«الدراسات الثقافية» مدخل للقارئ العربي
إيهاب الملاح -
(1)
أتصور أن صدور هذا الكتاب الجديد للمفكر والأكاديمي والناقد المرموق الدكتور نادر كاظم؛ حدث معرفي وثقافي مهم ويستحق الانتباه والمتابعة والتأمل!
فبعد قرابة العشرين كتابا أو يزيد؛ ورحلة بحثية ومعرفية وإنتاج علمي وثقافي معرفي، لم يكن صدر بعد لأستاذ الدراسات الثقافية بالبحرين والجامعات العربية الأشهر كتاب مخصص بأكمله من الصفحة الأولى وحتى الصفحة الأخيرة للدراسات الثقافية!
وها هو الكتاب يظهر أخيرا بعنوان «ما الدراسات الثقافية» (صدر عن دار المعارف بالقاهرة)، ليضم عددا من المحاضرات والحوارات التي تقدم في مجملها عرضا رائعا ورائقا وميسورا للدراسات الثقافية؛ وتعريفا دقيقا ومركزا ومكثفا لها منذ ظهورها إلى اللحظة التي صدر فيها الكتاب..
وهذا -على المستوى الشخصي- مما تمنيته، وظللت ألح على مؤلفه العزيز الذي أعتز به وبصداقته أيما اعتزاز وفخر، إلى أن استجاب أخيرًا وصدر الكتاب الذي كنا نحلم به ونتمناه ليملأ فراغا واسعا ويقدم عتبة مهيأة مؤطرة للقارئ العام والدارس المبتدئ والباحث المتخصص على السواء.
(2)
لقد كان الدافع وراء الإلحاح من جانبي، والاستجابة الكريمة من جانب الصديق الدكتور نادر كاظم، دافعا ثقافيا ومعرفيا في المقام الأول؛ ذلك أنه حينما يكثر ويغزر الحديث عن منهجية أو نظريات أو حقل معرفي ما يعتبره الدارسون والباحثون "موضة" من دون التعمق في دراسة وفهم جذوره المعرفية والفلسفية والإحاطة بسياقه التاريخي والثقافي والاجتماعي، فمن البديهي أن تكون التعاملات أو الممارسات البحثية والتحليلية المتمسحة به أشبه بالقص واللصق ومن دون روح ولا حياة ونبض!
من هنا وعلى مدار العام تقريبا في مداولات ونقاشات وحوارات بيني وبين الدكتور نادر، اتفقنا معا على أننا بحاجة ملحة وضرورية إلى كتاب يفي بهذا الغرض، كتاب مدخلي تعريفي، خصوصا أن الدكتور نادر قد أكد ذلك في غير مناسبة: "نحن في حاجة حقيقية إلى إطلالة آمل أن تكون سريعة لرسم الخطوط العريضة لما نسميه "الدراسات الثقافية"، ثم إطلالة سريعة أخرى لرسم ما أسميه "الخطوط العريضة لتحديات الدراسات الثقافية في العالم العربي".. وحتى نعرف ما هي "الدراسات الثقافية" ينبغي أن نتجاوز التركيب الوصفي للمصطلح، فنحن لسنا أمام دراسات موصوفة بأنها ثقافية، بمعنى أنها ليست دراسات بالإمكان استبدالها بأي وصف آخر كأن نسميها دراسات اجتماعية أو تاريخية أو سياسية. المصطلح مركّب تركيبًا وصفيًا، هذا صحيح، لكنّ معناه ليس "وصفيًّا".. من هنا اجتمعت الرغبة مع الهدف مع توفر المادة ولم يتبق سوى جهد الإعداد والتحرير والتصنيف، ولم يتوان الدكتور نادر كاظم أبدا في العمل على ذلك وتيسيره حتى استوت مادة الكتاب وظهر إلى النور.
(3)
ببساطة شديدة ودون تعقيد فـ"الدراسات الثقافية" اسمٌ لحقل معرفيّ جديد بدأ يتكوّن بصورة أوليّة منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين في بريطانيا. وتكوّن بشكلٍ مؤسّسيّ حين تأسّس مركز مهم في تاريخ الدراسات الثقافية، وهو "مركز برمنجهام للدراسات الثقافية المعاصرة" في جامعة برمنجهام في عام 1964.
وهناك أربعة أسماء أساسيّة يمكن أن نسميهم "المؤسسين الفعليين للدراسات الثقافية". سأتحدث بشكلٍ سريع عن إسهامات هؤلاء الأربعة، ومعظم كلامي سيكون رسمًا لخطوطٍ عامة من أجل أن ندخل فيما بعد في نقاشات أكثر تفصيلًا؛ لأني أتصور أن النقاش مع الطلبة في هذا الملتقى سيكون أكثر ثراءً من أن ألقي محاضرة متصلة على مدى ساعتين.
يتوزّع الكتاب على قسمين: يضمّ القسم الأول ثلاث محاضرات ألقاها الدكتور نادر كاظم في ثلاثة أماكن مختلفة. ألقيت المحاضرة الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان في يناير 2022، وألقيت الثانية في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين في مارس 2017، فيما ألقيتُ الثالثة بكلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة واسط العراقية في سبتمبر 2021.
