نشرت المدونة مادي كلارك على تيك توك مقطعاً تهاجم فيه ما يُعرف بـ«بوكتوك» BookTok وهم قراء مشاهير على تطبيق التيك توك، يقدمون تقييمات عن الكتب وأي تحديثات مرتبطة بها. اعتبر الكثيرون أن المقطع الذي انتشر في كل مكان واستجاب له المئات على التطبيق حتى وصوله للعالم العربي، مستفزا، فيما اتفق معها آخرون. تحدثت مادي بلهجة حادة لا تخلو من شتائم، عن عدم ثقتها بهؤلاء القراء وتوصياتهم للكتب التي يقيمونها بـ «خمسة نجوم» و«أفضل ما قرأوا في حياتهم»، مشيرة إلى أن كثيرا مما يروج له على المنصة رديء للغاية ولا صعوبة في رؤية ذلك.
عادة ما تكون الأعمال التي يروج لها «البوكتوكرز» رومانسية وهذا هو نوعها المفضل من الكتب لكنها تقول إن لا داعي لأن تكون مكتوبة بالضرورة برداءة، قالت إن عليهم أن يعودوا لصفوف المدرسة الثانوية لحضور حصة الأدب مجدداً. تكمن المشكلة في أن هؤلاء القراء عندما يتعاملون مع نصوص جيدة، يعتبرون أنها معقدة ومربكة ولم يستطيعوا التعامل معها أو إكمال قراءتها. وتؤكد مادي أن هنالك شيئا يدعى «التفكير النقدي» لا يمتلكونه أبداً.
بعد الهجوم الكبير الذي تعرضت له مادي، خرجت مجدداً للرد عليه، بالحدة نفسها، ولديها وجهة نظر وجيهة للغاية، فرواج الأعمال الرديئة يدفع صناعة الكتب إلى منطقة مخيفة. فمعظمها يتعامل مع الكتب باستخفاف ويفكر في تلك التي يمكن أن تُباع بسهولة، وتُتجنبُ بذلك الأعمال الجيدة التي لن يقرأها أحد من ناحية لأن الذوق القرائي قد انحط تماماً ومن ناحية أخرى لأن هذه الكتب إن أضيء عليها فغالبًا توصف بالكتب المعقدة والرديئة.
لا صعوبة في معرفة أن هذا بات القاعدة، حتى في العالم العربي، أنا نفسي عندما عملتُ في مكتبة، سأل بعضهم عن سر بيع الأعمال التي يحبها الشباب واليافعون بشكل خاص، والمكتوبة برداءة مروعة، في مكتبة يمتلكها ويعمل فيها مثقفون، أجبنا دوماً أن أي مكتبة لا يمكن أن تعيش ما لم توفر هذه الكتب.
هنالك حجة تقال دوما في هذا السياق، اقرأ عن الجدل حول كتابة الأدب بين سعد البازعي وأسامة المسلم، هذا الأخير الذي يتدافع الشباب لدرجة تعرض بعضهم لإصابات في معارض الكتب للحصول على توقيعه، وعلى ذكر المعرض، راقب المشهد الذي يتكرر كل عام عندما يلتقط أحدهم صورة لصفحة كتاب مثيرة للسخرية، مكتوبة بلغة ركيكة أو عامية ضحلة، ومحورها قصة تافهة غالباً ما تكون رومانسية.
يبدأ الهجوم على هؤلاء الكتاب والناشرين، يُتهم من يهاجمونهم بالنخبوية، وأن كل ما يخشونه هو خسارة امتيازاتهم، فالكتابة صنعة عظيمة ينبغي ألا يقدم عليها غيرهم، إذا استمررت في المراقبة ستجد منشقين من طائفة النخبويين والكتاب «المتحققين»، معتبرين أن هذا التعامل مع هذه الكتب بهذه الطريقة لا يخلو من استعلائية، بعضهم يرون أن المهم في الأمر أن الناس ما زالوا يقرئون، فعلاً هذا غير مهم في زمن لا يترك الناس فيه هواتفهم، يتململون سريعاً، ويتنقلون بين موقف آخر، حتى في علاقاتهم الإنسانية والعاطفية، تخيل أن هذا الشاب سيترك الهاتف لساعات بينما يقرأ، كتبتُ مرة أن هذا في حد ذاته انتصار، ففيه انتزاع للبطء في زمن سريع، والجلوس هكذا ممارسة ثورية بلا شك.
