هل تتحقّق "العدالة المفقودة" من بوّابة باريس؟
مشهد أوّل: في 26 نوفمبر من العام 2024، وفيما كانت حرب الـ66 يوماً تلفظ أنفاسها الأخيرة، عاثت إسرائيل دماراً على امتداد لبنان، بعدما فقدت على مدى أيّام عدوانها كلّ أهدافها التي حمّلتها لحربٍ أسمتها "سِهام الشمال"، ولم تظفر بحرف جديد على ورقة وقف إطلاق النار، والتي كتب أسطرها بأس الميدان جنوباً.. وحينها، شهدت بيروت "ليلة مجنونة" بالغارات المسعورة والإعتداءات الهستيريّة، أدرجتها إسرائيل في خانة المرحلة الأخيرة من الإستهدافات قبل سريان وقف إطلاق النار، والذي بدأ عند الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، إنفاذاً لتسوية أساسها تنفيذ القرار 1701 بلا زيادة أو نقصان.
وبمعزل عما اذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أراد، حينها، كسر نظرية توازن الردع نهائياً التي طالما تفاخر "حزب الله" بتحقيقها، كما رأى البعض، أم تنفيذ بنك أهدافه قبل وقف النار، كما رأى بعض آخر، أم أراد تحقيق الأمرين معاً، لإفهام من يريد إفهامه أن إسرائيل جاهزة للعودة عسكرياً في حال تمّ الإخلال بالإتفاق، الذي لم يتوقف عند حدود تنفيذ القرار 1701، بل تجاوزه بكثير، وتحديداً لجهة إسقاط نظريّة "وحدة الساحات"، وفق بعض القراءات، إلا أن ما ثبت حينها أن إسرائيل أفرغت مخازن النار قبل وقف إطلاق النار: 12 ساعة بارود ووسائد جمر، كتل ناريّة تلقّتها الأبنية ببيوتها التي كانت تعتقد بأنها في أمان، ويوم دمويّ تدميري سابقت فيه اليوم التالي.
ويومها أيضاً، صعدت الضاحية على جناح الخرائط المتفجّرة، وانضمّت المباني التي كانت على قيد الظهور الى أخواتها تحت الركام.. وفي بيروت، وتحديداً عند الساعة الخامسة والنصف من بعد ظهر 26 نوفمبر 2024، أي قبل ساعات قليلة فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" حيّز التنفيذ، ومن دون سابق إنذار، تعرّضت شقّة الفنّان التشكيلي والمخرج اللبناني- الفرنسي علي شرّي في محلّة النويري لقصف من قبل الجيش الإسرائيلي، وكان من بين الضحايا والداه، محمود شرّي (88 عاماً) ونادرة حايك (78 عاماً)، إضافة إلى عاملة منزل تُدعى بيركي نيغيسا كانت تعمل لدى الزوجين، و4 مدنيّين آخرين.
مشهد ثانٍ: في 25 فبراير الماضي، طالبت منظمة العفو الدولية بالتحقيق في هجومين إسرائيليّين على حيّين سكنيّين في بيروت، عام 2024، أوديا بحياة 34 مدنياً وأصابا 23 آخرين بجروح، كـ"جريمتَي حرب": الأول استهدف حيّاً سكنياً في منطقة الجناح، في 21 أكتوبر 2024، والثاني استهدف مبنى سكنياً من 12 طابقاً في حيّ النويري، في 26 نوفمبر 2024.
وأشار تقرير المنظمة إلى أن القوات الإسرائيلية لم تصدر، وفق ما توصل إليه التحقيق، أيّ تحذير بإخلاء حيّ الجناح في تاريخ الغارة، رغم أن الموقع يقع على بعد نحو 50 متراً من مدخل مستشفى رفيق الحريري الجامعي، وعلى مسافة تقارب 350 متراً من مبنى وزارة الصحة العامة.
مشهد ثالث: في 11 مارس الفائت، أودت غارة إسرائيلية، إستهدفت منطقة عرمون في جبل لبنان، بحياة محمد شهاب (37 عاماً)، ابن بلدة برعشيت الجنوبية، المصوّر الذي كان وثّق صوراً لشقّة والدَي علي شرّي، في إطار عمله مع منظّمة العمارة الجنائيّة، مع ابنته تالين البالغة من العمر 3 سنوات. وكان شهاب يملك أهمّ شركة تصوير بتقنية "الدرونز" في لبنان، وارتبط اسمه أيضاً بتوثيق نشاطات الجيش اللبناني، إذْ تولّى تصوير تدريبات عسكرية ومناسبات رسمية، الأمر الذي جعله من الأسماء المعروفة في التصوير العسكري والإعلامي.
أما زوجته ناتالي، فأصيبت بنزيف في الفترة الأولى، ومن ثم توقّف قلبها لثوانٍ قبل أن ينعشها الأطباء، إذْ أدّت الإصابة إلى تقطّع أوردة وشرايين قلبها. توقف النزيف، لكنّ الكسور برجليها تحتاج إلى مسار علاجي طويل يمكن أن يمتدّ لسنوات بكلفة مالية كبيرة للغاية، فقد تُشفى، لكنّها بالتأكيد قد لا تُشفى من خسارة زوجها وابنتها الوحيدة. وقد أبرز هذا الهجوم، الذي وقع في ظروف مشابهة لتلك التي استهدفت مبنى عائلة شرّي، إستمرار وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، بما في ذلك ضدّ المدنيّين.
