محاولة البحث النظريّ ومحاكاة النقد التطبيقيّ
كتاب معرفيّ يذكّرنا بما نعرف عن عالم الرواية، ويعمّق ما نعرفه، في طموح ظاهر ليضيف لموضوع الرواية العربية، ضمن سياق الرواية العالمية.
وعندما نكون في سياق نظرية الأدب، والرواية بشكل خاصّ، وفي ظل استعراض التاريخ النقديّ المتعلّق بالرواية، فإننا أمام أدبيات مهمّة جدا كتبها أكاديميّون ونقّاد، بحيث نجد أنفسنا منتظرين ما يمكن إضافته في هذا الدرس وهذا البحث، أكانت إضافة نظرية، أو تطبيقية. أي أنّ المقاربة والمقارنة تكونتا حاضرتين، يصعب الفكاك منهما؛ فبمجرّد القراءة، نكون باحثين عن الجديد، أو عن رؤية ما حول هذا الجنس الأدبيّ، وعليه ستصعب مهمة الكتابة والقراءة معا، في ظل وجود مصادر عربية في الموضوع وحوله، تدفعنا إلى التجديد في التناول، من أجل إضافة نوعية ولو في الحدّ الأدنى إلى الرواية.
لذلك، فإن من يودّ الاشتباك مع هذا التنظير، ينبغي أن يبحث عن عناوين خاصّة، يعيد النظر فيما هو قائم، من خلال تنبيهنا إلى قضايا أدبية من منظور جديد، أو التقاط ظواهر أدبية جديدة، تدفعنا إلى تأمل تاريخ الرواية العربية، وإلى أي حال وصلت، وكيف أن تناولها النظريّ يتطور مع تطورّها من جهة، ومع تحولات الحياة المعاصرة من جهة أخرى.
أسئلة ما قبل القراءة:
يحمل العنوان "البنية الروائية من الأسس إلى التّناصّ"، معاني تتعلق به، تتغير شيئا ما بعد الاطلاع على الكتاب؛ حيث تقودنا دلالة "الأسس إلى التّناصّ"، المنسوبة للبنية الروائية إلى ما يتضمنه معنى حرفَيْ الجرّ "من وإلى"، والذي نعني به ما ذكره علما النحو والدلالة من الابتداء والانتهاء. لقد واكب هذا التساؤل تساؤلا آخر حول ما ابتدئ به وما اختتم: الأسس والتّناصّ. ثم ليتلو ذلك سؤال موضوعيّ حول ما يربط الرواية بالأسس والتّناصّ. ولعلنا نستمر في التفكير، فإذا كان هناك ما يربط الرواية بأسسها، وإذا كان هناك ما يربط الرواية بظاهرة التّناصّ، فما المسوّغ في جمعهما معًا كون كل منهما موضوعا مستقلا، حيث يمكن الحديث بشكل منفصل عن الرواية وأسسها، كذلك فإن ظاهرة التّناصّ يمكن أن تكون بحثا مستقلا؟
تناولت دكتورة سناء العطاري في الفصول السبعة الأولى جزءا كبيرا من تعريفات ومفاهيم تتعلق بالرواية، والأهمية، وبالاطلاع على ما ذكرته من اتجاهات الرواية، بدا الفهم الناضج لديها، كذلك في الحديث عن أنواعها، والنشأة وربطها بالرواية الغربية، كذلك ربطت بين الرواية ونظريتها، وإن كنا نودّ لو أشارت إلى سرديات التراث العربي، وبخاصة فن المقامة.
من ناحية أخرى، طبقت ما تحدثت به عن السيميائية على روايتيّ "الأجنحة المتكسّرة" لجبران خليل جبران، و"خفق الأجنحة" لعزّ الدين التازيّ. ثم لتتحدث عن بناء الشخصيات من مناظير مختلفة منها ما هو نفسيّ واجتماعيّ وفلسفيّ، بربط داخل الشخصية بمحيطها الاجتماعيّ، ثم تتناول أنواع الشخصيات الروائية، مشيرة إلى تحولات المكان والنفس. وقد كان المجال متاحا للحديث بشكل معمّق عن الشخصيات وتحولات المجتمع.
