No Image
عُمان الاقتصادي

الشكل الجديد للحروب الاقتصادية الأمريكية

15 أبريل 2026
15 أبريل 2026

بيتر إي. هاريل / ترجمة: فاخرة الراشدي -

يمثل قرار الرئيس دونالد ترامب ببدء مصادرة ناقلات النفط الفنزويلية تحولًا مهمًا في السياسة الاقتصادية الأمريكية في أواخر العام الماضي. فعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن، رسمت واشنطن خطًا فاصلًا واضحًا بين استخدامها للأدوات الاقتصادية وعلى رأسها العقوبات وضوابط التصدير وبين استخدامها للقدرات العسكرية. فالعقوبات، كتلك المفروضة على النفط الفنزويلي منذ عام 2019، تمارس ضغوطًا اقتصادية على الخصوم دون تجاوز الخط الفاصل نحو الصراع المسلح، أما الحصار البحري واحتجاز السفن، يعدان من الإجراءات العسكرية التي تلجأ إليها الحكومة الأمريكية في سياق النزاعات المسلحة.

لكن في ديسمبر، أعلن ترامب فرض حصار كامل وشامل على ناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات، وقد أقدمت البحرية الأمريكية على احتجاز ما لا يقل عن عشر ناقلات نفط مرتبطة بفنزويلا. كما أنه هدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تصدر النفط إلى كوبا، في خطوة يبدو أنه يعززها سرًا عن طريق خفر السواحل، الذي بدوره اعترض سفينة واحدة على الأقل كانت متجهة إلى الجزيرة. ويحذو حلفاء الولايات المتحدة حذو ترامب؛ حيث احتجزت الهند عدة ناقلات نفط إيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية في فبراير، ومن جهة أخرى احتجزت فرنسا سفينة روسية خاضعة للعقوبات في يناير وأخرى في وقت سابق خلال هذا الشهر.

كونه أداة من أدوات السياسة الدولية، قد يسهم هذا النهج في استعادة فاعلية العقوبات الأمريكية وعقوبات حلفائها، بعد أن تراجع تأثيرها في السنوات الأخيرة، غير أن هذا التحول لا يخلو من المخاطر، إذ أنه قد يفتح بابًا للدول الأخرى لاعتماد النهج ذاته والرد بالمثل. وإذا كانت واشنطن ماضية في تدشين مرحلة جديدة من الحرب الاقتصادية الهجينة، فهي بحاجة إلى بلورة عقيدة واضحة تحدد بدقة متى وكيف تستخدم هذه العقوبات، إلى جانب توضيح الأساس القانوني الذي تستند عليه هذه الإجراءات. أما إذا استمر غياب الوضوح فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام موجة من الردود الانتقامية، الاقتصادية أو السيبرانية، أو العسكرية ربما، ووضعها تحت تهديد الخصوم على استيلاء ممتلكاتها وحلفائها، حتى خارج نطاق النزاعات المسلحة.

أكل عليه الدهر وشرب

لجوء ترامب إلى الحرب الاقتصادية الهجينة ليس خيارًا بقدر ما هو ضرورة إذا ما أراد الحفاظ على قدرة واشنطن على ممارسة ضغط اقتصادي على خصومها من الدول المصدرة للنفط، ففي الأسابيع الأخيرة، خففت الولايات المتحدة من العقوبات المفروضة على النفط الروسي والإيراني مؤقتًا، عقب إغلاق الأخيرة مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالميًا، ومع ذلك، معظم النفط الروسي والإيراني كان متاحًا في الأسواق رغم العقوبات. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تراجعت فاعلية العقوبات الأمريكية، لا سيما في خفض حجم صادرات النفط من الدول المستهدفة. فقد أصبحت العقوبات أداة أساسية لصناع السياسة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر؛ حيث أثبتت في البداية نجاحًا كبيرًا في منع الخصوم من الربح من مبيعات النفط. فقد أدت العقوبات الأمريكية المفروضة على تجارة النفط الإيراني إلى خفض صادراتها من أكثر من مليوني برميل يوميًا في 2011 إلى أقل من مليون برميل في اليوم في عام 2014، وقد لعب هذا الضغط دورًا في إقناع طهران للموافقة على الاتفاق النووي لخطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015 والذي تضمن تخفيف العقوبات على تجارة النفط.

