هم الضيوف ونحن رب المعرضِ
23 فبراير 2026
23 فبراير 2026
حين تم الإعلان عن اختيار سلطنة عمان لتكون ضيف الشرف في الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، استشعرت قول الشاعر: «يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا.. نحن الضيوف وأنت رب المنزل».
إذ أكاد أن أجزم بأن الأعزاء في الشارقة سيقولون لضيوف الشرف في معرض الشارقة للكتاب: «نحن الضيوف وأنتم رب المعرض»، وذلك نظرًا لروح المحبة بين الشعبين، والود الذي يكنه العُمانيون للشارقة وحاكمها الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من المنجزات العلمية والتاريخية والأدبية عن تاريخ عُمان.
لذا، ومن باب الحرص على أن تكون مشاركة سلطنة عمان في غاية المرتجى وتلبي طموح زوار معرض الشارقة للكتاب، وتقديم برامج ثقافية نوعية تعكس العمق الثقافي والأدبي والفني والفكري والسياسي لسلطنة عمان، لكل ذلك فقد استبقنا الوقت لتقديم بعض الأفكار والمقترحات التي من شأنها الإضافة إلى ثراء البرنامج الثقافي، وإضفاء التجديد والتنوع على المشاركة العُمانية.
فأول المقترحات الجديرة بالاهتمام إقامة ندوة بعنوان «عُمان في سرديات القاسمي»، تتناول المؤلفات المكتوبة عن ثقافة عُمان وحضارتها، وتستعرض الوشائج والترابط بين الشعبين، ككتاب «سرد الذات» لصاحبه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي كتب في الفصل الثاني عشر من الكتاب الموزع بين (323 صفحة) عن التحاقه بكلية الزراعة في جامعة القاهرة في أكتوبر 1965: «كان أحد طلبة عُمان ويدعى محمود عبدالنبي يدرس في كلية الزراعة، وكانت له معرفة بمدير شؤون الطلبة السيد حسن جاد، وفي صباح أحد الأيام قال حسين جاد لمحمود عبدالنبي: اليوم قُبل في الكلية طالب من بلادكم. فسأل محمود عن اسم الطالب، فقال حسين جاد بعد أن قلّب في أوراقه: سلطان بن محمد القاسمي. كنتُ قد كتبت في جواز سفري عُمان بدل الإمارات» (ص 257).
يقدم القاسمي في الكتاب المذكور سردًا شاملًا ومتنوّعًا بين السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات، ويضم الكتاب تفاصيل عديدة عن الأحداث والوقائع التي مرت بها المنطقة العربية بعد النصف الثاني من القرن العشرين.
أما الكتاب الآخر الجدير بالقراءة فهو رواية «الشيخ الأبيض»، التي تسرد قصة حقيقية وقعت أحداثها في بداية القرن التاسع عشر لفتى أمريكي يُدعى (جوهانس بول) - أصيل مدينة سليم الأمريكية ومن أصول هولندية - الذي صرفه القدر إلى الشواطئ الجنوبية العربية، لينتهي به المطاف في جنوب عُمان وتحديدًا في منطقة ظفار، بعد أن غيّر اسمه ليحمل اسم عبد الله بن محمد. تحمل القصة العديد من الصور الإنسانية المُعبّرة عن روح الوفاء والانتماء، إذ فضّل عبد الله البقاء بين العرب رغم العروض المُقدمة له من قبل الأمريكان بالعودة إلى دياره. لم يكن بالإمكان معرفة قصة الشيخ الأبيض لولا الجهد الذي بذله المؤلف في تتبع خيوط القصة التي بدأت في مدينة «سليم» الأمريكية وانتهت في مدينة صلالة العُمانية.
أما الموضوع الجدير بطرحه ضمن البرنامج الثقافي العُماني فهو عُمان في نقش مليحة الأثرية، إذ يُعتبر إلى الآن أقدم نقش مكتشف يُذكر فيه اسم عُمان. فالنقش الذي أُعلن عنه عام 2016م في إمارة الشارقة يتضمن نقشًا باللغة الآرامية والمسند الجنوبي على شاهد قبر لرجل يُدعى عمد بن جر بن علي (كاهن) ملك عُمان، وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد. وهذا ما يستدعي دعوة الباحثين وعلماء الآثار لتعميق الدراسة والبحث حول الآثار التي تُقدم الأدلة المادية على قِدم اسم عُمان وتطور نظامها السياسي منذ عصور ما قبل الميلاد، إضافة إلى المعلومة المهمة عن أهم الكتابات ذائعة الصيت في جنوب وشمال الجزيرة العربية وتواجدها في نقش أثري واحد.
نأمل أن تبقى مشاركة سلطنة عمان في معرض الشارقة الدولي للكتاب في الدورة القادمة علامة مميزة وفريدة من نوعها على مستوى المشاركات الخارجية، خاصة وأن معرض الشارقة للكتاب يُعد من أضخم وأهم المناسبات الثقافية في الوطن العربي.
