الأب: شجاعة بلا ضجيج!

14 مارس 2026
14 مارس 2026

يروي الكاتب اليمني محمد عمر بحّاح في كتابه «أشيائي» (دار أروقة، القاهرة، 2024) أن رجلًا مسنًّا، كان صديقًا لوالده الراحل، زاره ذات يوم وقال له: «أبوك أشجع رجل عرفته في حياتي!». استغرب الكاتب، لأنه - كما يقول - لم يعرف عن أبيه شجاعة ظاهرة، بل «كان يؤثر السلامة أكثر من المواجهة.. لهذا عاش حياته بسلام». وحين لاحظ الرجل شكّه وعدم اهتمامه، روى له أنه أصيب بالسل في بلد غريب، فهرب الجميع منه خوفًا من العدوى، ولم يبق إلى جانبه سوى عمر بحاح؛ والد الكاتب، الذي رعاه حتى شُفِي، بل كان يأكل معه من الطبق نفسه! ويقفل الكاتب هذه الحكاية القصيرة بحكمة وجهها له صديق والده: «عليك أن تفخر بأبيك، الشجاعة ليست في القتال فقط كما يظن أكثر الناس، بل في مواقف الرجال في الأوقات الصعبة».

وهذه الفكرة نفسها، أي الشجاعة باعتبارها موقفًا أخلاقيًّا أكثر منها فعلًا قتاليًّا، نجد لها صدى في رواية الكاتبة الأمريكية هاربر لي «أن تقتل طائرًا بريئًا» («لا تقتل عصفورًا ساخرًا» حسب ترجمة توفيق الأسدي). في أحد فصول هذه الرواية يمر أتيكوس فينش بابنيه، سكاوت وجِم، قرب بيت جارتهما العجوز السيدة دوبوز، وهي امرأة مريضة، حادة الطبع، سليطة اللسان، ومع ذلك كان الأب يحييها بأدب بالغ، ويسألها عن حالها، ويتبادل معها الحديث بهدوء واحترام، من غير أن تدفعه قسوتها ولسانها السليط إلى أن يرد عليها بالمثل. إنه يحتمل أذاها، ويرفض السقوط في فخ الابتذال الذي تفرضه. لذا فإن سكاوت قالت واصفة نبل أبيها الإنساني هذا: «كانت هناك لحظات كهذه أرى فيها أن أبي، الذي كان يكره البنادق ولم يذهب قط إلى أي حرب، هو أشجع رجل عاش على الإطلاق».

الشجاعة هنا، من منظور هذين العملين الأدبيين، قيمة أخلاقية تتجاوز المعنى الشائع الذي يربطها بالقوة الجسدية أو الفعل الصاخب. فهي ترتبط بقوة الضمير، والقدرة على التمسك بالموقف الإنساني في وقت تكون فيه النجاة الشخصية أكثر إغراء. وما يمنحها قوتها الفنية في النصين أنها لا تظهر في ثوب الشجاعة التقليدية التي نقرأ عنها في الكتب أو أشعار عنترة والمتنبي، وإنما تتجلى في سلوك هادئ يُظهر نبل الشخصية من غير ادعاء. وهو ما سيظهر أكثر في بورتريه الروائي محمد سمير ندا عن أبيه، المعنون «صور راسخة في عيني طفلٍ يبحث عن ظل أبيه». يسرد هذا النص واقعة حدثت على شاطئ الإسكندرية في النصف الثاني من الثمانينيات حين ضاع الطفل محمد سمير ندا فجأة عن أسرته، فانقلبت نزهة البحر إلى لحظة ذعر حقيقي. وبينما راحت الأم والأقارب يبحثون عنه على الشاطئ، راودت الأب وساوس بأن ابنه قد غرق. فما كان منه إلا اندفع بغريزة الأبوة نحو البحر مستعدًا لخوضه، لولا أنه سمع أم محمد تناديه في اللحظة الأخيرة أن ارجع فقد عثرنا على ابنك. المفارقة في هذه الحكاية نهايتها، حين يعقّب الطفل على كلام أبيه عن أن سبب نيته نزول البحر هو معرفته بأن ابنه لا يجيد السباحة، بالقول: «بس أنت كمان مابتعرفش تعوم يا بابا!»، هنا شرد الأب لوهلة نظر خلالها إلى السماء كمن يبحث عن إجابة لسؤال معقد، قبل أن يطالع ابنه بوجه باسم وقسمات راضية، مردفًا: «تصدّق أنا نسيت حكاية إني ما بعرفش أعوم دي؟».

أن تخوض البحر وأنت لا تجيد السباحة هو تجسيد لمعنى الشجاعة الحقيقية؛ شجاعة تنبع من المحبة والمسؤولية والغريزة الأبوية، وتدل على أن بعض المواقف تخرج من أعماق الإنسان دفعة واحدة، وبشكل عفوي، وبدون أي حسابات قد تثبط هذا المسعى، فيختفي الخوف - المفترض أنه طبيعي - من أجل الغاية الأسمى؛ إنقاذ حياة من تحب. من الغرق في حالة نص محمد سمير ندا، ومن الغرق أيضُا في حالة نص آخر من كتاب «أشيائي» هو «في وجه العاصفة». في هذا النص يستعيد محمد عمر بحاح رحلة بحرية مع والده إلى عدن على متن سفينة شراعية، حين هبت عاصفة مفاجئة أربكت الركاب وكادت تودي بالسفينة. كان الأب يومها وسط البحارة، يشد الحبال، وينزل الشراع، وينزح الماء من سطح السفينة، ويتولى الدفة في مواجهة الريح العاتية. واستمر في ذلك حتى هدأت العاصفة وعادت السفينة إلى مسارها بسلام. والمفارقة أن الأب، بعد هذا كله، اكتفى بأن حمد الله على النجاة، ثم نام بهدوء، دون تباهٍ، أو شعور بالإنجاز، وكأنه لم يُقْدِم على تصرف شجاع قبل قليل.

ويبدو أن تلك العبارة الحكيمة لصديق والد بحاح هي التي دفعته لإعادة تأمل حكايات كثيرة عايشها مع أبيه الراحل، دون أن يمنح شجاعة أبيه فيها ما تستحقه من تقدير. ومنها حكاية وقعت في بيتهم ذات مرة، حين صرخت امرأة معلنة أنها رأت ثعبانًا، فاندفع الجميع إلى الخارج مذعورين، نساءً وأطفالًا ورجالًا، في حين هرول الأب وحده داخل البيت بعصاه الطويلة ذات الطرف المعقوف، ليخرج بعد قليل وهو ممسك بأفعى طويلة، جعلت ابنه يقول لنفسه مذهولًا: «كيف لأبي، هذا الرجل القصير، ذي الجسم الضئيل أن يواجه بمفرده ثعبانًا بذلك الحجم..؟!».

كثيرًا ما تمر شجاعة الأب أمام أبنائه من غير أن تُرى على حقيقتها، لأنها لا تظهر دائمًا في صورة بطولات واضحة، وإنما تتجسد في مواقف سريعة وعفوية، يخوضها هذا الأب ثم يواصل حياته كأن شيئًا لم يكن. لكن الزمن وحده كفيل بأن يمنح تلك المواقف معناها الأوسع، إذ تعود الذاكرة إليها بعين أكثر نضجًا، فتدرك أن ما بدا ذات يوم فعلًا عاديًّا لا يستوقفنا، كان في الحقيقة وجهًا من وجوه الشجاعة الحقيقية، شجاعة كانت تحدث بهدوء، ودون ضجيج.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني