العيد.. فسحة للفرح وانطفاء لأحزان الروح
العيد يختلف في مفهومه من شخصٍ لآخر، ومن مرحلةٍ إلى أخرى، لكن الجميع يشترك في مفهوم واحد، وهو أن العيد ليس مجرد مناسبة عابرة كهواء يعصف بالأشجار الواقفة منذ زمن، بل هو شيء استثنائي يجمعنا تحت مظلته حفاظًا علينا من أمطار الحياة الموسمية والصواعق القلبية.
اعتدنا منذ زمن الطفولة، عندما يأتي العيد، أن نكون أكثر حرصًا على استقباله بترحاب، حتى وإن كانت عقولنا مثقلة بالذكريات الحزينة، والقلوب تؤججها مشاعر الفقد والألم والاشتياق لمن مضى.
هناك حقيقة جلية لا يمكن إنكارها، وهي أن بعض الناس في أجواء الأعياد تتعاظم لديهم المشاعر؛ فمثلما تغدو الأفراح مضاعفة تبدو الأحزان كذلك، وجهان لعملة واحدة، وفي قلب واحد ينبض بالفرح والحزن معًا، ولكن لكل سنفونية وجهتها.
عندما تترنم بعض القلوب فرحًا بأجواء الأعياد وقرب لقاء الأحباب في نطاقٍ محدد، هناك بعض القلوب تتألم من جراء ما وقع عليها من ظلم، أو ما تعانيه من فقدٍ أو غربةٍ وإبعاد. هذه الحقيقة الحاضرة الغائبة، ولكن الله تعالى قادر على تخفيف أوجاع الناس، وأن يلهمهم الصبر والسلوان ويربط على قلوبهم، فيعينهم على تحمل قسوة الحياة وشدتها.
إذن مع وجود "الفقد والغربة" تتضاعف الأحزان، ومع تقدم العمر تغدو ذكريات العيد جزءًا يصعب الهروب منه، فيأتي على شكل أوجاع تنخر في قلب المرء وتجلجل كيانه بالأسى والتعب.
لقد أبهرتني قصيدة لم أتعرف على كاتبها لكثرة الروايات التي تنسبها لعدة أشخاص، وفيها يقول الشاعر:
يا عيد عذرًا فأهل الحي قد راحوا
واستوطن الأرض أغرابٌ وأشباحُ
يا عيد ماتت أزاهير الربى كمداً
وأوصد الباب ما للباب مفتاحُ
أين المراجيح في ساحات حارتنا
وضجة العيد والتكبير صداحُ
الله أكبر تعلو كل مئذنة
وغمرة الحب للعينين تجتاحُ
أين الطقوس التي كنا نمارسها
يا روعة العيد والحناء فواحُ
وكلنا نصنع الحلوى بلا ملل
وفرن منزلنا في الليل مصباحُ
وبيت والدنا بالحب يجمعنا
ووجه والدتي في العيد وضاحُ
أين الذين تراب الأرض يعشقهم
فحيثما حطت الأقدام أفراحُ
ومع فيض الشجن الذي فاضت به أبيات القصيدة السابقة، يبقى لزامًا علينا أن نتحرر من أسر الأحزان وإن كانت واقعًا نلمسه في تفاصيل الحياة؛ فالله تعالى أراد لعباده أن يقبلوا على الحياة بقلوب منفتحة، وإيمان راسخ بحكمته التي استأثر بعلمها، فلا يعلم سر تدبيره إلا هو سبحانه.
فالحزن المطبق سلاح فتاك يقتل خلايا الجسد ويميت القلب، لذا من الواجب علينا أن نقاوم ونستبدل كل مشاعر الإحباط والوجع بتجديد الأمل في النفس، وأن نعي بأن الله جعل لنا أيامًا مباركة تغسل جدران حجرات قلوبنا بماء الصبر، وتخلصنا من إرهاصات الزمن وقسوة الأحداث.
"ومعنى ما تقدّم أن إظهار الفرح في الأعياد ومشاطرة الناس بهجتهم يعدّان من السلوكيات الأصيلة في حياة المسلمين، مهما باعدت بينهم وبين الفرح تقلبات الحياة وقسوة المعيشة، ومهما اتسعت الجراح النازفة في جسد الأمة الإسلامية. ومع ذلك يبقى العيد مساحة للقاء القلوب وتبادل المودة؛ فتجد المسلمين يتبادلون التهاني بقدومه، كلٌّ بما يقدر عليه من طيب القول وحسن الفعل.
كلنا ندرك أهمية الأعياد ومدى تأثيرها في النفوس المسلمة، فهي عطية مجازاة من الله تعالى لعباده جميعًا يتشاركون فيها بعد امتثالهم وتسابقهم في مواسم الخيرات والعبادات، وبعدما سارعوا للتخفف من أعباء الذنوب التي أثقلت الكواهل، وبعدما تزودوا بجرعات عظيمة من الإيمان يتقوّون بها على مواجهة متاعب الحياة بقلوب مؤمنة مطمئنة وراضية.
وحرفيًا، عند قدوم أيام العيد تموج في فضاء النفس خواطر أعياد مضت وشخصيات كانت حاضرة في مجالسنا وأماكن عيشنا، لكنها اليوم أصبحت غائبة عن عالمنا.
ربما نشعر بالفقد قليلًا، لكن إيماننا بالله يجعلنا ندرك بأن كل واحدٍ منا ماضٍ في طريق النهايات، وحتى يحدث الله بعد ذلك أمرًا، علينا ألا نترك أنفسنا لقمة سائغة للأحزان، بل علينا أن نحمد الله أن جعلنا نعيش فرحة العيد بين أحبتنا وأهلنا وذوينا.