شرّي: مقاضاة إسرائيل
وما بين مضامين المشاهد الثلاثة، وخصوصاً الثالث منها، تقدّم الفنّان التشكيلي والمخرج اللبناني- الفرنسي علي شرّي، الى جانب الإتحاد الدولي لحقوق الإنسان، يوم الأربعاء الفائت، بشكوى مصحوبةً بالإدّعاء المدني أمام قطب الجرائم ضدّ الإنسانيّة لدى المحكمة القضائية في باريس.
وقد قُدّمت هذه الشكوى ضدّ مجهول، وتندّد بقصف نفّذه جيش الاحتلال الإسرائيلي، إستهدف ممتلكات ذات طابع مدني، وهو ما قد يشكّل "جريمة حرب" بموجب القانون الجنائي الفرنسي والقانون الدولي الإنساني، بحسب تأكيد مصادر حقوقيّة. وذلك، إستناداً بشكل خاصّ إلى أعمال إعادة البناء الرقمي، التي أجرتها منظمة العمارة الجنائية، فضلاً عن توثيق منظّمة العفو الدولية، ما يبرز الطابع المتعمّد للهجوم ويثبت مسؤولية الجيش الإسرائيلي عنه.
وبين رحايا العدوان الإسرائيلي والصمت الدولي، صرّح علي شرّي قائلاً: "بصفتي إبناً ومواطناً وضحية، فإنّ واجبي هو السعي إلى الإعتراف بهذه الجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بوصفها جريمة حرب، حتى تتمّ محاسبة المسؤولين عنها، من أجل والديّ ومن أجل جميع المدنيين الذين قُتلوا في ذلك اليوم"، مضيفاً: "قد لا تستطيع العدالة إعادة الحياة إلى من فقدنا، لكنّ المطالبة بها تعني رفض أن يؤدّي الإفلات من العقاب إلى إزهاق أرواح أخرى". علماً أن شرّي إستند في دعواه إلى التقرير الصادر عن منظّمة العفو الدولية، في فبراير الماضي، والذي أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يوجّه أيّ إنذار مسبق قبل استهداف المبنى، كما لم يحدّد أي هدف عسكري للغارة قبل وبعد تنفيذها. وتوصّلت المنظمة إلى أنّ الغارة انتهكت القانون الدولي الإنساني، وينبغي التحقيق فيها باعتبارها "جريمة حرب".
إستهداف المدنيّين: "جريمة حرب"
وفي الإنتظار، تجدر الإشارة الى أن حرب الـ66 يوماً، والتي انتهت باتفاق 27 نوفمبر 2024، خلّفت هذه عواقب مدمّرة على السكان والبنية التحتية المدنية، وأودت بحياة أكثر من 4300 شخصاً، عدا عن إصابة الآلاف بجروح. وقد تميّزت، من بين أمور أخرى، بشنّ ضربات متكرّرة على مناطق سكنيّة مدنية، برّرتها السلطات الإسرائيلية، بحسب مزاعمها، في إطار استهداف عناصر "حزب الله" ومنشآته. كما تجدر الإشارة الى أنه، وحتى تاريخ اليوم، لم تُفتح أيّ إجراءات قضائيّة، لا في لبنان ولا في الخارج، بشأن هذه الهجمات، ما يجعل شكوى علي شرّي "أوّل مبادرة تهدف الى عرض الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية أمام السلطات القضائية، حيث كان المدنيّون أولى الضحايا"، بحسب رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر.
أمّا كليمانس بكتارت، محامية شرّي ومنسّقة مجموعة العمل القضائي لدى الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، فأكدت أنه "يتعيّن على القضاء الفرنسي أن يضمن عدم إفلات هذه الجرائم من العقاب، وأن يكفل ملاحقة مرتكبيها، لا سيّما عندما يكون من بين الضحايا مواطنون فرنسيّون".
مع الإشارة هنا الى أن ازدواجيّة الجنسية الفرنسية- اللبنانية لعلّي شري، وبحسب تأكيد المصادر الحقوقيّة، يتيح للسلطات القضائية الفرنسية النظر في قصف الشقة التي كان يملكها، وإنْ كان هذا القضاء غير معنيّ بالتحقيق بوفاة والدايه لكونهما لا يحملان الجنسية الفرنسية.
وفي الإنتظار أيضاً، سجّل عدّاد الحرب الحالية، في آخر تحديثاته، 1345 شهيداً و4040 جريحاً، فيما لا تزال خريطة لبنان تتحوّل، بقنبلة الإخلاء الفراغيّة، إلى نقاط حمر متنقلة، يتلاعب بها الإسرائيلي كعامل ضغط على الدولة بأرضها وناسها.. أما من بوّابة باريس، فيبقى السؤال معلّقاً لأجل غير مسمّى: هل أن فتح تحقيق من قبل وحدة جرائم الحرب في فرنسا، في حال حصوله، قد يشكّل سابقة في ملاحقة الإنتهاكات المرتكبة في لبنان أمام محاكم أوروبية؟ وبالتالي، هل تتحقّق العدالة المفقودة في جرائم ارتكبتها إسرائيل في لبنان؟
