هل بدأت إيران عملية استعادة عامل الردع الحقيقي؟

08 أبريل 2026
08 أبريل 2026

اقترب العالم يوم أمس، كثيراً من مرحلة الهاوية، والدمار المتبادل، إثر قرب نهاية المهلة التي حددها الرئيس ترامب، وتهديده لإيران بعواقب وخيمة، ودمار واسع في حالة عدم التوصل معها لاتفاق. لم يكن يفصل المنطقة عن الانزلاق الأخطر بتاريخها سوى دقائق قليلة، قبل أن تظهر باللحظات الأخيرة، مفاجأة لم تكن في الحسبان، وانفراجة نزعت فتيل الانفجار، تمثلت في إعلان الوسطاء بالتوصل إلى هدنة، وإعطاء السلام الفرصة التي كان يتوق لها الجميع.

وبالرغم من الطبيعة المؤقتة للهدنة، إلا أنها تمثل فرصة ثمينة لوقف الحرب. ربما تعود الدوافع لاعتبارات تكتيكية، أو رغبة في إعادة التموضع والتزويد، لكن ثمة عوامل عديدة ساهمت في التوصل لهذا الاختراق، يأتي على رأسها تمكن إيران من استعادة عامل الردع الحاسم، وهو برأيي الممكّن الأبرز لنجاح هذه الوساطة دون غيرها من المحاولات.

الردع.. معادلة الكلفة والمكاسب

تعد عملية بناء الردع من أهم أركان الدولة، وضمن أبرز الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها الحكومات لخدمة مصالحها الحيوية. يتحقق الردع، بشكل أساسي، عند إقناع الخصم بأن تكلفة عدوانه، تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة، وللردع أشكال كثيرة، ومستويات متعددة؛ منها الردع بالمنع (Deterrence by Denial)، من خلال امتلاك قدرات دفاعية فائقة، وتحصين المواقع الاستراتيجية لعرقلة قدرة الخصم على تحقيق أهدافه العسكرية، مع ضرورة الإعداد المسبق للحرب، وتهيئة البلاد للمجهود الحربي، لجعل أي هجوم محتمل يبدو مستحيلاً، أو غير مجدٍ من الناحية العملية.

أما المستوى الثاني للردع فهو الردع بالعقاب (Deterrence by Punishment) وهو بنظري الأكثر أهمية، ويتأتى من خلال تهديد الخصم بفرض تكاليف باهظة وخسائر غير محتملة في حال قيامه بالعدوان، مع تهديد واضح وصادق، لا لبس فيه، بتوجيه ضربة انتقامية موجعة.

ولنجاح الردع، ثمة عوامل عديدة لا بد من توفرها مثل؛ بناء القدرات الشاملة للدولة (عسكرية، اقتصادية، تكنولوجية، اجتماعية...) إلا أن «السهل الممتنع» في تحقيق استراتيجية فعالة للردع، هو التمتع بالمصداقية، حيث يجب أن يؤمن الخصم بأنك قادر وعازم على تنفيذ التهديد، مع أهمية إيصال رسائل حازمة وواضحة للخصم، حول الخطوط الحمراء، فالمسألة هنا ليست بامتلاك القدرات فحسب، بل في إقناع الخصم بأنك عازم على الرد، ولديك النية له باستخدامها فعلاً.

كيف نعزز مصداقية الردع؟

المصداقية، في أبسط صورها، هي مزيج ذكي من القدرة العسكرية، والإرادة المعلنة، والسمعة السابقة. لتعزيز هذه المصداقية، تلجأ الجيوش إلى مناهج وتكتيكات متنوعة؛ لعل إحداها استراتيجية «إحراق الجسور» أو الالتزام الإجباري بالتقدم للأمام، وهي ذات الاستراتيجية التي استخدمها القائد المسلم طارق بن زياد بفتح الأندلس.

يومها، فاجأ القائد الشجاع جنوده، بحرق سفن العودة، كوسيلة منه لسلب «خيار التراجع» من يده ولإبلاغ الجميع أن خياره الوحيد هو التصعيد القتالي دون غيره.

ومن بين الوسائل الفعالة الأخرى لترسيخ المصداقية، هي بناء «السمعة والسوابق التاريخية» وهنا تكون المسألة في غاية الوضوح: إذا هددت ونفذت في الماضي، فتهديدك الحالي مصدق، ويتم التعامل معه بجدية.