أما القسم الثاني، فيضم أربعة حوارات مطولة أُجريت مع الدكتور نادر في أوقات مختلفة، ونُشرت في مجلات ودوريات متنوعة، لكنها حوارات أقرب إلى الشرح والبيان والتفصيل وتركيز الحديث حول صميم "الدراسات الثقافية" تاريخا، وأفكارا، ومفاهيم.. إلخ..
(4)
وهذه المحاضرات الأكاديمية الثلاث (بالإضافة للحوارات الأربعة)، قدمت إطارا تاريخيا ومدخلا تعريفيا دقيقا ومكثفا بالدراسات الثقافية، راعينا في ترتيبها وتحريرها التدرج والانتقال السلس من النشأة أو الظهور التاريخي وصولًا إلى أفكارها الرئيسية وإجراءاتها المنهجية والتحليلية وارتباطاتها أو تقاطعاتها البينية مع غيرها من الحقول المعرفية.. إلخ..
بعبارة مؤلفها ونصه، فإن هذه المحاضرات الثلاث، والحوارات الأربعة، تدور حول "الدراسات الثقافية" كمجال معرفيّ يصعب تقديم تعريفٍ دقيق له، بل يصرّ مؤسّسوه الأوائل على تجنّب هذه المهمة؛ إذ ظهرت "الدراسات الثقافية" في عام 1964 عندما أسّس ريتشارد هوجارت، وبمساعدة ستيوارت هول "مركز الدراسات الثقافية المعاصرة" في جامعة برمنجهام في بريطانيا.
وهذا يعني أنه قبل تأسيس هذا المركز لم يكن ثمة شيء اسمه "الدراسات الثقافية"، إلا أن هذا لا يعني أن جذور الدراسات الثقافية لم تكن موجودة قبل تأسيس المركز، بل إن أبرز إسهامات المؤسّسين ظهرت قبل تأسيس المركز، وهذا ما ينطبق على أبرز مؤلفات ريتشارد هوجارت، وريموند وليامز، وإدوارد تومبسون.
كما أن الطبيعة الهجينة والمتنوّعة ومتداخلة المعارف للدراسات الثقافية جعلها تستعير وتستدمج الكثير من إسهامات المنظّرين والمفكّرين السابقين من أمثال: أنطونيو غرامشي، ولوي ألتوسير، وميشيل فوكو، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ورولان بارت، وجورج لوكاتش، وبيير بورديو، وجان بودريار، وفرانسوا ليوتار، وثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، ووالتر بنيامين، وهربرت ماركيوز، وحنّا أرندت، وآخرون كثر.
وعلى الرغم من صعوبة تقديم تعريف دقيق للدراسات الثقافية، وتجنّب المؤسّسين لهذه المهمة، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن أية دراسة حول الثقافة، أو تتناول موضوعًا من موضوعات الدراسات الثقافية (العرق، الجندر، الهُوية، التمثيل، ما بعد الاستعمار، الهيمنة، الآخر.. إلخ) يمكن أن تكون من الدراسات الثقافية.
ولهذا يفضل د. نادر كاظم الحديث عن محدّدات الدراسات الثقافية، ويعتبر أن ثمة ثلاثة محدّدات أساسية في "الدراسات الثقافية"، ومن دون توافرها تصبح الدراسة أي شيء إلا أن تكون دراسات ثقافية.. فما هي هذه المحددات الثلاثة التي يرى نادر كاظم أنها تنتظم مدخلا واضحا لها؟
(5)
المحدّد الأول؛ هو أن الدراسات الثقافية مجال معرفيّ متعدّد المعارف والتخصّصات، ويتداخل ضمنه النقد ودراسات الأدب، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والسياسة، والفلسفة، والتاريخ، والنسوية، وما بعد الاستعمار، ودراسات الإعلام، والاقتصاد السياسي.
ويتصلّ المحدّد الثاني لا بموضوعات الدراسات الثقافية، بل بكون هذه الموضوعات تُدرس بتورّطها في علاقات القوة والسلطة والتجارب الحيوية في المجتمع والثقافة والعالم.
وعلى هذا، فليس المهم، في الدراسات الثقافية، أن تدرس "تمثيلات الآخر"، بل أن تدرس هذه التمثيلات ضمن اشتباكها مع علاقات القوة والسلطة التي تعمد إلى محاولة تطبيع واقع هذا الآخر غير الطبيعي عبر التوسّل بأفعال الهيمنة والأجهزة الأيديولوجية التي تعمل على إعادة إنتاج الترتيبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل هذا الآخر في مرتبة أدنى.
ويرتبط المحدّد الثالث بالثاني ارتباطا وثيقا ولازما، ويترتّب عليه، فالدراسات الثقافية مجال "معرفيّ" ذو طبيعة تدخّلية تسعى إلى تحويل "المعرفة" إلى أداة "تغيير" اجتماعي وثقافي وسياسي.
ففي الوقت الذي تنسحب فيه معظم العلوم الاجتماعية والإنسانية من القيام بهذه المهمة، بل من مجرد التفكير في هذه المهمة بدعاوى الموضوعية والعلميّة والحياد والانضباط المنهجي، في هذا الوقت تصرّ الدراسات الثقافية على أن تكون معرفة من أجل التغيير الاجتماعي، وتستهدف، عبر البحث والدراسة والاستقصاء والممارسة، أن تحدث فرقًا في العالم الذي تتدخّل فيه..
