الهوية الوطنية في مسلسلي القافر والمديونير
25 مارس 2026
25 مارس 2026
يحتل الإعلام المرئي ممثلا في التلفزيون دورًا مفصليًا في توجيه رسائل الهوية الوطنية التي ينبغي أن تظهر التماسك المجتمعي. تلك الرسائل سواء كانت بصورتها الحقيقية أو من نسيج الخيال، فإن لها تأثيرًا مباشرًا في تغيير السلوكيات والثقافات والعادات السائدة في المجتمع.الجهات المسؤولة عن الإعلام لها أهداف ترمي لتحقيقها من عرض المسلسلات العمانية التي عادة تشخص الحالة الاجتماعية السائدة وتكون تلك المسلسلات بمكانة رسائل لأفراد المجتمع تنبه عن مخاطر وأضرار تلك الحالات أو السلوكيات المجتمعية. بيد أن المشكلة تكمن في كيفية تصوير تلك الحالة المجتمعية وطريقة تمثيلها بحيث تنقل الواقع الذي يتوافق مع قيم المجتمع.
وإن كنت لست متابعًا وملمًا بالمسلسلات المحلية إلا ما ندر، ولكن شاءت الظروف أن أشاهد أغلب حلقات المسلسل العماني «القافر» الذي تم عرضه على تلفزيون سلطنة عُمان في شهر رمضان المبارك لهذا العام.
المسلسل عبارة عن اقتباس لرواية تغريبة القافر للكاتب العماني زهران القاسمي الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر للعام (2023).
القافر مسلسل يسرد رواية من التاريخ في أبهى صورها تمتزج فيها علاقة الإنسان العماني بالماء حيث بوجوده يزيد الزرع من الثمار والنخيل وتخضر الأرض وتزدهر الحياة. كلمة «القافر» مصطلح عماني يطلق لمن لديه الحدس في تقفي أماكن تواجد الماء في باطن الأرض». الماء في بعض الولايات العمانية كان السبب الرئيس في هجرة العمانيين إلى شمال أفريقيا بحثا عن العمل والرزق خاصة في فترات «المحل» وهو المصطلح الذي يطلق عندما تمحل أو تجف الآبار والأفلاج التي هي شريان الحياة في محافظات الداخلية وشمال الشرقية.
القافر نموذج درامي يصور حياة العمانيين في القرى البسيطة ذات البيوت الصغيرة تلك الحياة من أجمل ما يميزها هو التقيد بالعادات العمانية المتمثلة في التعاون والترابط الأسري أثناء الأفراح والأتراح، كما أن ترابطهم الاجتماعي حافظ على التقيد باللباس العماني المحتشم.
المسلسل أعاد نموذجًا لمراسم الزواج والأعراس في البيئة العمانية المتسمة بالحشمة واتباع الطرق الصحيحة عند الرغبة في الزواج مع تصوير الحياة الزوجية التي تقوم على التعاون والألفة ومجابهة المشاكل بروح من المسؤولية بعيدا عن التصنع والتكلف في غلاء المهور والذي أصبح العائق الأكبر في تيسير الزواج في الوقت الحالي على الرغم من الدعم الذي تقدمه الحكومة إلا أنه يتجه للغلاء الفاحش مما يصبح عبئا على الحياة الزوجية من قبل ومن بعد.من المشاهد التي عرضها المسلسل محاولة توجيه البوصلة نحو الاحتكام إلى مبادئ الدين الإسلامي في الحياة اليومية وإرشاد أفراد القرية بالحكمة والموعظة الحسنة عند مخالفتهم للصواب أو أتباعهم سلوكا يتنافى مع الهوية الوطنية وتقاليد المجتمع وقيمه الأصيلة. الإرشاد الديني لم يتوقف حتى مع الأهالي الذين أصابهم الطمع والجشع وحب المال ولكن يتم وعظهم بطريقة مثلى تدل على الإيثار وحب الخير للآخرين وقول كلمة الحق مهما كانت الظروف والمواقف. أيضا تجسد الإرشاد في تكرار بعض المشاهد عند الحديث عن الزكاة وتحديد الأشخاص المستحقين لها والاهتمام بإخراج الزكاة من الجميع ويأتي في مقدمتهم شيخ القبيلة.
القافر رسم أحداثا قد تكون واقعية في الزمن الغابر من حيث تسلط من بيده مشيخة القبيلة، بحيث تكون له الكلمة الفصل والتحكم في أمور القبيلة والسيطرة على التجارة وتحقيق المآرب الشخصية على حساب مصلحة أفراد القبيلة.
تحكم الشيخ كان واضحا في مشاهد كثيرة من حيث تطاوله على الأهالي واتخاذ القرارات والأحكام وإن كانت غير عادلة. هذا التصور في أحيان كثيرة يصل إلى التخلص من الخصوم والاعتداء عليهم جسديا أو تسليط أحد أفراد رعيته في التخلص منهم. ولكن في المقابل كان هناك من أعيان القبيلة وأصحاب العلم والحلم يقفون بقوة ضد مآرب الشيخ التي يسعى للحصول عليها دون وجه حق، وإن لم يتراجع عن مطالبه التي تتعارض مع مصالح القبيلة والأهالي، فهناك من يتحداه بالذهاب للحصن أو الاحتكام للوالي.
