دلة الجارات
29 مارس 2026
29 مارس 2026
عندما كنت أخرج من البيت لأركب باص المدرسة في طفولتي، أجد الجارات قد بدأن يتوافدن على الزاوية التي اخترنها؛ جدار بيتنا الخارجي. فرشن حصيرا وجاءت كل واحدة بما تيسر ليرافق (دلة القهوة). وإذا لم يتسنَّ لإحداهن إعداد الفطور دخلت دكان (أبوبكر) الملاصق لبيتنا؛ لتأتي ببعض اللبن تسقي به خبزات متبقية من عشاء الليلة الماضية.
قبل سنوات خرجت مع مجموعة نسائية لإحدى القرى العمانية لتأدية واجب، ورأيت ذات المشهد لنساء القرية. كنت حينها قد وصلت للوظيفة الحلم؛ أن أكون على رأس مؤسسة، وفي ذات الوقت أمثل بلادي في منظمة دولية، ولدي هذا العمود الأسبوعي وبرنامجا إذاعيا بالإضافة إلى أدوار حياتية أخرى. أذكر بأنني تنهدت وهمست للسيدة بجانبي:
«كم أغبط هؤلاء النسوة على وضوح معاركهن؛ همومهن اليومية، المتصلة بتفاصيل الحياة؛ من مستقبل الأولاد إلى تدبير شؤون البيت، حتى اختيار قماش العيد كان يبدو كحدث يحتفي بالبهجة، بعيدا عن تعقيدات المؤسسات وصراعات الهوية المهنية».
تمنيت حينها لو أصل إلى مرحلة أستطيع فيها التوقف عن العمل بهذه الوتيرة، لكنني أدركت معضلة كبرى: أن العمل والحركة والإنتاج قد أصبحت هي «هويتي». في اللحظة التي أجد فيها نفسي وقد أنهيت مهام اليوم، يراودني شعور بـ«عدم الجدوى» مقرونا بشعور بالذنب كوني أضيع الوقت بدون هدف وبدون عمل. يبدو أنها صفة ملازمة للمرأة الناجحة اليوم؛ تلك التي لا تعرف كيف تفصل قيمتها الذاتية عن قائمة مهامها المنجزة.
لقد أصبحنا أسرى لفكرة أن «الراحة» هي مرادف لـ«التقصير»، وأن الجلوس دون خطة هو «هدر» للعمر. تلك النسوة على الحصير القديم لم يكنّ يملكن جداول أعمال مكتظة، لكنهن كُنّ يملكن شيئا أثمن: القدرة على «الحضور» الكامل في اللحظة، دون أن يطاردهن شبح الإنجاز القادم. كُنّ يمارسن «عدم العمل» بفطرة مدهشة؛ حيث الحكاية هي الهدف، ورفقة اللبن والخبز هي تمام الكفاية.
أما نحن ففي ذروة نجاحنا نجد أنفسنا نفتقد مهارة «السكون». أتساءل: متى تحولت حياتنا من رحلة نعيش تفاصيلها إلى سلسلة من الأهداف التي يجب «قهرها»؟ وهل استبدلنا براحة البال التي كانت تجسدها دلة قهوة الجارات سباقا محموما لا نهاية له؛ فقط لكي نثبت لأنفسنا وللعالم أننا «موجودات»؟
ربما الحكمة التي نحتاجها اليوم هي في شجاعة «التوقف»؛ أن نجرؤ على الجلوس فوق ذاك الحصير الروحي، لنكتشف أننا نستحق الراحة لمجرد كوننا بشرا، لا لأننا أنجزنا عملا ما. لقد علمتني ذكراهن أن النجاح الحقيقي قد لا يكون في الوصول إلى قمة المؤسسة، بل في القدرة على شرب قهوة الصباح ببال خالٍ من «عدم الجدوى»، وقلب ممتلئ بالسكينة.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية
