عن لحظة الخليج المرنة
13 أبريل 2026
13 أبريل 2026
يقال إن الحروب والكوارث هي من تنتشل الشعوب وتحررها من الماضي الجامد. وبقدر ما تكون للكوارث والمصائب نتائج وخيمة، بقدر ما تحمل في بواطنها الكثير من الدلائل والمعاني، وتروم إلى انكشافات وانزياحات، (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم ـ البقرة ٢١٦).
وتبقى اللحظة التي تسكت فيها المدافع هي اللحظة المفصلية، وهي اللحظة المرنة كما يصفها بعض الباحثين، وهي الفترة التي تعقب الكوارث والحروب.
هي لحظة تاريخيّة استثنائية لا تتكرر إلا مرات معدودة، يتصاعد فيها التنافس الدولي، وتتفكك فيها الهياكل الدولية القديمة. تكتسب في هذه اللحظة القرارات قدرة فائقة على تشكيل المستقبل لعقود، يتم فيها إعادة رسم السياسات المستقبلية للعالم، وبناء نظام دولي جديد، ضمن تلك الانكشافات الكثيرة والمتراكمة التي ستخلفها هذه الحرب العبثية.
لذلك ليس بالمستبعد ووفق منهجية وسياسة واضحة. وكلما تأزم الوضع العالمي وتداخلت التحديات، تلجأ القوى الكبرى إلى إشعال الحروب للوصول إلى هذه اللحظة.
من هنا، تشعل أمريكا وإسرائيل الحروب في منطقة الشرق الأوسط. وتحت ضغط الوضع المتأزم، تعيد تشكيل المستقبل ورسم الخرائط والتحالفات، مستغلة في ذلك الغفلة والانشغال.
إن لحظة الخليج المرنة، هي ما لا شك فيه تتبلور وتتولد من رحم هذه الحرب العبثية، وتقف فيها المنطقة على أعتاب وضع مغاير ومختلف.
يؤمن الجميع إن الفترة التي تمر على المنطقة بلا شك فترة عصيبة مفصلية، فارقة، مربكة، كارثية. وإننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة يراد أن تدخله منطقتنا.
لينبثق السؤال، هل نستطيع اقتناص هذه اللحظة لصالح المنطقة؟ ولكن الـسؤال الوجودي الذي يطرحه أبناء الخليج في السر وفي العلن، هو هل سيكون الوضع في الخليج كما السابق؟ إذ ليس من المعقول أن تستمر الوضع كما كان قبل هذه الحرب.
إن إدراك قادة المنطقة ووعيهم ضروري بأن المنطقة مقبلة على إعادة التشكيل والتموضع من جديد، وإن هذه اللحظة انزاحت وانكشفت على وضع خليجي أكثر ما يقال عنه بأنه وضع رخو. يتطلب من قادته وأبنائه إعادة تشكيله من جديد.
وها هي الفرصة السانحة التي يتطلب اقتناصها والعمل على تحويرها لصالح المنطقة. لتكون لحظة للتأمل وإعادة التفكير والحوكمة التي يبنى على أساسها رسم مستقبل المنطقة.
إذا كان العالم يعمل على اقتناص هذه اللحظة، فالأولى من دول الخليج أن تسارع هي بتغيير الوضع، بأن تخلق وضعًا جديدًا ينبعث من تحت هذا الخراب المتراكم.
إن النقطة المفصلية في هذه المعادلة للحظية المرنة هي الالتفات للبيت الخليجي وإصلاحه ليكون الحصن الرادع في المستقبل، ومن خلال هذا التحصين سيخلق وضعا مختلفا في التعامل مع الآخر سواء كان إيران أو أمريكا أو غيرها من دول العالم.
إنها لحظة قد تحمل من الرؤى الكثير، فرصة مؤاتية للتغيير وإحداث اختراق وتحريك المياه الآسنة، إذا ما اقتنصت وحسن استغلالها.
لا نتمنى أن تنجلي هذه اللحظة كما العديد من اللحظات المرنة التي مرت على المنطقة، دون أن تكون هناك لحظة مكاشفة وعقلنة بين زعماء دول الخليج، والنظر في الممكنات الهائلة التي تجمع أبناء المنطقة. كلنا يتفق أن المعضلات التي تواجهه المنطقة كثيرة ومتعددة، معضلة النظرة الغربية للمنطقة التي لا ينظر إليها إلا ثروة ونفط وموقع ليس إلا، ومعضلة أخرى هي معضلة الجوار الخليجي الذي لم نختاره، والتهديد الصهيوني، ومعضلات أخرى عديدة ومتنوعة.
