يستحق قرار تأسيس البنك الأفريقي العُماني في لواندا قراءة أعمق بكثير من القراءة التي تنحو منحى ماليا بحتا. فقد قدّم البنك نفسه بوصفه منصة للخدمات المصرفية للشركات والاستثمار، وتمويل التجارة، مع تركيز على الشركات العاملة بين أنجولا والخليج والأسواق المحيطة.
وجرى تقديم الخطوة في سلطنة عُمان في سياق الطموح الخارجي الذي تنشده «رؤية عُمان 2040». وعند جمع هذين البعدين معا، تتكشف دلالة أوسع من مجرد إنشاء مؤسسة جديدة في عنوان جديد. نحن أمام إرادة حقيقية لتحويل الدبلوماسية الاقتصادية إلى حضور اقتصادي راسخ.
ومن هنا تكتسب التوقيتات أهميتها؛ فالإعلان عن لواندا لم يأت في سياق منقطع عن تحولات العقل الاستثماري العماني. قبل أيام، عززت سلطنة عُمان انخراطها الاقتصادي مع بوتسوانا عبر اتفاقيات في استكشاف المعادن، وبنية تخزين النفط، ومشروع للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميغاواط.
وتسلسل هذه الخطوات لافت في دلالته. فالدول تستطيع توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم، غير أن الاختبار الأصعب يكمن في بناء الآليات التي تتيح لرؤوس الأموال والمشروعات والعلاقات التجارية أن تعبر الحدود بثقة واستمرار. والبنك، بهذا المعنى، جزء من البنية التي تجعل الحركة الاقتصادية ممكنة.
وتدخل عُمان إلى أفريقيا وهي تستند إلى ميزة تاريخية نادرة. فعلاقتها بشرق أفريقيا تمتد إلى عدة قرون في التاريخ. ففي القرن التاسع عشر جعل السلطان سعيد بن سلطان من زنجبار مركز القوة الرئيس في شرق أفريقيا، والعاصمة التجارية للمحيط الهندي الغربي. ولهذا التاريخ وزنه حين يخلّف وراءه ألفة متراكمة وذاكرة طويلة من التبادل. وعندئذ تبدو الاستثمارات الجديدة امتدادا لجغرافيا مألوفة، ورهانا على ثقة لها رصيدها في الوعي التاريخي.
ومع ذلك، لا يكتسب التاريخ قيمته إلا حين يُترجم إلى كفاءة حاضرة. فهو لا يعوض عن الانضباط الائتماني، ولا عن الإلمام بالتنظيمات، ولا عن العمق التشغيلي. أنجولا سوق مهمة، لكنها سوق كثيرة التعقيد أيضا، ولهذا فإن أي مشروع عُماني جاد في أفريقيا يحتاج إلى حوكمة منضبطة، وخبرات نوعية، ومعايير تقيس النجاح بنتائجه التجارية الفعلية، لا بجاذبية الروابط الموروثة وحدها.
لكن المنطق الاستراتيجي لهذا التوجه يبدو متماسكا. فالتنويع يُناقش في الخليج غالبا بوصفه مسألة داخلية: تقليص الاعتماد على النفط، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وبناء الخدمات اللوجستية، وتطوير السياحة. وهذه نصف الصورة فقط. فالتنويع يحتاج أيضا إلى امتداد خارجي.
يحتاج إلى قنوات تتيح للشركات الوطنية تمويل التجارة، ودعم المشروعات، ودخول أسواق جديدة من دون اعتماد كامل على وسطاء من الخارج. ومن هذه الزاوية تبرز أهمية البنك الأفريقي العُماني، لأنه يتحدث بلغة القدرة المترسخة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد وجود عُماني في أفريقيا، وإنما بامتلاك أداة تسمح لعُمان بأن تعمل هناك بفاعلية واستمرار.