وأخيراً، هناك نماذج وأساليب لا تقل أهمية، مثل استراتيجية «الرد الآلي» أو ما يسمى بـ «تقنية اليد الميتة» من خلال ربط الرد بأنظمة تكنولوجية أو بروتوكولات تعمل ذاتياً، ولا يمكن إيقافها بمجرد وقوع الهجوم. هناك أيضاً أدوات «استعراض القوة» التي تسمح للعدو لرؤية «المخالب» بوضوح، مع إرسال رسائل بصرية، لرفع منسوب المصداقية من خلال التمارين والانتشار العملياتي. بالإضافة إلى نموذج «التكلفة السياسية» وهو ربما يكون النموذج المفضل للرئيس ترامب، والذي يقوم فيه القائد بالإعلان عن «خطوط حمراء» أو موعداً لمهلة، أو وقتاً لاتخاذ قرار، ليصبح ذلك منه التزاماً رسمياً، لا تنصل منه، ولا يستطيع التراجع عنه، وإلا قامر بمصداقيته السياسية.

لا شك أن التاريخ الحديث غني بنماذج لكيفية تعزيز المصداقية والعكس. فخلال أزمة الصواريخ الكوبية في عام (1962)، أكدت الولايات المتحدة على مصداقيتها، بالحزم ضد سياسة نشر الصواريخ السوفيتية بكوبا، وهددت بالحرب الشاملة. يومها، تيقن الاتحاد السوفييتي أن الإدارة الأمريكية تعني ما تقوله، وهو ما أجبره على التراجع. في المقابل، تآكلت سمعة الرئيس الأمريكي أوباما في سوريا عام (2013)، عندما أعلن أن استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري، هو «خط أحمر».

وعندما استُخدمت فعلياً، لم يقم برد عسكري مباشر، مما عرّض سمعته للخطر واهتزت صورة الردع الأمريكي.

وأخيراً، هناك نموذج «الردع التراكمي» الذي اعتمدت عليه دولة كإسرائيل لعقود - مع أنه تم كسره في 7 أكتوبر 2024 - تقوم الفكرة على أن أي خرق أمني صغير يجب أن يُقابل برد كبير و«غير متناسب» لبناء «ذاكرة ألم» لدى الخصم تجعله يتردد في المرات القادمة.

معادلة الردع الإيراني

منذ حادثة احتجاز الرهائن بالسفارة الأمريكية بطهران في عام 1979، والفشل الأمريكي الذريع في عملية الإنقاذ، تبدلت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية من المواجهة المباشرة إلى الاحتواء. وبالرغم من بعض الحوادث المميتة على شاكلة تفجيرات مقر المارينز عام (1983) التي أسفرت عن مقتل 241 عسكرياً أمريكياً، أو حادثة تفجير أبراج الخبر في السعودية عام 1996، والتي أسفرت عن مقتل 19 جندياً أمريكياً وإصابة المئات، لم تتغير هذه السياسة، وظل الردع الإيراني صامداً، واكتفت الولايات المتحدة بالملاحقة السياسية والقانونية والعقوبات وطلب التعويضات.

حدث أول اختبار لمعادلة الردع بين الطرفين، وأبرز تغيير حقيقي لها، بفترة الرئاسة الأولى للرئيس ترامب، عندما أقدمت الولايات المتحدة على عمل غير مسبوق باغتيال الجنرال قاسم سليماني، في غارة جوية أمريكية في يناير 2020. خلافاً للمتوقع، كان الرد الإيراني محدوداً، وأتى بعد أيام من الحادثة، حيث اكتفت بقصف صاروخي (يعتقد أنه منسق سلفاً) استهدف قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق، وقاعدة أخرى في أربيل بصواريخ باليستية في يناير 2020. كما اكتفت إيران خلال حرب الـ12 يوم في يونيو (2025)، بالرد بإطلاق صواريخ باليستية ومسيرات على إسرائيل في عملية شبهت بأفلام هوليوود، ودون توجيه رد لمصالح أمريكية مباشرة. أما عن العلاقة مع إسرائيل والتي سادتها «حروب الظل» والمواجهات غير المباشرة عبر الوكلاء، واغتيالات متبادلة، دون مواجهات مباشرة. فلقد شهدت هي الأخرى تحولا كبيرا.

حدث التحول الأبرز، خلال السنوات الأخيرة، بتنفيذ إسرائيل عمليات قصف واغتيالات نوعية، كقصف السفارة الإيرانية بدمشق، واغتيال الشيخ حسن نصر الله، واغتيال 5 من مستشاري الحرس الثوري في غارة جوية على ضاحية بالعاصمة السورية دمشق، وقتل المستشار العسكري البارز في فيلق القدس بالحرس الثوري رضي موسوي، بالإضافة إلى اغتيال زعيم حركة حماس إسماعيل هنية. لقد شجعت هذه الأعمال إسرائيل لارتكاب أعمال أكثر جرأة، وتولّد لديها استنتاج، أن معادلة الردع الإيرانية لم تكن حقيقية. يومها، وصفت إسرائيل إيران بأنها مجرد «نمر من ورق».

أسباب اختلال معادلة الردع

لا شك أن هناك أسباباً داخلية وخارجية أدت إلى اختلال معادلة الردع الإيرانية الأمريكية والإسرائيلية. يعزى أحد الأسباب وأكثرها أهمية، كما وصفها أحد الصحفيين العرب، إلى «عقلانية بطعم الجنون» للمرشد السابق والدولة الإيرانية وابتعادها عن الفكر الثوري، وانتقالها إلى مفهوم الدولة المدنية القابل للتوقع، والقدرة على التنبؤ بردود أفعالها، والذي يعد مخالفاً لأساسيات الردع. لقد بات واضحاً غياب استراتيجية الردع بالمنع (Deterrence by Denial) التي ترتكز على امتلاك قدرات دفاعية فائقة، وتحصين المواقع الاستراتيجية لعرقلة قدرة الخصم على تحقيق أهدافه العسكرية. لقد تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق سيطرة جوية كاملة فوق الأراضي الإيرانية خلال فترة قياسية، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبرى على القدرات الدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لعل أبرز استراتيجيات استعادة الردع الإيرانية هي تطبيق منهج الردع بالعقاب (Deterrence by Punishment) من خلال تهديد الخصم بفرض تكاليف باهظة وخسائر غير محتملة في حال قيامه بالعدوان، مع تهديد واضح وصادق، لا لبس فيه، بتوجيه ضربة انتقامية موجعة. لم تتمكن الجمهورية الإيرانية بالضرورة بفترة ما بين الحربين من بناء قدرات هجومية أكبر، لكنها كانت أكثر جرأة في القيام بالتصعيد، واستهداف المصالح الأمريكية المباشرة، وإغلاق مضيق هرمز. إن العامل الأبرز في تحقيق ذلك هو التمتع بالمصداقية، وإقناع الأطراف المعادية بأن إيران قادرة وعازمة على تنفيذ التهديد.

لقد مثلت شخصية الجنرال أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري الحالي علامة فارقة في استعادة معادلة الردع المفقودة. لقد أبلغ الوسيط الباكستاني الرئيس ترامب شخصياً، أن من يملك قرار الحرب والسلام في إيران وحده هو الجنرال أحمد وحيدي، وأنه مصمم على الحرب ولديه ترسانة هائلة من الصواريخ البالستية والمسيرات، وأنه على استعداد تام للمجازفة، وبدون خطوط رجعة للوراء، وهو ما جعل الرئيس ترامب يفكر ملياً في قراراته وترجيح فكرة الهدنة.

الخلاصة:

يعكس البيان الصادر عن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حول الهدنة النهج الإيراني الجديد، والسعي الجاد لاستعادة معادلة الردع من أجل بقاء مشروع الدولة الإيرانية، حيث ذكر البيان في نهايته «أيدينا على الزناد، وأي خطأ صغير من العدو سيُواجَه برد حاسم وقوي».

لقد باتت إسرائيل والولايات المتحدة تدرك جيداً أن التعامل مع إيران لا يشبه التعامل مع غيرها، بحكم استمرار قدرتها على إطلاق الصواريخ والمسيرات، والأهم بحكم مصداقيتها الجديدة لاستعادة الردع.

وأخيرا، لابد من ذكر أن هذا النوع من الردع ينطبق على حالات كإسرائيل، بينما يمكن أن تكون هناك وسائل أكثر نجاعة في بيئة مثل منطقة الخليج، حيث يكون للتفاهم والحوار والاحترام شكلا من أنواع الردع.