استخدم ترامب العقوبات الاقتصادية بصورة كبيرة خلال ولايته الأولى، ففي عام 2018، انسحب من الاتفاق النووي الإيراني وأعاد فرض العقوبات، وفي السنوات اللاحقة، انخفضت صادرات النفط الإيرانية بنسبة 75%. كما أدت حملة «الضغط الأقصى» التي شنها على فنزويلا إلى انخفاض صادراتها النفطية، التي كانت تعاني أصلًا من تراجع بسبب الفساد وسوء الإدارة، من 1.6 مليون برميل يوميًا في عام 2017 إلى أقل من 500 ألف برميل يوميًا في عام 2020.

استعادت صادرات النفط الإيرانية انتعاشها في عهد إدارة بايدن، على الرغم من قرارها عدم الانضمام مجددًا إلى الاتفاق النووي. ربما كان ذلك نتيجةً لموقف الإدارة المتساهلة في تطبيق العقوبات. إلا أن تراجع فاعلية العقوبات الأمريكية، وليس التساهل في تطبيقها، هو ما يفسر هذا الانتعاش، فقد أصدرت إدارة ترامب أكثر من 600 قرار بفرض عقوبات متعلقة بإيران في عام 2025، شملت السفن التي تحمل وقودًا إيرانيًا والشركات التي تشتريه. ومع ذلك، ظلت أحجام صادرات طهران من النفط الخام عند حوالي 1.5 مليون برميل يوميًا طوال العام الماضي، على غرار ما كانت عليه في عام 2016، عندما كان الاتفاق النووي ساري المفعول.

ومن جانب آخر، فقد أظهرت مبيعات النفط الفنزويلية مقاومة لضغوط العقوبات حتى قبل الحصار البحري الذي فرضه ترامب أواخر العام الماضي، ورغم صعوبة تتبع صادرات النفط الفنزويلية في عام 2025 من خلال البيانات المتاحة للعموم، إلا أنها بدت مستقرة أو مرتفعة مقارنة بعام 2024، حتى مع استبعاد النفط الخام الذي سمحت الحكومة الأمريكية باستيراده إلى المصافي الأمريكية. كما أثرت العقوبات بشكل ضئيل على حجم صادرات النفط الروسية التي ظلت مستقرة نسبيًا خلال عام 2025، على الرغم من العقوبات الأوروبية المفروضة طوال العام والعقوبات الأمريكية في أكتوبر على أكبر شركتي نفط روسيتين Rosneft و Lukoil مما أحبط أوكرانيا لتكثف ضرباتها العسكرية على مواقع الطاقة الروسية بدءًا من خريف العام الماضي حتى هذا العام.

يُقافي ولا يُلاقي

تأثرت حدة العقوبات بسبب ظهور شبكة اقتصادية عالمية بديلة. فقد كانت العقوبات الأمريكية تعتمد على فرض خيار واضح أمام الشركات، إما التعامل مع الولايات المتحدة أو مع خصومها. لكن اليوم، باتت شركات عديدة مستعدة لتحمّل مخاطر فقدان السوق الأمريكية مقابل أرباح مجزية في أماكن أخرى.

وقد طورت دول مثل روسيا شبكاتها الخاصة بعيدًا عن النظام الاقتصادي الأمريكي، فبعد فرض سقف على سعر النفط الروسي، استثمرت موسكو مليارات الدولارات في أسطول ناقلات خاص بها، مما مكنها من مواصلة التصدير إلى دول الصين والهند، والتي تعرف اليوم بالأسطول الظلي الذي يضم أكثر من ألف سفينة.

يزدهر هذا الاقتصاد المقاوم للعقوبات بفضل الصين إلى حد كبير، ففي عام 2025، اشترت الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، وكانت أكبر مشترٍ للنفط الخام الروسي والفنزويلي. إن العديد من الشركات الصينية لا تخشى العقوبات الأمريكية، فعلى سبيل المثال بنك كونلون، وهو بنك صيني صغير فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات عام 2012 لتعامله مع بنوك إيرانية، إلا أن البنك لا يزال يمارس أعماله، وتشير سجلات الشركة إلى أنه ازدهر رغم العقوبات. وفي العام الماضي، فرضت واشنطن أيضًا عقوبات على العديد من مصافي النفط الصينية الصغيرة، بما في ذلك شركة Shandong Shengxing Chemical ، لشرائها النفط الإيراني، لكن الشركة لا تزال تعمل، وفي يناير، أشاد موقعها الإلكتروني بالتقدم المستمر في بناء منشأة جديدة. بينما تميل العديد من الشركات الصينية الدولية ولا سيما البنوك وشركات النفط، إلى الامتثال للعقوبات الأمريكية لتقديرها الصلاحية على ممارسة أعمالها بالدولار في الأسواق الغربية، فمثلًا بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركتي روسنفت ولوك أويل الروسيتين، توقفت شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى عن شراء النفط منهما.

بشكل عام، لا تزال واشنطن تحتفظ بأوراق ضغط اقتصادية كبيرة على بكين، إذ يمكن للولايات المتحدة إلحاق أضرار جسيمة عبر فرض عقوبات على البنوك الصينية الكبرى، بغض النظر عما إذا كان البنك متورطًا بشكل مباشر في تجارة الطاقة أم لا. كما تكمن المشكلة في أن الإقدام على خطوة كهذه سيؤدي إلى تقويض حالة التهدئة الاقتصادية الهشة مع بكين، وهي التهدئة التي سعى إليها ترامب منذ إعلان الهدنة الأولية في الحرب التجارية في مايو الماضي، وتوقيع اتفاق تجاري واقتصادي لمدة عام في نوفمبر. علاوة على ذلك، تملك الصين القدرة على ممارسة ضغوطها الاقتصادية الخاصة، كما فعلت في أبريل الماضي عندما قطعت صادرات المعادن النادرة عن الولايات المتحدة. وبناءً عليه، فمن المستبعد أن يغامر ترامب بهذه العلاقة وبأهدافه الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع عبر فرض عقوبات قاسية على مشتريات الصين من نفط خصوم أمريكا.

إقدامٌ أو إحجام؟

يُغير استخدام ترامب للبحرية لاعتراض ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات فاعلية هذه العقوبات، فإيران وروسيا وفنزويلا لا تستطيع بيع النفط للصين إذا لم تتمكن الناقلات من الوصول إليها، لكن استخدام الوسائل العسكرية لأغراض اقتصادية يثير تساؤلات قانونية وسياسية هامة يتعين على الولايات المتحدة معالجتها اليوم.

تقوم العقوبات الأمريكية على مبدأ «التجميد»؛ حيث تُجمّد الأصول الخاضعة للعقوبات، لكن ملكيتها لا تنتقل إلى الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، يتم إيقاف دفعة مالية خاضعة للعقوبات تُحوّل عبر بنك أمريكي، لكن الحكومة الأمريكية لا تستولي على الأموال فعليًا، أما الاستيلاء على سفينة، فيعني أن الحكومة تستولي على الأصل، وهو ما يطرح مسألة قانونية أكثر تعقيدًا.

