سُلطة مجتمع «جروبات الأمهات»!

08 مارس 2026
08 مارس 2026

هل لنا أن نتصوّر القوّة التي تتمتّع بها «جروبات الأمهات» المدرسية اليوم؟ مجتمعات يتوارى فيها الحضور الفيزيقي، حتى تكاد الأمّ الواحدة لا تعرف الأخرى إلا كأم لطالب أو طالبة، ومع ذلك تُشكّل جموعهنّ المتناسلة نسيجًا من التأثير لم يعد يخفى على أحد.

مجتمع غير مرئي، لكنه مُتغلغل في تفاصيل الحياة المدرسية على نحوٍ لم تعرفه -كما أجزم- الحياة التعليمية من قبل!

لم تأتِ هذه «الجروبات» من فراغ، لقد خلقها التعليم الجديد والتحوّل التقني المُتسارع، فمنحها سلطةً موازية لسلطة المدرسة، ولذا ليس من الغرابة أن نجدها تتحكّم بقرارات مهمّة، كما حدث في هذا الشهر الفضيل مثلًا، فعبر التصويت وغلبة الكفّة، يُقرّرن إن كان الأبناء سيذهبون إلى المدرسة أم لا!

إذ سرعان ما انقلب السحر على الساحر، فتحولت «الجروبات» من وسيلة اتصال إلى قوة ضغط جماعي.. كالاتفاق على الغياب الجماعي مثلًا، أو الضغط على المعلمات لتأجيل الدروس أو الامتحانات.

فتقف المدارس عاجزة عن ردعها، أو ربما متواطئة مع ما يحدث! أعني أن ثمّة حثًّا مُضمرًا أحيانًا من قبل المدرسة نفسها لهذا النزوع!

هنالك من يعترض على القرارات الجماعية، لكن ما الذي يحدث في الصف؟ طلاب يحضرون وطلاب يغيبون، فتميلُ المدرسة غالبًا إلى الانحياز لكفّة مراعاة الغائبين، فتدمج الصفوف، ثم تحدث المفارقة الموجعة: يُعاقَب الحاضر لأجل الغائب المُتنعم برفاهية النوم والتسلية! فتنمو حصص الاحتياط كما ينمو الفطر السام، ويتأخّر المنهج وتتكرّر الشروحات!

لا تُجسِّر هذه «الجروبات» العلاقة بين البيت والمدرسة بقدر ما تقضي على قدرة الطلبة على تحمّل المسؤولية ومواجهة نتائج أفعالهم وتقصيرهم.

في الماضي كان الأبناء يخبرون الأمهات عمّا أخذوا وما ينبغي عليهم فعله، واليوم يعود الابن إلى البيت، وعندما تسأله الأمّ عن فروضه يقول لها: «شوفي جروب المدرسة»!

تبقى الأمهات على أعصابهن ما إن تتوافد الإشعارات المحمومة: «صوّروا حلّ الواجبات، سجّلوا فيديو لذلك النشاط، أرسلوا تسميع الآيات، صوّروا المشاريع».

فنمط التعليم اليوم يدفع الأمّ دفعًا إلى القيام بأدوار ليست لها، تدخل الواحدة منهن بكل ثقلها في منهج ابنها شاءت أم أبت، وإلا قُذفت بتهمة التقصير والشذوذ عن القاعدة، وهكذا ينتقل مركز المسؤولية من الطالب إلى الأمّ!

بات الطالب يعرف ضمنيًّا بوجود شبكة حماية كاملة من حوله؛ فليست صورته هو التي ستتأثّر، بل ستتأثّر أيضًا صورة الأمّ التي صارت جزءًا من هذا المجتمع، والتي تبدو كمن يدفع عن نفسه التهمة كلما زاد عدد الأبناء وزاد عدد الجروبات.

إذ تغدو الأمّ ملامة على نحوٍ ما عندما تُنادى على الخاص: «أم فلان.. تعالي على الخاص»، ومن ثمّ ينمو شعور حاد بالتقصير.

تتحوّل الأمّ إلى كتلة غضب نارية، فتفسد العلاقة بينها وبين أبنائها، لأنّها ببساطة اطّلعت على ما لا ينبغي أن تطلع عليه. بينما مهمتها الحقيقية تكمن في المراقبة والحماية والمؤازرة، لا في الانغماس المريض وغير المبرّر. وبعض الأمهات -وليس على سبيل الدعابة -يحفظن المنهج كاملًا!

لا أريد لوم الأمهات، وأنا جزء لا يتجزأ من هذا النسيج، ولعلّي مثلهنّ أتورّط فيما لا أرغب ولا أحبّ، ولكن علينا أن ننظر بحذر إلى هذه المشكلة، فقد قمنا بتحميلهن فوق طاقتهن.

إنهن منهكات وراغبات في استراحة المحارب.

إنهن يفرحن بإجازات المطر ونهاية الامتحانات أكثر مما قد يفعل الطلاب أنفسهم.

فهنّ ربّات بيوت وعاملات، ويتمّ زجّهن زجًّا في عالم منسيّ ومحذوف من ذاكرتهن، فيقرأن ويُلخّصن ويُسمِّعن، وقد يستمر الأمر على ما هو عليه حتى الحلقة الثانية!

تذكّرتُ رواية «فرانكنشتاين» للكاتبة ماري شيلي، عن المخلوق الذي تمّ تركيبه بإرادة حرة من أجزاء بشرية ميتة، ثم تحوّل إلى قوة ناقمة ومدمّرة.

بدا لي أنّ انخراط الأمهات المتجاوز لمقاصده الطبيعية يتعاظم شيئًا فشيئًا. فالأداة التي صُنعت لغرض تسهيل التعلّم -كما قد نظن - أخذت تعيد تشكيل الحياة التعليمية.. فهل علينا أن نلوم الوحش أم الذين صنعوه من العدم؟

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»