هكذا ينبغي أن نفكر في حرب ترامب مع إيران
04 مارس 2026
ترجمة: أحمد شافعي
04 مارس 2026
لكي تفكروا تفكيرا واضحا في حروب الشرق الأوسط، عليكم أن تجمعوا في رؤوسكم بين أفكار عدة في آن واحد. فهذه منطقة معقدة، عديدة الألوان، يتضافر فيها الدين والنفط والسياسات القبلية وسياسات القوى العظمى في كل حدث كبير. فلو أنكم تبحثون عن سردية الأبيض والأسود، فخير لكم أن تفكروا في رقعة الشطرنج. وإليكم الأفكار الخاصة بإيران، في يومنا هذا على الأقل.
لن يكون بالأمر اليسير الإطاحة بالنظام، لأن هذا النظام راسخ بعمق ولن يطاح به بسهولة من الجو وحسب. فإسرائيل لم تستطع القضاء على حماس في غزة بعد سنتين من حرب جوية وبرية لا تعرف الرحمة، هذا وحماس في جوارها القريب. أما وقد قلت هذا، فحتى لو لم تفض الضربة الأمريكية الإسرائيلية لإيران إلى انتفاضة الشعب الإيراني التي حث عليها الرئيس ترامب، فقد تكون لها آثار أخرى مفيدة وغير متوقعة، من قبيل تقديم النسخة الثانية من الجمهورية الإسلامية فتكون أقل كثيرا في تهديدها لشعبها وجيرانها. ولكنها بالقدر نفسه من السهولة قد تفضي إلى أخطار غير متوقعة من قبيل تفكك إيران فلا تصبح وحدة جغرافية واحدة.
علينا أن نتذكر أن توقيت إنهاء هذه الحرب سوف يتحدد بقوة أسواق النفط والأسواق المالية بقدر ما سوف يتحدد بقوة الوضع العسكري القائم في إيران.
وإيران على شفا الانهيار الاقتصادي، فقيمة عملتها لا تتجاوز كثيرا الورق المطبوعة عليه. وأوروبا باتت أشد اعتمادا على غاز الخليج العربي الطبيعي المسيل في إدارة اقتصاداتها منذ توقفها المتدرج عن مشتريات الغاز الطبيعي من روسيا. ومن شأن موجة تضخم مستدامة ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة أن تغضب قاعدة ترامب التي لا يروق للكثيرين فيها من الأصل الاستدراج إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط.
وثمة كثير من الناس الذين سيرغبون في أن تكون هذه الحرب قصيرة، وسوف يؤثر هذا على كيفية وتوقيت التفاوض بين ترامب وطهران.
علينا ألا نسمح لهذه الحرب الرامية إلى تحقيق الديمقراطية وسيادة القانون في إيران بأن تلهينا عن تهديدات ترامب للديمقراطية وسيادة القانون في أمريكا ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إسرائيل.
فترامب يريد أن يعزز هذه المثل في طهران، حتى في الوقت الذي يعمل فيه عملاؤه من إدارة الهجرة والجمارك منذ شهرين دون اعتبار يذكر للقيود القانونية في ولاية مينيسوتا التي أنتمي إليها وفي الوقت الذي يروج فيه أفكارا عن تقييد من يحق لهم التصويت في الانتخابات القادمة.
ولو مكنت حرب إيران هذه نتنياهو من الفوز بالانتخابات الإسرائيلية المخطط إجراؤها هذا العام، فسوف يكون هذا دافعا قويا لجهوده الرامية إلى ضم الضفة الغربية وشل المحكمة العليا الإسرائيلية وجعل إسرائيل دولة أبارتيد فيكون هذا لطمة كبيرة للمصالح الأمريكية في المنطقة في ما يتجاوز إيران.
كانت حياة المرء كاتبا للرأي لتكون أيسر لو أن كل حرب يتناولها ويتحتم عليه أن يتخذ منها موقفا هي كالحرب الأهلية الأمريكية ولو كان كل قائد شبيها بأبراهام لينكون. ولكن الوضع ليس كذلك، فلنتعمق أكثر في هذه الأفكار الأربع الخاصة بإيران.