في مقابل ذلك، ظهر مسلسل «المديونير» الذي تم عرضه في شهر مارس من العام (2025) عبرة تلفزيون سلطنة عُمان. مسلسل المديونير من خلال اسمه، يحاول استعراض فئة من أفراد المجتمع تحاول الانتماء لطبقة الأثرياء الذين ينجرفون وراء المادة عن طريق التمويل البنكي وبذلك دائما يكونون في أزمات مالية وحياة عائلية غير مستقرة.
مسلسل المديونير طرح رواية ممزوجة بتيارات التقليد العابر للحدود حيث تجاوز المسلسل جوهر السمت العماني بطغيان الانفتاح غير المتوازن مع الخصوصية العمانية. لقد صور المسلسل أنماطا من الحياة الدخيلة على البيئة العمانية عند تناول السعي نحو الزواج ومحاولة لقاء العاشق الهائم بمعشوقته في الأماكن العامة وفي المقاهي. هذه المشاهد وإن كانت في طياتها ترسم هجوما بدأ يطفو على البيئة العمانية، إلا أن تناول المسلسل لتلك المشاهد وبتلك الأحداث ترسم صورة سلبية لقيم المجتمع. تكل الأحداث أيضا قد تتصادم مع المشاهد غير العماني والذي - على أقل تقدير- يرسم صورة ذهنية بأن المجتمع العماني مجتمع محافظ وهناك عادات متجذرة فيه قبل الشروع في إجراءات الزواج بعيدة عن تلك التي رسمها المسلسل في بعض المشاهد.
كما أن المسلسل وإن حاول إبراز بعض المشاهد في وجود «الخيانة الزوجية» فإن التعاطي الإعلامي بهذه الطريقة يعمل على تشويش الصورة الذهنية السائدة في المجتمع التي تقوم على التمسك بقيم الدين الإسلامي، وبالتلي وإن كانت هناك حالات للخيانة الزوجية في المجتمع فهي نادرة ولا ينبغي تعميمها في مشاهد مسلسلية يشاهدها القريب قبل البعيد.
أيضا ظهور بعض الممثلات في مشاهد من الزينة المبالغ فيها واللباس الذي لا يتسق مع النسيج العماني والهوية الوطنية، فإنها مشاهد غير إيجابية وضررها أكثر من نفعها.
كما أنها تعكس استيرادا لمشاهد فنية أصبحت غير محببة في بعض المسلسلات العربية والانسياق إليها - بدواعي التحضر والتمدن - ينبغي ألا تسود في المسلسلات العمانية.
مسلسل المديونير لعله دراما فنية حاول استنساخ بعض المسلسلات العربية التي كنا نشاهدها ونحن «صغار» والتي يغلب عليها الصورة النمطية لطريقة بناء العلاقات الزوجية عن طريق اللقاء في المقاهي والنوادي ورسم صورة رومانسية في الحياة الزوجية ومحاولة فهم تطلعات الآخر قبل المضي في مسألة الزواج.
هذا الاستنساخ له أثاره السلبية على المجتمع وعلى الهوية الوطنية التي يحاول الأفراد المحافظة عليها في ظل التيار الزاحف للمدنية الغربية التي انقضت على العادات والتقاليد في بعض البلدان العربية والإسلامية.
قد لا نشك بأن الأفكار والأهداف التي يرمي إليها مسلسل المديونير حاولت رسم قضايا مجتمعية ولكن تناولها بهذه الحداثة تخل بالهدف والمعنى.كما أن المديونير ابتعد كثيرا عن الأصالة العمانية وبالتالي، المشاهد العماني لم يتفاعل معه بدليل أن الحلقة الأخيرة منه التي عرضت على قناة اليوتيوب حصلت على أقل من مائة ألف مشاهدة على الرغم من مرور أحد عشر شهرا من عرض المسلسل.في المقابل فإن مسلسل «القافر» الحلقة الأخيرة بلغ عدد مشاهدتها ما يزيد على مائة وثلاثين ألفا في أقل عن أسبوع من تاريخ عرضها في القناة.نعتقد بأن هناك حاجة لمراجعة الروايات والسيناريوهات والمشاهد التي يتم تحويلها لمسلسلات تعرض على الشاشة العمانية بحيث تكسب تقدير المشاهد العماني وأيضا ترفع من التقييم العام للمسلسل من المشاهد العربي والإسلامي. لا يمنع أن يعمل المسلسل على التفاعل مع قضايا المجتمع بكل تجلياته ولكن بتأصيل المحافظة على الهوية الوطنية عند نقل الرسائل الإعلامية للمشاهد العماني.ونحن لا نتوقع من المسلسلين مشاهد ترسم المدينة الفاضلة الخالية من المشاكل المجتمعية والديون وحب المال والجاه، ولكن الرسالة الإعلامية يجب أن تسلك الطريق الصحيح بأسلوب توافقي مع الهوية الوطنية وقيم المجتمع وعاداته وتقاليده.