معضلات كثيرة تواجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي. قدر المنطقة العربية والأخص منطقة الخليج العربي أن تكون عرضة للمشاريع وللأطماع الغربية وعلى رأسها أمريكا والصهيونية العالمية. ولا تحتاج المنطقة إلى إشعال حروب لبروز هذه الأطماع التي باتت تتوالد وتتناسخ دون حدود واضحة لا لزمن ولا لجغرافية.
وغني عن القول إن الشيء الذي يسيل لعاب هذه الأطماع هي الثروة الهائلة التي حباها الله لهذه المنطقة؛ لذلك فالحاجة ماسة إلى نظام أمني ودفاعي حقيقي يصون مكتسبات أبناء المنطقة ويحافظ على منجزاتها وثرواتها؛ إذ ليس مناسبًا ولا منطقيًا تطور الدول في البنى التحتية، وفي شتى المجالات، وجذب الاستثمارات دون أن يترافق ذلك مع نظام أمني متطور وموحد للمنطقة، وليس ذلك الذي يعتمد على الآخر.
هذه الآلية انكشفت تمامًا مع أول ضربة تلقتها دول الخليج فلم تجد نفعًا تلك الاتفاقيات والقواعد والتسهيلات في حماية دول المجلس، وتركت دول الخليج عارية مكشوفة تقاوم وتصد العدوان بنفسها، وهذا من ناحية مؤشر قد يعيد تعامل دول المجلس مستقبلا مع التهديدات والتحالفات الخارجية.
لكن تبقى المعضلة الرئيسية والعميقة هي بكل تأكيد المعضلة الداخلية. إن إصلاح الداخل هو ما سينعكس على منهجية التعامل مع الآخر، سواء دول الجوار أو الغرب برمته بما فيه تحجيم الأطماع الغربية الصهيونية للمنطقة.لعل الحاجة باتت الآن أكثر إلحاحًا من أي وقت آخر ليلتفت الخليجيون للوضع الداخلي لهذه الدول، ولعل مفتاح ذلك لا يكون إلا من خلال العدالة والحرية والتعليم ومقاربة الوعي المجتمعي، والاقتراب من النخب المثقفة الحقيقية، وتغيير الكثير من المفاهيم والرؤى ومنها بطبيعة الحال، المشاركة المجتمعية، العدالة، الحريات، تقبل الآراء المختلفة، تسريع وتيرة التحول الديمقراطي.
الحاجة ماسة وضرورية لأناس يجرؤون ويصدحون بالحقيقة ويدافعون عنها، وإلى من يصغون إلى صوت الضمير وأنين الناس وصراخهم، إلى أقلام وساسة يتحلون بالحقيقة والشجاعة والإيمان بالمصلحة العامة.
منظومة مجلس التعاون هي معضلة أيضًا يتطلب إعادة هيكلتها على أسس مغايرة ومختلفة ومتطورة تتناسب مع روح العصر، وأن تكون أكثر شفافية ومكاشفة، بما فيها الثقة بين القادة والمكاشفة والمصارحة، وتقبل النقد والاختلاف للوصول إلى هدف واحد مشترك. وقبل أن نتقبل الآخر يجب أن نتقبل أنفسنا ونحول الاختلاف الذي بيننا سواء كان اقتصاديا أو مذهبيا إلى قوة ومحطة للانطلاق.
إن أبناء دول المجلس بمن فيهم السلطات الحاكمة مطالبون الآن بإصلاح ذات بينهم أولًا وتصفية النوايا بينهم وحسن المعاملة والشفافية، والبعد عن الأحقاد والتنابز والتطاحن على وسائل التواصل المجتمعي التي لا تنتج إلا العداء، والبعد عن التحالفات الجانبية التي تضر بالجميع، وأن يعيدوا قراءة الواقع المتغير وبوسائل وعقلية مختلفة عن السابق. وليس مبالغة إذا قلنا، أن كل شيء يريد أن يعاد النظر فيه.
بلا شك هناك اختراقات في النسيج الخليجي أضعفت هذه الدول، ومكنت القوى الأجنبية والاستعمارية من الاختراق السياسي والأمني والمجتمعي.
إن النظر إلى المستقبل بروح منفتحة ومسؤولة والتفكير النقي الممنهج والإدراك بالأخطار التي تحيط بالمنطقة لهو الحصن الحصين والعالي الذي يضمن البقاء ويحافظ على المنطقة.
يبقى السؤال الملح هو: هل تنتشلنا هذه الحرب من الماضي الجامد، وتحلق بنا إلى الأفق المستقبلي الرحب؟
