حماك الله يا وطن
أصدق تعاريف الوطن تلك التي لا يُعبّر عنها بالأقوال، بل بالأفعال المُترجمة على أرض الواقع دون انتظار ثناء أو مكافأة مقابل أداء الواجب المقدس تجاه المكان وساكنه الإنسان والذاكرة وكل ما يربط الإنسان بمكان الميلاد والنشأة والاستقرار والأنس، التي لا يمكن توفرها إلا في الموطن الأصلي للإنسان. ولذلك يدافع المرء عن وطنه مهما كانت التضحيات، فكل شيء في سبيل الوطن يهون.
قد تحافظ المشاعر على ضبط مؤشرات العاطفة تجاه الوطن في أوقات السلم والرخاء بسبب الاطمئنان لسيرورة وصيرورة دفة مسيرة الوطن المُدارة بأيد أمينة مخلصة تعمل للوطن وفق النظم والقوانين المتبعة. لكن ماذا لو تعرض الوطن لاعتداء غاشم كضربات الطائرات المسيرة التي رأيناها في أكثر من موقع، وكان أوجعها مقتل وافدين اثنين في منطقة «العوهي» بولاية صحار، وقبلها ضرب مخازن الوقود في ميناء صلالة ومنطقة الدقم الاقتصادية. كنتُ شاهد عيان على هجوم المسيرات على ميناء صلالة في الثالث من مارس الجاري، فقد سمعنا ضربات التصدي ثم رأينا إصابة المُسيرة في الجو وانبعاث الدخان منها. لكن المشهد الأكثر ألما هو احتراق مخازن الوقود في ميناء صلالة والذي استمر لعدة أيام، وهو ما لم يخطر على بال أحد من المتابعين للأوضاع الراهنة في منطقة الخليج، نظرا لبعد ميناء صلالة عن العمليات الحربية، وكذلك دور الميناء الاقتصادي وخلوه من أي نشاط عسكري. بالإضافة إلى دور السلطنة التي -كانت ولا تزال- تحاول تجنيب الإقليم ويلات الحروب، عبر دعوة كافة الأطراف إلى إعلاء صوت الحكمة وتغليب لغة الحوار على فعل الدمار والقصف وإزهاق الأرواح، وتكبد خسائر الممتلكات وفقدان الشعور بالأمان ونشر الهلع والخوف. لأن الحرب إن قامت يلتهم سعيرها الأخضر واليابس ويقضي على حياة البشر وينتهك حُرمة الأرواح، ويتسارع معدل القتل وتُسلب الثروات، التي كانت مطمعا للخصوم منذ حقبة الاستعمار، ومرورا بتدخلات وحروب الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من نصف قرن وإلى اللحظة الراهنة، بهدف الحصول على ثروات الشعوب ومقدراتها بدعوات كاذبة أحيانا مثلما حدث في غزو العراق 2003م، والهجوم على فنزويلا بداية هذا العام، والهجوم الحالي على الجمهورية الإيرانية.
نعلم جيدا أن المُعتدي على السلطنة يدرك أن الأراضي العُمانية لم ولن تُستخدم للهجوم على الدول الشقيقة والصديقة، ولكنها محاول يائسة للتأثير على الاقتصاد العُماني عبر الاستهداف المتكرر لمنطقة الدقم وميناء صلالة ومنطقة صحار الاقتصادية، فالمُعتدي يركز على الأهداف المدنية ذات النشاط الاقتصادي، ولكن الهجمات لم تثبط عزيمة مؤسسات الدولة وأجهزتها التي تعمل على أكثر من صعيد في الدفاع عن الوطن، وتقديم الخدمات الإنسانية، كالتصدي لهجمات الطائرات المُسيرة وإسقاطها في البحر والجو، وأيضا القيام بعمليات الإنقاذ والإسعاف لطواقم الملاحة البحرية التي تتعرض للهجمات في المياه الدولية القريبة من سواحل السلطنة، وكذلك تسهيل دخول المسافرين برا من الدول المجاورة تمهيدا لمغادرتهم جوا من مطار مسقط الدولي.
أما الدور الخارجي الذي تقوم به سلطنة عمان، فهو الجهد الدبلوماسي لمنع انجرار المنطقة إلى حرب إقليمية، والإعلان صراحة عن رفض الدخول في المخططات والمشاريع المُعدة لقيام مخطط إسرائيل الكبرى.
كلمة شكر أخيرة يتوجب تقديمها إلى المواطنين والمقيمين على أرض سلطنة عمان والإشادة بحسهم الوطني ومسؤوليتهم تجاه الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها عُمان. وهذا ما عبّر عنه الادعاء العام في بيانه، إذ أشاد « بالمواطنين والمقيمين على تحليهم بروح المسؤولية واحترام القوانين والأنظمة، الأمر الذي يسهم في صون النظام العام وتعزيز أمن المجتمع وطمأنينته». وهذا عهدنا بأخلاق هذا الشعب الأصيل ومن يقيم على هذه الأرض المسالمة. حفظ الله سلطنة عمان وشعبها والمقيمين على أرضها ولكل داعية سلام في المنطقة. والتحية للجهات والمؤسسات والأفراد الساهرين على حماية الوطن وأمنه، وتقديم الخدمات الإنسانية الجليلة لكل محتاج استغاث بأهل عُمان في البر والبحر.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني
