كيف تظهر حرب إيران عدم أهمية أوروبا ؟
25 مارس 2026
25 مارس 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
لقد أشعلت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا إقليمية أخرى خطيرة وقصيرة النظر، محكوم عليها في نهاية المطاف بأن تكون نتائجها عكسية على الجميع.
وعلى عكس إسرائيل، قد تكون الولايات المتحدة مستعدة للرضا بتقليص كبير ودائم لقدرات إيران النووية والصاروخية، وقدرات حلفاء طهران، وخاصة حزب الله.
إذا وصل الأمريكان إلى مرحلة يعتقدون فيها أن ما يكفي من هذه القدرات قد دُمّر لتحييد أي تهديد لإسرائيل لعدة سنوات قادمة على الأقل، فقد يرضون بنهاية «مخففة» مع نظام ديني آخر.
لكن بالنسبة لإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، المستفيد الوحيد المحتمل من الحرب، فهذه معركة أكبر بكثير.
إن القضاء على النظام الإيراني يهدف إلى ضمان هيمنة إسرائيل الإقليمية. والهدف النهائي ليس مجرد إنهاء نظام معادٍ لطالما مثّل عقبة أمام مشروع إسرائيل الديني المتطرف. بل يتجاوز ذلك بكثير، إذ يهدف إلى إعادة إنشاء «الأرض الموعودة» التوراتية، المعروفة أيضا باسم إسرائيل الكبرى، على أرض الواقع.
هناك إجماع واسع بين المحللين وخبراء العلاقات الدولية والإعلاميين والسياسيين من مختلف الأطياف على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دُفع إلى هذا الصراع، بعد أن خدعه نتنياهو وتلاعب به لشن حرب أخرى في الشرق الأوسط.
في المقابل، يرى مراقبون آخرون أن الحرب تدور رحاها على رقعتين جيوسياسيتين مختلفتين، رقعة إقليمية تتمثل في حملة إسرائيل ضد إيران، وأخرى عالمية تتمثل في الصراع على الهيمنة بين الصين والولايات المتحدة - لكل منهما منطقها وتوقيتها وأهدافها وأولوياتها الخاصة.
ووفقًا لهذا الرأي، فإن هدف واشنطن الحقيقي ليس إيران، بل الصين، إذ تسعى إلى تجريد بكين من حليف آخر وركيزة أساسية، بعد انهيار فنزويلا.
بالنسبة لأوروبا، تُعدّ هذه إهانة أخرى، تُضعف دول الاتحاد الأوروبي وتُهمّشها أكثر، فمنذ البداية، كانت هذه الدول مُهيأة للمعاناة من هذا الهجوم المشترك بطرق عديدة، بما في ذلك الضربات الانتقامية المباشرة من إيران على أراضيها، وتضخم أسعار الطاقة، والتهديدات التي تُحدق بازدهارها الاقتصادي وأمنها القومي، ومخاطر الإرهاب، واحتمال حدوث موجة هجرة جماعية أخرى تُزعزع استقرارها.
سرعان ما انجرّت هذه الدول إلى الحرب رغما عنها، دون أن تُبلّغ حتى بالهجوم الوشيك، وبسبب الصدمة الواضحة والخوف من ردود فعل ترامب القاسية، انخرطت هذه الدول في البداية في محاولة موازنة مُحرجة، مُرددةً الدعوات المُعتادة الفارغة إلى «خفض التصعيد»، وحماية «سلامة المدنيين»، وإيجاد «حل دبلوماسي». لم تُدن هذه الدول الهجوم على إيران ولم تُؤيده.
كان البيان الأولي الصادر عن قادة الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) مخزيا ومتسماً بالنفاق، إذ قلب الواقع رأسا على عقب، محملاً إيران وحدها المسؤولية - الدولة المستهدفة - دون أي كلمة تدين المعتدين، الولايات المتحدة وإسرائيل، أو حتى شرعية الحرب.
وبدا الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، مبتهجا بالهجوم. وفي مقابلة تلفزيونية، بدا منفصلاً عن الواقع، إذ كانت الصواريخ الإيرانية تضرب دول الخليج العربي بالفعل، فزعم أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية «تجعلنا جميعا أكثر أمانا»، مشيرا إلى أن «العديد من القادة الأوروبيين» الذين تحدث معهم كانوا «مسرورين للغاية بهذا العمل».
أما رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، غير المنتخبة ولكنها تتمتع بنفوذ واسع، ونائبتها كايا كالاس، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، فلم يبدو أن لديهم ما يقولونه عن القانون الدولي أو مسؤولية الولايات المتحدة وإسرائيل عن شن هذه الحرب.
