات أو عبر التوجيه بعد الإدمان ابتزازًا وتحكمًا.
تتكرر قصص وقوع الأطفال في شرك هذه الألعاب مع معاناة صامتة من فراغ عاطفي، وانشغال أسري عن الإصغاء إليهم وفهم احتياجاتهم ومشاعرهم وانفعالاتهم وأفكارهم مهما بدت بسيطة أو حتى ساذجة، مع تأكيد أن تحمل كل ذلك وتفهمه لن يكلف الأهل ما قد يكلفهم إياه جنوح أطفالهم إلى العنف والقتل بدم بارد للنفس أو الغير.
ضمن هذا السياق تعيش تركيا اليوم صدمة مجتمعية سببها عنف المراهقين في المدارس حيث تتابعت حادثتان خلال يومين في موقعين مختلفين يربط بينهما الكثير؛ في الحادثة الأولى أصيب 16 شخصًا، بينهم أربعة معلمين وعشرة طلاب وشرطي إضافة إلى عامل في مقصف المدرسة في هجوم مسلح استهدف مدرسة في قضاء سيفراك بولاية شانلي أورفا جنوب شرق تركيا، منفذ الهجوم طالب سابق في المدرسة من مواليد عام 2007م، أقدم على الانتحار بعد محاصرته من قبل الشرطة، وفق ما أعلنته السلطات المحلية، وفي الحادثة الثانية التي تلتها بساعات لقي تسعة أشخاص على الأقل(بينهم ثمانية أطفال ومعلمة) مصرعهم وجرح آخرون الأربعاء، في إطلاق نار داخل مدرسة ابتدائية في كهرمان مرعش بجنوب تركيا، هذه الحادثة المأساوية نفذها مراهق في الرابعة عشرة من عمره يدعى «عيسى»، حيث استغل عمل والده في سلك الشرطة للوصول إلى أسلحة وذخيرة، متوجها إلى مدرسته في رحلة دموية ليطلق النار عشوائيا على زملائه داخل فصلين دراسيين ثم ينتحر أو يُقتل( لمّا يتأكد الخبر بعد).
تتابعُ الحادثتين وتشابُه معطياتهما دفع سلطات التحقيق للبحث عن خيوط مشتركة بين الجريمتين، وقد كشفت التحريات الأولية عن مشتركات تتمثل في إدمان الطالبين على لعبة «بابجي»، مع ملاحظة أن أحد المنفذين كان يرتدي سماعات الأذن أثناء ارتكاب جريمته (وكأنه يتلقى تعليمات من جهة ما، أو تشويش على أصوات الضحايا بصوت يدفعه للتنفيذ وحسب)، ورغم أن الدوافع الحقيقية لا تزال طي الكتمان، إلا أن هناك تكهنات تشير إلى احتمالية تورطهما في تحديات خطيرة عبر الإنترنت أو محتوى مشبوه من «الشبكة المظلمة» Dark Web، لكن الأخطر من كل هذه التفاصيل المرعبة هو ما يمكن أن يكون سببا حقيقيا للقلق مستقبلا وهو ما كشفت عنه تفاصيل التحقيق، حيث كان عيسى يخطط لتنفيذ «هجوم كبير»، وأنه «أثناء فحص المواد الرقمية» تم العثور على وثيقة مؤرخة في 11 أبريل 2026 على جهازه الرقمي، تشير إلى عزمه تنفيذ عملية كبيرة في المستقبل القريب» وأفادت الشرطة بأن المهاجم نشر على حسابه في تطبيق «واتساب» صورة للأمريكي إليوت رودجر، منفّذ إحدى أشهر عمليات القتل الجماعي في الولايات المتحدة عام 2014، في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا حيث قتل سبعة طلاب قبل انتحاره، مما يشير إلى إعجاب هؤلاء المراهقين بعنف سابق واتخاذه نموذجا لما قد يقومون به في دائرتهم المجتمعية.
ورغم بشاعة تصديق تفريخ العنف بهذا الشكل التتابعي عوضا عن تجنبه نظرا لمآلاته، إلا أن الأبشع منه ما تبدى في المجتمع التركي من ردود فعل على هاتين الحادثتين، حيث أوقفت الشرطة عشرات الأشخاص مشيرة في بيانها إن الموقوفين والمتهمين «شاركوا منشورات وأنشطة تمجّد الجريمة والمجرمين وتؤثر سلبًا على النظام العام»!!
كما تم حظر الوصول إلى 940 حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وإغلاق 93 مجموعة على تطبيق «تلغرام»، فلا أعجب من كل هذا العنف -المتسبب بمأساة إنسانية متمثلة في فقدان أرواح بريئة، وفقدان الشعور بالأمان في مؤسسة معنية به معرفة وشعورا- إلا تعاطف أي مخلوق كان مع القتل وتمجيد القتلة.
ختاما: جرس إنذار آخر لأولياء الأمور، والحكومات والمؤسسات المعنية بالفكر والتعليم إلى تشديد الرقابة على عالم الأجهزة الذكية والألعاب الرقمية، مع كل ما قد تتضمنه من تواصل مع الغرباء وهدم منظومة المجتمع قيميا وفكريا، رهانات الأمس لم تعد صالحة اليوم، فالتربية لم تعد أمرا هينا نطمئن معه إلى توفير الخدمات الأساسية للأطفال وحسب، تربية اليوم تتمثل حوارا دائما متصلا لمتابعة وفهم كل ما يدور حول الأبناء ومعهم، كل ما يحلمون أو يفكرون به، واحتواء كل ما قد يشعرون به من ثقة عمياء، أو إهمال مدمر، حينها نأمن بهم ومعهم في دوائر أسرية قادرة على احتواء أي انفعالات مكبوتة متراكمة قبل انفجارها، تشتيت كل طاقة سلبية قبل تمكنها، وتوجيه كل فكرة متطرفة قبل تشكلها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
