No Image
بريد القراء

كيف يدمّر الإنسان ذاته ؟

13 مارس 2026
13 مارس 2026

هناك العديد من الأشياء التي تدمر حياة الإنسان وتحوله من حالة الاستقرار إلى الاضطراب، ولعل أبرز أول تلك المنعطفات والتعرجات الخطيرة والصعبة التي يمارسها بعض الناس على أنفسهم هو انشغالهم الدائم والتام بـ"أحداث الماضي" وما فقدوه من أشياء، سواء كان هذا الشيء ماديًا أو معنويًا.

يحيطون بأنفسهم بأسوار شائكة، لا يكفون عن تأنيب أنفسهم بأسئلة قد لا علاقة لهم بها، وربما كانت الأقدار هي من أوجدتها في حياتهم، لكنهم لا يقتنعون أو يريحون أذهانهم، بل يواصلون مسيرة إحباطاتهم المتكررة، ودائمًا يجلدون أنفسهم بنفس الأسئلة وبنفس العبارات المحبطة.

إن جلد الذات أصبح شيئًا مألوفًا لدى فئة من الناس، تجدهم يسرفون في تخيلاتهم، مستغرقين في وهم لا يجدي نفعًا ولا يعيد ما فقدوه، ومع ذلك يستمرون على هذا النهج، محملين أنفسهم "جريمة لم يرتكبوها".

وهنا تأتي مرحلة التحول التي لا قرار لها، ويصبح أمل خروجهم من أوهامهم صعبًا.

من العجيب أن بعض النوابغ عانوا من هذه الحالة، لكنهم لم يستسلموا بسهولة، ومنهم عبقري الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي، الذي يقول عن نفسه:

"تذكرت كل الماضي الذي هدرته وأسأت استخدامه، فرغبت في الحياة من جديد وفي تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيش عمرًا طويلاً."

الأمر الثاني الذي يعمل على تدمير النفس البشرية هو الانشغال الدائم بـ"الآخرين"، وما أكثر هذه النقطة هذه الأيام!.

تجد الواحد منا يتدخل في أشياء لا علاقة له بها، والعجيب أنه يدرك صدق الحكمة القديمة التي تقول:

"من راقب الآخرين أضاع نصف راحته"، أو كما يقال أيضًا: "من راقب الناس مات همًا"، ومع ذلك يستمر على هذا النهج.

جيش جرار من الشغوفين بمراقبة الآخرين نجدهم في أماكن مختلفة، بعضهم يصاب بحالة من البؤس والتوهان إذا لم يعرف أسرار الكون وخبايا الأشياء المستورة، لا يستكين أو يهدأ دون أن يدخل أنفه في شيء لا يخصه ولا يعنيه.

هذا الفضول البشري أحيانًا يكون حالة مكتسبة من الآخرين، وأحيانًا أخرى يأتي معه منذ ولادته أو من البيئة التي نشأ فيها.

لقد أجمع البشر باختلاف درجات فهمهم للحياة على أن الانشغال الدائم بالآخرين وتتبع أحوالهم ومراقبتهم من مسافة الصفر أو الأمتار القريبة أو البعيدة هو استنزاف للطاقة، وضياع للوقت، وطرد للراحة النفسية، مؤكدين أن الرقي الحقيقي في حياة الناس يكمن في العمل على منح الذات كل الاهتمام والعمل على تطويرها بما ينفعها ويرتقي بقوتها، دون الانشغال بالآخرين.

إذن، كما يقول أحد الناصحين:

"لا تراقب الناس، ولا تتبع عثراتهم، ولا تكشف سترهم، ولا تتجسس عليهم، اشتغل بنفسك وأصلح عيوبها لأنك سوف تسأل عنها وليس عن غيرك."

أما الأمر الثالث المؤذي للإنسان فهو أن البعض يعظم الأشياء ويمنحها اهتمامًا بالغًا، فلا يترك لنفسه الفرصة للانتقال إلى أمور أهم وأفضل.

البعض يشعل في نفسه نيرانًا مستعرة من أتفه الأمور، ويجعل تركيزه قائمًا على نقطة معينة حتى يرهق نفسه ومن حوله، رغم علمه أحيانًا أن كل هذا العناء غير مستحق أو مبرر.

وأخيرًا، نؤكد على حقيقة متعارف عليها عند الأشخاص المتزنين عقليًا، وهي أن أسلحة تدمير الذات تتجسد ببساطة عندما تقف في وجه نفسك، فتمنعها، وتحبسها في ماضيها، أو تعيق طريق تقدمها نحو المستقبل الذي تتمناه. لذا، كن لطيفًا مع نفسك، وامنحها فرص الحياة بهدوء وسكينة، بعيدًا عن تدخلات الآخرين أو الانشغال بالماضي والخوف من المستقبل، وغيرها من الأشياء الأخرى.