الحقيقة هي أن جمهورية إيران الإسلامية هي القوة الكبرى في المنطقة منذ عام 1979، فهي التي ترعى وكلاء للسيطرة على أربع دول عربية ـ هي سوريا ولبنان والعراق واليمن ـ وتقوض الإصلاحيين الليبراليين في البلاد الأربع بتأجيج الانقسامات الطائفية، برغم أنكم لا تسمعون هذا إذ تستمعون إلى اليسار في الجامعات خلال السنوات الأخيرة.
ولقد أفضى محض إضعاف نظام طهران ـ بفضل الضربات الإسرائيلية والأمريكية خلال السنتين الماضيتين ـ إلى سقوط نظام الأسد المدعوم من إيران في سوريا وإلى تمكين لبنان من الإفلات من قبضة خانقة هي قبضة ميلشيا حزب الله المدعوم من إيران وتكوين أفضل حكومة لبنانية منذ عقود بقيادة رئيس الوزراء نواف سلام والرئيس جوزاف عون.
كما أن الشعب الإيراني من أكثر الشعوب موالاة للغرب في المنطقة بطبيعته. ولو أتيح لهذا الدافع أن ينتشر ويطفو على السطح ويحل محل السموم المتطرفة الانقسامية التي يروجها النظام الإيراني، لسنحت لنا فرصة لشرق أوسط أكثر ميلا إلى الاحتوائية.
ومثل ما قال لي الخبير الاستراتيجي نديم قطيش فإن أكثر الهتافات شيوعا في مظاهرات إيران المناهضة للنظام هتاف يقول: «لا غزة ولا لبنان، حياتي من أجل إيران»، وهذا أمر له معناه. فقد سئم كثير من الإيرانيين من مشاهدة إهدار مواردهم على ميلشيات تحارب إسرائيل. وليس من قبيل المصادفة أيضا كما قال قطيش أن إيران أطلقت للتو صواريخ على مطارات وفنادق وموانئ في دول الخليج العربية الساعية إلى التحديث.
قال قطيش «إنهم يضربون البنية الأساسية للانفتاح والتكامل والاتفاقات الإبراهيمية، فالشرق الأوسط القديم هو الذي يهاجم الشرق الأوسط الجديد». ويرجى أن تكون وفاة خامنئي «وفاة لفكرة خامنئي عن ضرورة أن يتسم الشرق الأوسط بالمقاومة لا بالاحتواء ولا بالتكامل».
ويرجى أن تفضي أيضا إلى إنهاء اللعبة المزدوجة التي مارسها خامنئي وأسلافه من أمثال محمود أحمدي نجاد ـ الذي كان رئيسا لإيران من 2005 إلى 2013 ولقي مصرعه بضربة جوية إسرائيلية أمريكية ـ وتقوم اللعبة على أن لإيران الحق في أن تصيح جهارا بـ«الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» ثم تزعم لنفسها الحق أيضا في أن تلقى معاملة الدنمارك أو أن تخصب اليورانيوم لأغراض «سلمية».
وها قد فضح ترامب ونتنياهو زيف هذه اللعبة أخيرا.
أما عن الإطاحة بالنظام، فمن الصعب أن نرى ذلك يجري عما قريب دون وجود قائد واضح وأجندة مشتركة.
يقول المحلل الإيراني الذي تحدثت إليه إن النتاج الأرجح هو نسخة ثانية من الجمهورية الإسلامية، بقيادات إصلاحية في النظام ـ من أمثال حسن روحاني الذي كان رئيس إيران السابع من 2013 إلى 2021 وكان منتقدا جهيرا لتشدد خامنئي ـ فتضغط هذه القيادات على القيادة الباقية من أجل التفاوض على اتفاقية مع ترامب. وقد تقوم هذه الاتفاقية على تخلي إيران عن البرنامج النووي والقبول بحد حروبها بالوكالة وصواريخها الباليستية ـ أي كل ما يريده ترامب ـ في مقابل إنهاء العقوبات الاقتصادية والسماح ببقاء النظام.
وقد يتسنى لهذا النظام في هذه الجمهورية الثانية أن يتمكن من ترتيب انتقال إلى ديمقراطية حقيقية في إيران مرة أخرى. لكن ترامب قد يواجه أيضا اتهامات بإلقاء طوق نجاة لنظام يحتضر. بعبارة أخرى، كانت بداية هذه الحرب أمرا يسيرا نسبيا. أما إنهاؤها فلن يكون كذلك.
