العيد نافذة أخرى على الحياة
عندما نرصد مسيرة عامٍ كامل من الأقدار المتلاحقة التي مرت سريعًا دون أن نشعر، نجد أن الله تعالى قد كتب لنا فيها الكثير من الأحداث التي سرت خواطرنا وأبهجت نفوسنا، وأخرى جعلتنا نشعر بالحزن. وبعضنا حتى اليوم يعتقد بأن ما قد مضى من أحداث هو أمر عادي لا يستوجب إشغال الذات به، لكن الحقيقة أن الله عز وجل وضعها في طريقنا لكي يختبر صدق إيماننا به ومحبتنا لديننا الإسلامي الحنيف، ودفاعنا عن مبادئنا التي تسمو بأنفسنا في كل الأوقات.
كثيرًا ما يضعنا الله تعالى في اختبارٍ صعب، فيسوق لنا بعض الأحداث القاسية والمؤلمة لدرجة أن البعض يظن بأنه لا ملجأ ولا منجى منها، ولكن الله تعالى يخرجنا من ظلماتها إلى النور، ويمنحنا أكثر مما نستحق حتى نشكره ونعبده حق عبادته. وكما يقول الإمام الشافعي: "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج". فالأمر الإلهي يدلنا على استيداع كل همومنا عند الله، فهو الذي بيده مفاتيح الفرج، وما من ضيق إلا ويعقبه سعة.
لهذا جعل الله لنا عيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك، يأتيان إلينا في كل عام ولهما وجوه عدة لمعنى الفرح؛ فالأول يميل إلى الذكر والعبادات والطاعة، أما الثاني فيدعو إلى مواساة الفقير والمحتاج بكثرة الصدقات وصلة الأرحام وغير ذلك.
في بعض السنوات أتى شهر رمضان في ظل ظروف مناخية صعبة، ليختبر الله تعالى قوة الصائمين وطاعتهم وإيمانهم به ومدى صبرهم على تحمل المشقة فيه، ليجزيهم خير الجزاء من عنده سبحانه. ومع انقضاء شهر التوبة والرحمة والغفران يثيب المولى عز وجل الصائمين بفرحة عيد الفطر السعيد، التي تعد مناسبة عظيمة تدخل البهجة في النفوس المؤمنة بالله تعالى.
يقول الدكتور مصطفى محمود –رحمه الله–: "نحن مصنوعون من الفناء، ولا ندرك الأشياء إلا في لحظة فنائها، نشعر بثروتنا حين تفر من أيدينا، ونشعر بصحتنا حين نفقدها، ونشعر بحبنا حينما نخسره، فإذا دام شيء في أيدينا فإننا نفقد الإحساس به".
عندما ودعنا شهر رمضان الفضيل منذ ساعات قليلة، بدا الوداع صعبًا، وسيجدد الشوق نفسه مع انقضاء بعض الأيام على رحيل رمضان، لتظل الذاكرة محمّلة بالكثير من الذكريات الجميلة.
شهر رمضان الفضيل يحمل الكثير من الخيرات للإنسان، ففيه أنزل الله تعالى قرآنه المجيد، وخصه بليلة خير من ألف شهر هي "ليلة القدر"، وفيه عتق من النار وغيرها من الفضائل.
ندرك بأن مسيرة عام كامل لم تكن الظروف فيه متشابهة، ولم تهب رياحه كما نريد ونشتهي؛ فتارة تأتي الأقدار باليسر والفرح والبهجة فننسى كل شيء من حولنا، وتارة أخرى تشتد علينا لجة الحزن والأسى، خاصة عندما نبتلى بالفقد فتنهار نفوسنا من الوجع. وفي كلتا الحالتين هو اختبار حقيقي للإنسان المسلم. فعن أبي يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"، رواه مسلم.
منذ ساعات قليلة ودعنا شهر رمضان الفضيل واستقبلنا أيام عيد الفطر السعيد، هذه الاحتفالية الإسلامية العظيمة التي جعلها الله لنا لقاءً للأحبة واستذكارًا للغائبين عن الحياة.
يقول عالم الدين والفقيه الإسلامي البارز د. علي جمعة: "صلاة العيد تعد مظهرًا من مظاهر الفرحة، ترتفع الأصوات فيها بالتكبير في بهجةٍ وسرور بما أنعم الله على الأمة الإسلامية من توفيقٍ في أداء الفرائض. قال تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. والتكبير هو التعظيم، والمراد به في تكبيرات العيد تعظيم الله عز وجل على وجه العموم، وذلك في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلوهية".
ولهذا تعد الأعياد مظهرًا من مظاهر الفرح والسرور في الإسلام، وشعيرة من شعائره التي تنطوي على حكم عظيمة ومعانٍ إيمانية جليلة. فالإسلام لم يأت ليكون طوقًا حول رقاب معتنقيه، بل كما يقول الفقهاء: "جاء تلبية لحاجة الإنسان الفطرية سواء كانت مادية أو روحية"، وكان مقصده الأسمى في تشريعاته وأحكامه ضبط العلاقة بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وهي علاقة الإنسان الممتدة في الوجود.
نعلم بأن ثمة بيوتًا تبدو اليوم "خاوية" من أعمدتها الصلبة، لكن يظل ذكر الله هو المؤنس للمكان والقلب معًا، فما عتمة الفقد إلا حالة يجب أن ننيرها بذكر الله تعالى والصبر على قضائه وقدره. فكلنا يعلم يقينًا بأن غياب الأحبة، خاصة في المناسبات كالعيد، يترك حنينًا عميقًا في النفس، ويحول العيد إلى ذكرى لمن رحلوا عن دنيانا وأصبحوا تحت التراب، ولكن ليس لنا حيلة إلا الرجاء والدعاء لهم بالمغفرة وأن يكونوا في منزلة عالية وجنة عرضها السماوات والأرض.
ودائمًا ما يردد البعض في كتاباته: "أتى عيد الفطر السعيد، ولنا في القبور أحبة نشتاق إليهم ونشتاق إلى الجلوس معهم، لكن في حضرة الغياب؛ الموت لا يوجع الموتى بل يؤلم الأحياء".
من عجائب القدر أن المناسبات السعيدة لا تستطيع وحدها أن تنسينا شيئًا من أوجاعنا القديمة، فرب قول عفوي يفجر في قلوبنا الوجع القديم، ونستذكر كيف كانت السعادة تملأ أركان البيت بضحكات الراحلين من الأجداد والآباء والأمهات والأبناء. ولكن إرادة الله فوق كل شيء؛ فالله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار.