وثمة بعد آخر أكثر دقة في هذا المسار. فعُمان تتجه إلى أفريقيا برصيد من الموثوقية والاتزان في علاقاتها الخارجية. وهذه السمات مهمة في قارة أصبحت حكوماتها أكثر انتقائية في التعامل مع القوى الخارجية، وأقل صبرا على اللغة الكبيرة التي لا تسندها نتائج عملية.
وإذا نجحت سلطنة عُمان في الجمع بين رصيد الثقة التاريخية ومؤسسات كفؤة، فإنها تكون قد عثرت على صيغة أشد إقناعا من العاطفة، وأكثر بقاء من الاحتفال الرمزي.
وهنا تتضح الدلالة الحقيقية لخطوة لواندا؛ فعُمان لا تستحضر ماضيها الأفريقي على سبيل التذكير الرمزي، وإنما تختبر قدرة ذلك الماضي على التحول إلى فاعلية معاصرة. كثير من الدول تملك ذاكرة.
عدد أقل منها ينجح في بناء مؤسسات تنطلق من تلك الذاكرة. وفي المرحلة المقبلة من التنافس الاقتصادي، سيكون النفوذ من نصيب من ينجح في إنشاء البنية المالية القادرة على تجديد الروابط القديمة وإعطائها معنى جديدا. وفي لواندا، تبدو عُمان وكأنها تحاول أن تبني على هذا الإدراك أداة فعل تتجاوز العناوين.
في اللحظات التي يعتري فيها الناس الخطر لا يسألون عن عدد الآليات أو اتساع الهيكل الإداري، في تلك اللحظة بالذات يكون السؤال متى تصل الإسعاف في الوقت المناسب؟ ووراء هذه الإجابة سنوات طويلة من الاستعداد والعمل والتطوير. ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، بدأت خدمات الإطفاء في مسقط بمركبة لاندروفر واحدة...
تمثل زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، بدعوة من جلالة الملك تشارلز الثالث، محطة مهمة في مسيرة العلاقات العُمانية البريطانية، وتعبيرا عن المكانة التي تحظى بها هذه العلاقات لدى قيادتي البلدين. وتأتي الزيارة مستندة إلى تاريخ طويل من...
فـي مطلع أكتوبر وصلت الاعتداءات على المملكة العربية السعودية إلى مطار الرياض، وكانت هجمات أخرى قد طالت هذا العام منشآت حيوية في الخليج. وتضع هذه الأحداث المنطقة أمام مسؤولية حماية المدنيين ووقف الاعتداءات ومراجعة شروط الاستقرار الذي بنت عليه هذه الدول مستقبلها. وتهتز الثقة اليوم في ثلاثة اتجاهات معا، هي...
ثمانية أشهر تقريبًا والمنطقة تعدّ جولات الحرب، وتتابع رسائل الوسطاء فيما يدور جدل لا يهدأ حول من فقد أوراقه ومن ما زال يملكها. وستظل دول المنطقة متجاورة بعد أن تتوقف الحرب تعيش مع النتائج التي تصنعها اليوم.وهذا الجوار يستحق أن يدخل في حساب كل مكسب يُنتزع، وكل خسارة تُفرض على...
بدأت أمس أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى المملكة المتحدة منذ 1982، جاءت والإقليم مثقل بالحرب ومثخن بالجراح بعد أن تكسرت النصال على النصال، وتمتد الزيارة إلى يوم غد الخميس وتتضمن حوارات استراتيجية وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم. أما الخلاصة الراسخة للزيارة فتلك التي ستبقى بعد أن تنتهي المراسم البروتوكولية التي...
يختتم جلالة السلطان اليوم زيارة دولة للمملكة المتحدة بعد أيام احتفت فيها بريطانيا بضيفها الكبير وأطلقت المدفعية طلقاتها تحية له، وسار جلالته في موكب العربات في شوارع وندسور باتجاه قلعتها العريقة قبل أن يحتفي به الملك والملكة في مأدبة عشاء في قاعة القديس جورج.ورحب الملك بجلالة السلطان باللغة العربية واستحضر...