No Image
رأي عُمان

العقل في حسابات القوة

19 أكتوبر 2026
19 أكتوبر 2026

ثمانية أشهر تقريبًا والمنطقة تعدّ جولات الحرب، وتتابع رسائل الوسطاء فيما يدور جدل لا يهدأ حول من فقد أوراقه ومن ما زال يملكها. وستظل دول المنطقة متجاورة بعد أن تتوقف الحرب تعيش مع النتائج التي تصنعها اليوم.

وهذا الجوار يستحق أن يدخل في حساب كل مكسب يُنتزع، وكل خسارة تُفرض على الخصوم. قد تنسحب القوى الخارجية من المواجهة، وتبقى شعوب المنطقة أمام ما خلّفته تعيد بناء مدنها، وتحاول أن تجد سبيلًا للعيش مع جيرانها.

وأخطر ما في هذه الحسابات أنها تعدّ إضعاف الخصم مكسبا خالصا. قد ينجح طرف في كسر خصمه، ثم يقضي سنوات يحمي نفسه من الفوضى إذا امتد الانهيار إلى مؤسسات الدولة.

والتعامل مع دولة قادرة على ضبط أراضيها -مهما اشتدت الخلافات معها- يتيح التفاوض مع سلطة يمكن مطالبتها بالوفاء بالتزاماتها، وحين تتفكك المؤسسات ويتسع نفوذ الجماعات المسلحة يصبح الاتفاق مع إحداها عاجزًا عن إلزام سواها، وعندها يجد الجوار نفسه أمام أخطار متعددة، ويضطر إلى إنفاق موارده لاحتوائها. وهكذا قد يتحول ما بدا نصرا في لحظة المواجهة إلى عبء طويل على من حققه، وعلى شعوب لم تكن طرفا في الصراع أصلًا.

وفي مناخ كهذا يستحوذ الخوف على القرار؛ فقد يتخذ طرف إجراءات يراها ضرورية لأمنه، ويقرأها الطرف المقابل استعدادا للمواجهة، فيرد عليها بما يزيد التوتر. وقد تنتهي هذه الحسابات إلى وضع أشد خطرا على الجميع بما يستدعي مراجعة الافتراض بأن مزيدا من القوة يجلب بالضرورة مزيدا من الأمان.

وللقائلين بأولوية القوة حجة لا تُنكر؛ فالدولة العاجزة عن حماية نفسها تُغري الآخرين بها، والردع حقيقة عرفتها السياسة منذ عرفت الحرب.

ولكل دولة حق الدفاع عن أرضها وحماية مواطنيها، ومن واجبها أن توقف الاعتداء عليها، لكن هذا الحق يحمل معه سؤالًا لا يقل عنه إلحاحا: ماذا بعد؟ ما الذي يحمل الأطراف على احترام الاتفاق؟ ومن يضمن تنفيذه؟ وأي مظالم سيتركها معلّقة لتعود في جولة قادمة؟ مكان هذه الأسئلة لحظة القرار نفسها، وتأجيلها إلى ما بعد الحسم العسكري يجعل الإجابة عنها أعسر، فحينها تكون العداوات قد تعمّقت، والقادرون على التفاوض فقدوا كثيرا من نفوذهم. والقوة التي لا تعرف ماذا تريد بعد أن تنتصر تخطئ في حساب القوة نفسها.

وتستحق الوساطات القائمة -وفي مقدمتها الجهود العربية- أن تُمنح مجالًا للعمل قبل أن تضيق الخيارات أكثر؛ فالقنوات المفتوحة تتيح اختبار المقترحات قبل إعلانها، وتصحيح تقديرات قد تُبنى عليها قرارات خطرة.

وهي تمنح الأطراف أكثر ما تحتاجه في هذه المرحلة: أن تراجع مواقفها دون أن تتحول كل مراجعة إلى معركة على الهيبة. ولكي تنجح الوساطة تحتاج إلى سند سياسي يحفظ الحقوق، ويربط الالتزامات بضمانات واضحة، وإلى ثقة المتضررين بأنها ستعترف بما وقع عليهم، وتحميهم من تكراره.

وتصعب مراجعة الموقف حين ترتبط به وعود كبيرة، ويصبح التمسك به عنوانا للثبات.

ومع امتداد الحرب يكون على أصحاب القرار أن ينظروا فيما تحقق من أهدافها، وفي الكلفة التي بات استمرارها يفرضها على الناس: هل أصبحوا أكثر أمنا؟ وهل تستطيع الدولة أن تواصل سياستها دون استنزاف ما تحتاجه مدارسها ومستشفياتها وفرص العمل لشبابها؟ للمقدرات التي تُستهلك في الصراع استخدامات ينتظرها المواطنون لحاضرهم ومستقبلهم، وللسنوات التي تضيع أثر لا يُعوّض في أعمارهم.

تحتاج المنطقة إلى أن تُدخل هذا الزمن الإنساني في حساباتها؛ ففي ثمانية أشهر يتعلم طفل القراءة أو يفوته أن يتعلمها، وفيها تنفق أسرة ما ادخرته سنوات وهي تنتظر تسوية تقترب ثم تبتعد.

هؤلاء أصحاب المستقبل الذي يُصنع اليوم باسمهم، ومن أجلهم ينبغي أن يُقاس نجاح السياسة بما تحفظه لهم من أمن وفرص لحياة أفضل؛ فالحروب تُحسب في غرف القرار بالأيام والجولات، ويعيشها الناس بأعمارهم.