وفرة..
27 فبراير 2026
27 فبراير 2026
يتم الحديث هنا عن الوفرة ونحن نتفيأ ظلال الأيام المباركة لشهر رمضان والذي كله وفرة بدءا من وفرة العبادة، ووفرة الأنفس المنعتقة من درن الحياة المختلفة، والواهبة نفسها إلى ربها الذي يكرمها برحمته، ومغفرته، وعتقها من النار، وهذا لحاله معزز كبير لمفهوم الوفرة.
وما افتتان الجميع بأجواء رمضان الاحتفالية، في المساجد، وفي الموائد الرمضانية، وفي الالتفافات الاجتماعية، وفي صفوات الأنفس المترعة بحب الآخر إلا تقاسيم مهمة في المشروع الإنساني الكبير الذي تحققه جوانب الوفرة أكثر من جوانب الندرة؛ فالتلاحم بين الشعوب تظل الوفرة فيه أكثر من مجموعات تقاطعات «الندرة» التي تعزف عليها الأنظمة السياسية فتملأ الأرض قحلا ويباسا، ولكن لأنها قاسية ومخيفة وثقيلة فتلقي -بكل عنفوانها- على الأنفس الآمنة فتقلقها وتقضّ مضجعها، فتبدو الصورة كأنها كل ما يشغل الإنسان، وأن ليس هناك بصيص أمل يرتجى لتتحول الإنسانية إلى شيء من الخصب الإنساني بدلا من هذا الجفاف الذي تعاني منه النفس البشرية، وكأن الرهان هو الجفاء والقحط والجدب فقط.
الوفرة ليست عنصرا مفاجئا بل هي حضور طاغٍ بكل ما تعنيه الوفرة، ولذلك يخطئ التقدير من يحاول قلب موازين حياته اليومية من الوفرة إلى الندرة، فمن يملك قليلا من المال يمكن أن يطمئن على أنه غني من أن يمد يديه إلى آخرين، يتقاسم معهم شيئا من الوفرة، فكيف الحال من يملك لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وجسدا على البلاء صابرا؟
في مفهوم الوفرة ينظر إلى البعد النفسي وهو البعد المهم كأكبر معزز للذات في عطائها وسخائها، وما يظهره من نتائج الممارسة لفعل الوفرة فمردّه إلى البعد الإنساني، فالبخيل -في الغالب- يملك معززات الوفرة المادية المختلفة، ولكن لأن نفسه تستحوذ على كل شيء عنده، ولا تترك له مجال الحرية في الإنفاق فتذهب به إلى الندرة، ويقيمه الآخرون من حوله بفعل بخله على أنه من فئة الندرة، بينما الحقيقة غير ذلك تماما؛ فالندرة تتقاطع مع البعد الإنساني، ولذلك فليس شرطا أن يكون ذا مال فائض حتى يصنف من ذوي الوفرة، إلا إذا تصالح مع ذاته فتتحول ممارساته إلى وفرة، والفقير ليس شرطا كذلك أن ينظر إليه على أنه من ذوي الندرة، فقد يعوض قلة ما في يده بممارسات كثيرة فيها من التعاون، والتعاطي مع الآخر، وكفّ أذاه عن الآخرين، وعدم إشعار الآخرين من حوله على أنه فقير بالمطلق (تحسبهم أغنياء من التعفف) فأنفسهم المتسامية بالعزة والتعفف لا تسمح لهم بأن يريقوا دم كرامتهم على أرصفة التسول، وسؤال الناس «أعطوهم أو منعوهم» فيكون من ذوي الوفرة.
يلتحم الناس أكثر مع بعد الندرة، ويرون في الالتفاف إليه الخروج من مأزق تحمل المسؤولية لكثير من أوجه الحياة ومتطلباتها، مع يقينهم بمعرفة ما يتحفظون عليه في هذا الجانب، على الرغم من أن بعد الوفرة أكثر تحققا عند الجميع لما يكرمهم الله من الخير الكثير، الخير في المادة، والخير في الصحة، والخير في الولد، والخير في راحة البال، ومع ذلك تكثر تأوهات الشكوى ولا تنقطع من عند الغالبية العظمى من الناس؛ حيث يظل محور «السعادة» هو المحور المقلق لتعدد الاتجاهات لتحقيقها واختلاف الناس حول المحقق المهم للسعادة، وتبايناتهم المختلفة على هذا المتحقق الذي لم يحصل عليه كل واحد على حدة، ولأن الأمر كذلك فإن مفهوم الندرة يظل مخيما على حياة الناس، ولو أن هذه الغالبية من الناس استحضرت فقط القناعة وهي الكنز لأشعروا أنفسهم إنهم الأكثر سعادة، وأن الوفرة تحيط بهم من كل جانب، ولحمدوا الله كثيرا على ما هم فيه من نعمة، ذلك أن الوفرة متعلقة بحياة كل فرد منا، والندرة لن تكون إلا حالة استثنائية في مشروع الحياة، ولماذا الوفرة مرتبطة بالحياة؟ لأن الحياة هي التي تدفع بنا لأن تكون الوفرة هي مشروعنا وليس الندرة.