قد تكون صفقة كهذه مغرية لترامب، ليجتنب حربا مطولة، وركودا ناجما عن تصاعد أسعار النفط أو تفككا لإيران. ولذلك لم أندهش حينما سمعت ترامب يقول لمجلة ذي أطلنطيك «إنهم يريدون الحديث، وقد وافقت على الحديث، ولذا فإنني سوف أتحدث إليهم».
ومثلما أشرت في هذا العمود من قبل، فليس نقيض الأوتقراطية في الشرق الأوسط هو الديمقراطية دائما. بل الفوضى في الغالب. وذلك لأنه عند قطع رؤوس الدكتاتوريات في الشرق الأوسط، يحدث أمران. إما أنها تنفجر من الداخل، أو تتفجر من الخارج. كما حدث في سوريا.
لا يمثل الفرس إلا 60% من شعب إيران. و40% الباقون فسيفساء من أقليات أبرزها الأذريون والأكراد واللور والعرب والبلوش. ولكل من هذه الأقليات روابط خارج إيران، خاصة الأذريين بروابطهم مع أذربيجان، والأكراد بروابطهم مع كردستان. وقد يفضي طول أمد الفوضى في طهران إلى انفصال أي منهم بما قد يفضي إلى انفجار إيران عمليا.
ولقد شهدت إيران انهيار حكومات أو سقوط حكام على مدار تاريخها. وفي كل مرة «بقيت إيران سالمة» على حد قول قطيش «لكنني للمرة الأولى لا أجد نفسي واثقا من أن تبقى سالمة هذه المرة».
لو أنكم تريدون أن تروا سعر برميل النفط عند 150 دولارا، فتفكك إيران قد يصل بكم إلى هذا. فصادرات إيران من النفط تبلغ 1.6 مليون برميل يوميا، أغلبها يتجه إلى الصين، وهذه ستنقطع كلية عن سوق النفط العالمي. ونحو 20% من تجارة النفط العالمي تمر عبر مضيق هرمز الذي يمكن أن تغلقه إيران. وأسعار التأمين على ناقلات النفط ترتفع بشكل حاد، وتشير التقارير إلى تجميد حركة نحو 150 ناقلة نفط في الخليج.
في الوقت نفسه، لا بد أن الرئيس شي جينبنج في بكين يتساءل كيف ستضاهي أنظمة أسلحته الأسلحة المقدمة من الولايات المتحدة لتايوان بعد أن رأى الطائرات المقاتلة أمريكية الصنع والصواريخ الذكية وهي تتفادى بسهولة أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية الروسية أو تدمرها، وتغتال أغلب نخبة الأمن الوطني الإيرانية في بيوتهم ومكاتبهم.
فلعل الأسبوع الحالي لا يكون مناسبا لغزو تايوان، أو حتى الأسبوع القادم.
غير أنه قد يكون أسبوعا ملائما لبكين كي تنظر إلى الشعب الإيراني ورقصه العفوي في الشوارع احتفالا بوفاة خامنئي فتسأل نفسها عما لو كان صحيحا أنها دعمت نظامه بمشتريات النفط على مدار كل تلك السنين، أم لعلها كان ينبغي أن تقف في صف الشعب الإيراني.
ولا يزال الوقت مبكرا للغاية للتنبؤ بتأثيرات هذه الحرب على الانتخابين الكبيرين في عام 2026: في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.
الأمر بالنسبة لترامب بسيط. هو لا يريد أن يرى كلمة «المستنقع» مرتبطة في أي عنوان باسمه قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. أما عن نتنياهو، فأتصوره يدعو إلى انتخابات مبكرة ليستغل سقوط النظام الإيراني في إبقاء نفسه في السلطة. لكن النصر على إيران قد يعقد من سياساته. صحيح أن نتنياهو حقق انتصارات عسكرية قصيرة المدى على حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وإيران، لكنه لم يترجم أيا منها إلى مكتسبات دبلوماسية أو سياسية بعيدة المدى. فذلك يقتضي منه أن يوافق على التفاوض مرة أخرى مع الفلسطينيين بناء على إطار دولتين لشعبين.
لكنني أستبق الأحداث، فهذه هي اللحظة الأكثر مرونة واستعصاء على التنبؤ في الشرق الأوسط منذ ثورة 1979. فكل شيء وارد، ونقيضه كذلك.