وربطا بعنوان الكتاب، جاء الفصل الثامن مخصصا لظاهرة "التّناصّ"، فعرجت على التّناصّ الدينيّ واللفظيّ، متناولة بشكل تطبيقيّ التّناصّ الدينيّ في روايات غازي القصيبي، والتّناصّ القرآني في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانميّ.
وفي مجال الدرس التطبيقيّ، تناولت الزمان والمكان في روايات أيمن العتوم. ولعلّ ما يلفت النظر هنا، هو ما تناولته اعتمادا على مصادر بحثية (باندو وكحلة 2022) في الأسلوب على مدار الصفحات من 255 حتى 270، مثل: "الاستباقات والديمومة (التسريع والإبطاء) والحذف والمشهد والتواتر"، وهي المرتبطة بتقنية السرد تقديما وتأخيرا. كذلك استمرت في التطبيق متناولة في الفصل العاشر رواية "سوناتا لأشباح القدس" لواسيني الأعرج.
واختتمت الفصل الأخير بالحديث عن آفاق الرواية العربية، لتذكرنا بأهمية علاقة الرواية بالفنون والتكنولوجيا والهوية، مذكرة ومؤكدة على كون الرواية "أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي" صفحة 321. وقد بدا في هذا الفصل قدرات الباحثة على التأليف بالاعتماد على حصيلتها المعرفية، حيث خلا من وجود مصادر، ما يشير إلى هوية الكتابة التي تجمع ما بين البحث والكتابة.
ما كان انطباعا صار رأيا بعد الاطلاع، حيث وجدت نفسي ألجأ للتحليل الصوتي للإجابة عما يربط الأسس والتّناصّ، ألا وهو صوت حرفي السين والصاد، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية الكتاب المعرفيّ والتعليميّ، أكان لمتعلم الأدب، أو لمن يريد كتابتها.
فقط عند الوصول عند الفصل الثامن، الذي اقتصر الحديث فيه عن "التناصّ"، أمكنني موضعة نفسي ككاتب وقارئ معا، من خلال ما فهمته، بأن الابتداء بالأسس والانتهاء بالتّناصّ، إنما كان دافعه اختيار عنوان فيه جمالية المزاوجة بين السين في الأسس، والصاد في التّناصّ، ولو تم حذف مفردة "التّناصّ" من العنوان لكان أفضل، كونه ليس من جوهر الكتاب، بل الأسس التي تتعلق بالبنية الروائية، في الوقت الذي سيكون فيه وجود موضوع "التّناصّ" موضوعا من اهتمامات الكتاب بالظواهر الأسلوبية.
ولعلنا هنا، في ظل التعرّف على أسلوب الكاتبة والأكاديمية الدكتورة سناء العطاري لنجد أنفسنا، في ظل هذا المزيج الكتابي من البحث والكتابة القادمة من الحصيلة المعرفة، أكثر ميلا بأن توظّف الكاتبة معرفتها للكتابة الفكرية عن الأدب، بما يمكن أن تضيف له، وما يشجعني على هذا الرأي معرفة الكاتبة بما تكتب عنه، ووضوح الكتابة وسلاستها.
إن بيت قصيد كتابة الرواية هو الإبداع القادم من الاطلاع أولا وفهم سياقات الحياة بما يكفي من النضج. وهي مهمّة صعبة، أما المهمّة الأكثر صعوبة، فهي النظرة الفكرية تجاه ما ينتج من أدب والاشتباك الإيجابيّ معه، كون الدرس البحثيّ هو درس فلسفيّ عميق النظرة للأدب والحياة، يقودنا نحو نقد إبداعيّ للناقد والأكاديميّ معا.
* وقع الكتاب في 347 من القطع الكبير، وقد صدر عن مركز ديبونو لتعليم التفكير. عمّان-الأردن 2026.