تعتمد إدارة ترامب في الوقت الراهن على بنود في القانون الأمريكي تسمح لها بمصادرة الأموال والموارد المرتبطة بجماعات إرهابية مصنفة، وليس تجميدها فقط. وقد صنف ترامب الحرس الثوري الإسلامي، الجيش الإيراني، منظمة إرهابية في عام 2019 ويستخدم هذا التصنيف أساسًا قانونيًا للمصادرة. وتشير التقارير إلى أن الإدارة أقنعت قضاة أمريكيين بأن العديد من السفن المصادرة على الأقل لها صلة بإيران. وبافتراض فوز إدارة ترامب في المحكمة، فمن المرجح أنها تخطط لبيع ناقلات النفط والنفط المُصادَر. وإذا أرادت واشنطن ملاحقة المزيد من السفن التي لا تربطها صلات واضحة بإيران أو غيرها من الدول أو الجماعات الداعمة للإرهاب، فسيتعين عليها إيجاد نظرية قانونية بديلة، سواء بموجب القانون المحلي أو قوانين الحرب، للاستيلاء عليها.

يجب على واشنطن الحذر من التداعيات الدولية لسياسة الحرب الاقتصادية الهجينة، فمصادرة الناقلات قد تُقابل بردود فعل انتقامية مماثلة. وبينما كانت العقوبات الروسية السابقة مجرد قول دون فعل، فإن لجوء موسكو لمرافقة سفنها عسكريًا، أو قيام دول أخرى بمصادرة سفن شحن أمريكية ردًا على ذلك، يرفع مخاطر التصعيد العسكري ويهدد المصالح الأمريكية بشكل مباشر.

ما هي الحدود؟

يزيد دور الحرب السيبرانية من تعقيد استراتيجية الولايات المتحدة وسياستها المستقبلية، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تجنبت الولايات المتحدة الحرب الاقتصادية الهجينة باعتبارها غير شرعية، ولزمن طويل، أدانت عمليات الاستيلاء الدورية التي تقوم بها إيران على السفن في الخليج العربي، وكان تفضيل واشنطن للتدابير الاقتصادية على القوة دائمًا ذا دوافع أيديولوجية وعملية في آن واحد، فإذا أصبحت شركاتها العالمية أهدافًا، ستواجه الولايات المتحدة المزيد من نقاط الضعف الدفاعية.

وبحلول أوائل العقد الثاني من الألفية، بات من الواضح أن على الولايات المتحدة أن تقلق بشأن المجال السيبراني أيضًا. ففي عام 2014، اخترقت كوريا الشمالية شركة Sony Pictures بعد أن أصدرت الشركة فيلمًا اعتبره ديكتاتور البلاد مسيئًا. وانتقدت إدارة أوباما بشدة كوريا الشمالية على هذه الخطوة، بل وفرضت عقوبات ردًا عليها، وسعت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين إلى حشد الدعم العالمي لمعايير تحظر استخدام الهجمات السيبرانية على الأهداف التجارية والبنية التحتية الحيوية.

مع تبني واشنطن للحرب الاقتصادية الهجينة، يبدو أنها باتت مستعدة أيضًا لتبني الحرب السيبرانية. فعلى سبيل المثال، تخضع مئات الجماعات الإجرامية الإلكترونية لعقوبات أمريكية، وقد اقترح أعضاء في الكونجرس إصدار تراخيص استخدام القوة والانتقام لقراصنة أمريكيين مستقلين لمصادرة العملات المشفرة المسروقة من قبل مجرمي الإنترنت الأجانب. ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات، منها ما إذا كان للولايات المتحدة الحق في استخدام الأساليب السيبرانية لاستعادة الممتلكات الخاضعة للعقوبات والموجودة في الخارج.

سيكون من الأسهل الإجابة على تساؤلات في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستخدم الوسائل العسكرية أو السيبرانية لدعم عقوباتها، ومتى ستفعل ذلك، لو كان لديها عقيدة في السياسة الاقتصادية، أي مجموعة من المبادئ الأساسية لتوجيه استخدام العقوبات وغيرها من التدابير الاقتصادية القسرية. حينها، يمكنها إضافة مبادئ إلى هذه العقيدة تتعلق بالاستخدام الأمثل للقوة، وتجنب الفوضى العالمية، حتى يحدث ذلك، فمن المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة توسعًا في الحرب الاقتصادية الهجينة الأمريكية، دون وضوح في وجهتها المستقبلية.