No Image
بريد القراء

أهلا بالعيد.. فما أجملك!

19 مارس 2026
19 مارس 2026

صباحٌ جميلٌ تشرق فيه شمس هذا اليوم على عالمنا العربي والإسلامي، شمسُ عيد الفطر الوضّاءة بنور الله، جاءت من السماء إلى الأرض لترسم شعاع الفرح وتزيد النفوس بهجةً وسعادةً وهناءً. يقول أحد الأدباء: "الدعوة إلى الفرح ليست دعوةً لقتل المشاعر كي لا ترى الآلام، وإنما هي دعوة لنرى الصورة كاملة، ونبحث فيها عن الجوانب المشرقة، ولا شك أن جوانب الإشراق موجودة حاضرة، ولا ينكرها إلا جاحد".

ما أجمله من تعبير صادق يدل على أن الإنسان مهما أحاطت به أسوار النَّصَب، وضاقت به الدنيا بما فيها من أوجاع وتحمّلٍ للمشقة، فثمة نور رباني يبثه الله تعالى في القلوب المتعبة لينتشلها من براثن الوجع إلى نور السعادة. وهذا لا يأتي إلا عندما يدرك الإنسان بأن لكل شيء في هذا الوجود حكمة عظيمة، فالله تعالى لا يحمّل النفوس أكثر من طاقتها، ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" صدق الله العظيم.

يسألني أحد الأصدقاء عن مفهوم العيد، وهل تغيّر ما بين وجهٍ قد مضى وآخر يأتي بعد أن تجاوزنا مراحل متقدمة من العمر؟ وكعادة الناس في ردودهم، فإنني أرى بأن الفرح دائمًا ليس مرتبطًا بالعمر، وإنما يظل ذلك الإحساس الداخلي الذي يدفع الإنسان نحو تجديد الطاقات المكبوتة بداخله، خاصة عندما يعتقد بأن قطار العمر قد مضى به دون أن يشعر، وكأن الزمن قد سرق منه بعضًا من محفزات الفرح.

لكن الواقع ليس كذلك تمامًا، فطالما أن الإنسان على ظهر هذه الدنيا، فعليه أن يفتح قلبه للفرح. وما العيد إلا فرصة ذهبية أخرى للتواصل ونسيان المنغصات والتخفيف عما في القلوب، خاصة عندما يلتقي الشخص منا بعزيز عليه أو صديق قديم، يطمئن على أحواله وشؤون حياته ويسأل عن أخباره.

أتذكر كلمة مشهورة قالها الكاتب الراحل غازي القصيبي: "ستُدرك في وقتٍ متأخر من الحياة أن معظم المعارك التي خضتها لم تكن سوى أحداث هامشية أشغلتك عن حياتك الحقيقية". وربما مسألة مرور عقارب الزمن هي واحدة من المعارك التي نخسر فيها الكثير من الوقت دون فائدة.

لذا فإن العيد عبارة عن مسلك يسير من أجل إظهار البهجة في النفوس، وأيضًا تأكيد لمعاني الألفة والمودة التي يجب أن تتسم بها علاقاتنا الاجتماعية مع كل من يعيش إلى جوارنا أو حتى بعيدًا عنا. كما أن العيد يجدد معاني الوصل والتلاقي بين الأرحام وذوي القربى وغيرهم من الناس.

وكما يقال دائمًا: "حين يتبادل الناس التهاني بالعيد فإن الأجواء يغمرها إحساس مفعم بالفرح والبهجة، وتشيع في النفوس المتنازعة دواعي الألفة فتذوب الخلافات، وتخمد نيران الأحقاد المستعرة منذ زمن، ويزول غيظ الصدور وتقلبها على بعضها بعضًا، ولهذا تنتهي الشحناء والبغضاء؛ لأن النفوس تهيأت للصلح والتسامح والعودة إلى رشدها وطريقها الصحيح الذي رسمه لها سبحانه وتعالى".

يقول صاحب جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ: "إذا لاحت بشائر عيد الفطر خفَّت وطأة رمضان عن النفوس، وهوّن الفرح الموعود من جفاف الصوم". وهو بذلك لا يقلل من منزلة الشهر الفضيل، لكنه يؤكد أن هناك فرحة عظمى أعدها الله تعالى للصائمين، وهي قدوم أيام عيد الفطر السعيد.

أما في السيرة النبوية الشريفة وأصحابه فنرى في قول الإمام علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه– حكمة عظيمة عندما يقول: "ألا إن هذا اليوم يومٌ جعل الله لكم عيدًا، وجعلكم له أهلًا، فاذكروا الله يذكركم وادعوه يستجب لكم، وأدوا فطرتكم فإنها سنة نبيكم وفريضة واجبة من ربكم، فيؤدِّيها كل امرئ منكم عن نفسه وعن عياله جميعًا".

إن يوم العيد ليس يومًا عاديًا يمر بدقائقه وساعاته دون تأثير في النفس المسلمة، وإنما تتعمق جل تفاصيله في ذاكرة الإنسان وهو صغير، ثم يكبر وتكبر معه ذكرياته بامتداد الزمن مع العيد. ولهذا فإن الفرحة بالعيد ليست مقتصرة على الأطفال، لكنها تلامس جميع فئات المجتمع وفي مختلف الأعمار. وقد ارتبط العيد بالزينة، قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: «قال موعدكم يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضحى»، قال ابن كثير رحمه الله: يوم الزينة أي يوم عيدهم واجتماعهم، والزينة سبب من أسباب الفرح والحبور.