خيار إيران «النووي»
25 مارس 2026
ترجمة: أحمد شافعي
25 مارس 2026
ثمة داعيان واضحان لامتلاك سلاح نووي. الأول هو السيطرة على الجيران غير المسلحين نوويًا أو إرهابهم وإرغامهم على الخضوع خوفًا من الاحتراق على أيدي من يملك هذا السلاح.
والثاني داعٍ دفاعي، يتمثل في ردع عدو أقوى تُخشى مهاجمته وإقناعه بأن ثمن الانتصار على مالك السلاح النووي سوف يكون باهظًا إلى حد رهيب، ودافع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران هو الخوف من السيناريو الأول، أي أن تعاد صياغة الشرق الأوسط بقوة ابتزاز نووي إيراني. لكن الصراع الجاري حتى اليوم جعل السيناريو الثاني هو الأرجح احتمالًا، إذ أظهر أن إيران تمتلك بالفعل نوعًا من الرادع شبه النووي، وقدرة على التهديد الحقيقي بدمار شامل قد يفرض قيودًا على ما يمكن أن يخاطر به خصومها في حدود المعقول.
خلافًا لحال كوريا الشمالية، لا يمتلك النظام الإيراني درعًا من رؤوس نووية يتقي به أمريكا ويبقيها على مبعدة منه. لكن لديه قوة تصعيدية لم تكن متاحة لصدام حسين ومعمر القذافي في صراعيهما المصيريين مع الولايات المتحدة.
فإغلاق مضيق هرمز، والضرر الناجم عن ذلك بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، هو الخطوة التصعيدية الكبيرة الأولى. والتهديد بالمضي إلى تدمير البنية الأساسية الأكبر حجمًا في الخليج العربي، من مصافي النفط إلى محطات تحلية مياه البحر، هي الخطوة الثانية التي لا يتم اللجوء إلى استعمالها إلا في الحالات القصوى، وعلى سبيل العمل الانتحاري، لكنها تبقى تهديدًا قويًا من النظام إذ يواجه هزيمة وجودية.
والمشكلة المركزية في استراتيجيتنا هي أنها وضعت الحكومة الإيرانية في هذا الوضع المحدد الذي باتت فيه مهددة تهديدًا وجوديًا، من خلال حملة اغتيالات ترمي إلى تغيير النظام، دون أن تتحقق حتى الآن الثورة السياسية المنشودة. وطالما بقي النظام قائما، وطالما بقيت الحرب مستمرة، فبوسع الحكومة الإيرانية أن توجه تهديدات كارثية حقيقية، لأننا نحن الذين وضعناها بأنفسنا في موقف تكون فيه التهديدات الكارثية منطقية.
ولم يكن هذا هو الحال في ضربات أمريكية أسبق لبرنامج إيران النووي. ولا كان ليصبح الحال هكذا لو اكتفينا بضرب بنيتها الأساسية العسكرية. لكن هذه نتيجة حتمية لجهود اغتيالات القادة التي أمدت النظام المستهدف بكل حافز إلى اتخاذ خطوات متطرفة بل خطوات ترقى إلى المستوى النووي، وكانت لتبدو في سياق آخر خطوات منافية للمنطق.
وبالطبع ثمة حدود للتشبيه النووي؛ فمقدرة إيران على إحداث الدمار لا تعتمد على سلاح واحد يستعمل للتدمير الفوري وإنما على مجموعة من القدرات الموزعة ذات التأثيرات المركبّة، من منصات إطلاق الصواريخ إلى السيطرة المادية على الأراضي المحيطة بمضيق هرمز.
ويستغرق سلاح مضيق هرمز وقتًا ليكون محسوسًا، ومنصات الصواريخ ضعيفة أمام القوة الجوية، ومن ثم فمن الممكن تقليص قوة الردع الإيراني عبر إنهاكها. ويمكن تدمير الأسلحة، كما يمكن الاستيلاء على الأرض، وفي لحظة ما يمكن نظريًا لمزيج من الخطوات العسكرية غير الوجودية أن يجعل التهديد الوجودي ممكن الإدارة، ويخفف من الضرر الاقتصادي المحتمل، ويقلص قدرة إيران التصعيدية.
هذه هي الحرب التي يريد بعض الصقور من إدارة ترامب أن تخوضها، بقوات برية وقوات محمولة تحقق بدرجات متفاوتة ما لا يمكن تحقيقه على الفور. والمثير في الأمر هو وجود توافق بين الصقور وبعض منتقدي الحرب ممن يذهبون إلى أنه إذا لم ترغب الولايات المتحدة في القتال بهذه الطريقة ـ أي إذا لم نجعل قوات من المارينز الأمريكية تستولي على أراض محيطة بالمضيق، وإذا لم نقض نهائيا على التهديد الإيراني بإضرام النيران في الخليج العربي ـ فسوف يكون لزاما علينا أن نقبل بهزيمة تاريخية، تخرج منها إيران وقد تحققت لها الهيمنة الإقليمية، شأن بول أتريديس في رواية وفيلم «الكثيب» إذ أصبح الإمبراطور بعد تهديده بتدمير مادة أراكيس والقضاء على الحضارة في المجرات.
وإنني أشك بعض الشيء في أن إيران توشك أن تصل إلى لحظة بول أتريديس؛ فما من قائد إيراني يمتلك الشخصية النفسية المشيحانية (في حدود ما أعلم)، كما أن القوات الإيرانية التقليدية ليست بالجيش القادر على الغزو التام، والجغرافيا السياسية لا تعمل في العادة على طريقة حبكات الخيال العلمي. والجميع يعلمون أن كيم يونج أون يمتلك القدرة على إحراق المنطقة كلها، لكن هذا لم يجعل من كيم إمبراطورًا مطلقًا على آسيا، إنما جعل من الصعب الهجوم على النظام الحاكم في كوريا الشمالية.
وبالمثل، في حال تراجع الولايات المتحدة عن حملة الاغتيالات ورجوعها إلى الدبلوماسية، فإن تهديدات إيران للمنطقة وللاقتصاد العالمي ستصبح أقل مصداقية مما تكون عليه حينما يكون ظهرها إلى الجدار. وسوف يستمر التفوق العسكري الأمريكي قائما، بما يعني أننا سوف نكون قادرين على تجديد آلام إيران في حال محاولتها إدامة الابتزاز الاقتصادي. أما عزم إيران على تهديد جيرانها بالكوارث فمن المرجح أن يزيد من عزلتها بعيدة المدى أكثر مما يشجع أولئك الجيران على الانضواء تحت لواء الجمهورية الإسلامية.
ولا أقول بهذا إن خفض التصعيد سوف يكون بلا ثمن تدفعه الولايات المتحدة، أو أن الاتفاق على هدنة بدون تغيير للنظام لن يمثل هزيمة محدودة للقوة الأمريكية. لكن على العكس مما يراه منتظرو نهاية العالم، فإن أمريكا قوية وحصينة بالقدر الكافي لاستيعاب خيبة أمل استراتيجية. والسماح للرئيس ترامب بترويج خيبة الأمل هذه باعتبارها نجاحًا مؤزرًا قد يكون أمرًا مقبولًا إذا لم يكن البديل هو الهجوم الخاطف الذي كان يرجوه رجاء واضحًا وإنما حرب برية في آسيا تجري في ظل انهيار اقتصادي عالمي.
روث داوثات من كتاب الرأي في ذي نيويورك تايمز منذ عام 2009
الترجمة عن ذي نيويورك تايمز