وبدلاً من ذلك، وبأسلوب يُذكّر برواية جورج أورويل «1984»، حمّل القادة الأوروبيون إيران مسؤولية «هجماتها المتهورة والعشوائية» و«زعزعتها للاستقرار» في المنطقة، ودعوا طهران إلى وقف جميع الضربات فورا، متجاهلين عمدا حقيقة أن هذه الضربات كانت ردا دفاعيا بحتا على العدوان الإسرائيلي الأمريكي.
وبذلك، أنكر القادة الأوروبيون بشكل قاطع حق إيران في الدفاع عن النفس. ولا ينبغي أن يكون هذا الموقف مفاجئا، إذ لطالما تشارك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) هدف إنهاء النظام الإيراني -أو على الأقل تجريده من سلاحه ودفاعه- الذي لطالما اعتبروه تهديدا للنظام الإقليمي، وخطرا وجوديا على إسرائيل.
وفي هذا الصدد، كانوا متحالفين تماما مع إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين يعتمدون عليهما لتنفيذ «مهامهم القذرة». وبالفعل، وبعد تردد وجيز، سمحت فرنسا وبريطانيا للولايات المتحدة باستخدام مجالهما الجوي وقواعدهما العسكرية كجزء من الحملة ضد إيران.
مع ذلك، على الأقل في الوقت الراهن، لا بد من الإقرار برفض حقيقي -وبإجماع حتى الآن- من جانب الدول الأوروبية للانجرار أكثر في هذه الحرب، ومقاومة مساعي ترامب لحشد مساعدتها في إعادة فتح مضيق هرمز، وسط تصريحات منسقة جيدا بأنها ليست حربها. كل هذا يشير إلى اتفاق مستقبلي مع النظام الإيراني الجديد.
لكن هذا التأكيد الأوروبي المتأخر، وإن كان موضع ترحيب، لا يعدو كونه مقاومة سلبية هدفها تقليل الأضرار والحفاظ على الذات، بدلًا من معارضة حازمة. كما أنه لا يُخفي ما ظهر جليا للعالم أجمع، ولا سيما دول الجنوب العالمي وهو خسارتها الفادحة للنفوذ والمكانة.
أظهرت أوروبا مرة أخرى أنها لا تزال عاجزة -وغير راغبة- عن التصرف كقوة متوسطة قادرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. لم يعد بإمكان دول الاتحاد الأوروبي إخفاء ضعفها وعجزها وجبنها ونفاقها، لا سيما فيما يتعلق بقيمها الأخلاقية والحضارية المعلنة، كحقوق الإنسان العالمية.
وقد أدى ذلك إلى مزيد من الضرر لسلطتها الأخلاقية ومصداقيتها، وهي نتيجة حتمية عندما تُبدي دولة ما فرحًا بحروب اختيارية، وتتخلى بسهولة عن مبادئها المزعومة، ولا تُعرب عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين إلا إذا كان من شعوبها أو شعوب الدول الحليفة، متجاهلةً الضحايا الإيرانيين الذين لا يُحصى عددهم. وحتى بعد الإبادة الجماعية في غزة، تمكن الاتحاد الأوروبي من مضاعفة دعمه غير المشروط لإسرائيل، أسوأ دولة مارقة استعمارية على وجه الأرض، في وقت يحكمها فيه متعصبون دينيون.
بينما يُبدي قادة الاتحاد الأوروبي أسفهم على انهيار «النظام العالمي» الذي ساد بعد الحرب أو بالأحرى، «إجماع واشنطن»، فإن دموعهم دموع تماسيح، فهم أنفسهم من بين المتسببين الرئيسيين في التخلي عن حقوق الإنسان العالمية، سواء في الداخل أو الخارج. وتتجلى بوضوح تورطهم في الإبادة الجماعية في غزة وجرائم الحرب الإسرائيلية المتواصلة.
يكاد يكون من المستحيل حصر الأمثلة الكثيرة، حتى في التاريخ الحديث، التي خانوا فيها هذه المبادئ، متجاهلين إياها كلما سنحت لهم الفرصة، ومتغاضين عن أهم وأقدس جوانب سيادة القانون، كاحترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية. انطلاقا من التصريحات الأخيرة لقادة مثل ميرز، الذي يؤكد أن الوقت «ليس مناسبا لتوجيه اللوم لحلفائنا»، وفون دير لاين، التي تدعو إلى سياسة خارجية «أكثر واقعية» (وهو تعبير مجازي يعني ببساطة تجاهل القيود المُحرجة كالقانون الدولي)، يبدو أنهم يتجاهلون هذه القيم علنا بدافع من المصالح الشخصية والضعف والنفاق.
فقد الاتحاد الأوروبي، تقريبا كما هي الحال مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الحق في التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان ونهاية النظام العالمي «القائم على القواعد» الذي ساد بعد الحرب، إذ ساهموا بشكل مباشر في انهياره.