لكن مادي ومن اتفق معها لا يرون في ذلك إلا إعادة لقواعد صناعة الكتب ما يعني هلاكها، الكثير من الكتب الرديئة تغرقنا اليوم، شخصياً كنتُ أتحدث مع صديقتي الأسبوع الماضي قبل اطلاعي على هذا النقاش، أنني مستاءة من عدم قدرتي على إنهاء أي كتاب أبدأ به هذه الأيام، خصوصاً وأنني ضعيفة جداً أمام ترك أي كتاب حتى إن لم يعجبني، أعرف عصابيتي حول ذلك جيداً، لكنني لم أعد أحتمل إكمالها، تُرى هل فقدت لياقتي مع التقدم في العمر؟ لكننا سريعاً نتفق أن الكتب التي تختارها دور النشر العربية مروعة، خصوصاً المترجم منها، غالباً ما تكون خيارات «البست سيلر» بتوقيع من قوائم نيويورك تايمز، أو كتب بيل غيتس المفضلة التي أخذها في إجازته التي كان يقضيها في جزيرة ما، وهنالك الكتب الذي يصعب عليك اكتشاف رداءتها مباشرة، كنت أقرأ كتاب «إنكار الموت» للأنثربولوجي الأمريكي ارنست بيكر، يبدأ بتقديم نظرة على الرؤى المختلفة للموت من ثقافة لأخرى لكن سرعان ما ينزلق للحكم عليها، في ضرب من الجنون والمركزية المعرفية، فأولئك الريفيون الذين يتعاملون مع الموت بهدوء يعانون من الكبت فحسب، ويستدعي فرويد في هذا السياق. ما أذهلني حقاً أنه يتعجب من أننا عرفنا كل شيء عن الإنسان وعرفنا حقيقته الجوهرية وما زلنا غير قادرين رغماً عن ذلك على فهم أي من مواقفنا.
إن الحديث عن «طبيعة» واحدة مكتشفة عن الإنسان أيدلوجية استخدمت كثيراً لتبرير شكل العقد الاجتماعي، فالليبراليون مثلاً يرون تفاوتاً في القدرات يجعل التباين الطبقي أو الحصول على التعليم أو المشاركة السياسية أمراً طبيعياً. هؤلاء «الطبيعيون» يرون أن الحروب حتمية فالإنسان كائن أناني تدفعه رغباته بالبقاء والحصول على السلطة، من الطبيعي إذن أن توجد إسرائيل، من الطبيعي إذن أن يكون زميلك في العمل انتهازيا، من الطبيعي أن تُصمم ألعاب اجتماعية لكل شيء، هذا كله جزء من تركيبتنا الأساسية من جوهرنا، هنالك «جواهرانية» محددة وواضحة.
الكتاب ورغم ترجمته من دار عربية غير معروفة إلا أننا وفي زمن يقال فيه إن القراءة باتت نشاطاً نادراً نشرت الدار الطبعة الثانية منه بعد نفاد الأولى. وفور حدوث ذلك تقدمت دار نشر عربية أخرى أكثر شهرة لشراء حقوق المؤلف كلها أو بعض كتبه أن لم يتح لهم ذلك. هذا ليس غريباً إحدى دور النشر العربية الكبيرة والمهمة للغاية، باتت تترجم لنا كتباً عن التنمية البشرية، أو كتاب «فن اللامبالاة»، ورغم امتلاكها حقوق ديستوفيسكي وماركيز لا أحد أحد يريد قراءتها.
تذكرتُ الآن أنني اعرف أن معظم مدوني الكتب المشهورين العرب غالباً ما يمتلكهم هاجس تحطيم الأصنام كنوع من التمرد على تقاليد راسخة حول الكتب التي تُعرف بأنها كتب عظيمة، لأن الجميع يجاملون بعضهم ولا يريدون قول رأيهم شجاعة، يريد المعجبون بمائة عام من العزلة أن يبدون بمظهر المثقف الذي يفهم، والذي يستحق لقب المثقف. لابد من مرور هؤلاء المدونين اذن على رواية «مائة عام من العزلة» هذه الخدعة المضحكة والتي تصبح مفضوحة، متعجبين من كم الإطراء على رواية كهذه، قائلين وللمفارقة أنهم لن ينساقوا وراء الحشود مجدداً، أقول مفارقة لأنهم يصنعون حشودهم الخاصة، بل حشوداً كتلك التي وصفتها مادي.
لكن بعيداً عن هذا الاستطراد لنعد للنقاش الذي أثارته مادي، أعتقد بأن المسألة لا تتعلق بالكتب وحدها، هذا سؤال وجودي، وضروري وملح في هذه الفترة، كيف نستطيع ادعاء وجود معايير موضوعية وعادلة وقابلة للقياس تشكل مرجعاً لتقييم أي شيء ومنها الكتب؟ لماذا علينا أن نثق بهذا النوع من السلطة بينما رأينا وقوعنا ضحية لها في سياقات واضحة جداً أستدعي مثلاً طائفة مازالت تكبر خصوصاً في أمريكا واوربا عن مؤامرة كورونا ووقوف أصحاب الشركات ورائها، أو من يريدون تغيير تركيبة البشر وأجسادهم، لقد وثقوا بالسلطات، وثقوا بالعلماء المتخصصين ثم تبين أنهم تعرضوا للخداع.
ما الذي يجعلُ كتاب أسامة المسلم رديئاً بالفعل خصوصاً وأن التفاعل معها كبير، كيف يمكنني ادعاء أن نظرتي هي الرؤية الصحيحة وأنني أرى «الحقيقة»؟ ببساطة شديدة، اذا كان هذا الكتاب سيئاً فهو سيء بالنسبة لمن؟ اذا كان محتوى المقطع الذي يراجع فيه بوك توكرز كتاباً مولعا به لماذا لا تعمل ببساطة «سكرول» دون إكمال المقطع فهو ليس موجها لك، هنالك مجتمعات صغيرة تحب الأشياء نفسها.
تكتب صديقتي الآن مقالة مطولة عن خطورة التعامل مع العلم الزائف باستسهال، نظراً لعدم وجود ما يثبت أي علم بحسب نظريات العلم. الجميع يستطيعون قول أشياء وان بدت مجنونة فلماذا يُستبعد هذا الجنون بينما يُحتفى بجنون آخر. العالم يرزح تحت الحروب العنيفة، ولا أحد يفعل شيئاً إزاء ذلك. كتبتُ بدوري عن قصة ابستين وعن أن ما سيحدث فوراً هو زيادة الإيمان بالتفكير «المؤمراتي» وأننا محكومون من قبل شلة ماسونيين يتجمعون في جزيرة ويديرون العالم. تلقيت تفاعلاً مع ذلك، أحدهم قال لي إنها مؤامرة لإلهائنا عن سرقة أراض لصالح أمريكا من الصين، لا يوجد أحد اسمه أبستين أصلاً. كيف يمكن أن نثبت لهؤلاء أن مصادرهم التي ادعت حمايتهم والشفافية معهم وتبنت خطابات لحقوق الإنسان، هي نفسها كانت تغتصب القاصرين والقاصرات في جزيرة ما.
أظن بأن النقاش عن الكتب هو بالضرورة نقاش عن «سيولة الحياة» وعن مصادر التقييم وموثوقيتها. وعن عدم قدرة بعضنا بمن فيهم أنا على التخلص من براثن «عدمية» ما. نستبعد فيها أنفسنا بضراوة من التفكير بأننا نعرف شيئاً عن أي شيء. مرة خضتُ حديثاً مع صديقي عما اذا كانت الحيوانات تمتلك وعياً، بعد أن قال إن الإنسان هو الكائن الشقي الوحيد بسبب من وعيه.
ثم سألته من قال إن الحيوانات غير واعية؟ قال لي العلم أكد ذلك وبدأ بسرد الأدلة، قلتُ له ألم يكن العلم هو الذي قال إن أدمغة السود مختلفة عن أدمغة البيض؟ ألم يتأخر العلم الذي صنع القنبلة النووية في تشريح جهاز المرأة التناسلي تشريحاً دقيقاً إلا في التسعينات ؟ العلم الذي ينحاز للذكور؟ كيف يمكن أن أصدق شيئاً عن أي شيء بدعوى أن ما يدعمها هو العلم. قرأتُ كتاباً خلال الأيام الماضية عنوانه «آلة المعرفة: كيف أوجدت اللاعقلانية العلم الحديث» ل لـمايكل ستريفينز، لم أستطع إكماله بسبب رداءة الترجمة لكن الفصول التي تحملت مواصلة قراءتها لا تقول شيئاً أبعد من أن العلم سردية أخرى، مثله مثل التاريخ، ينتصر فيها شيء على شيء، كارل بوبر أحد أهم منظري العلم ويا للعجب فهو أيضا سينظر سياسياً عبر كتابه «المجتمع المفتوح» يدحض الاستقراء، ويقول إن أي فرضية لا يمكن تأكيدها ما لم تُدحض أي فرضية تعارضها، لكن ببعض التفكير ووجودي في عالم اليوم، أعرف أن سياقات بعينها تجعل فرضية ما ناجعة، تحديد أو استبعاد متحيز لعناصر بعينها، شركات تدفع نحو ذلك لتحقيق مشروعية لمنتجاتها، وبعيداً عن ذلك حياة كارل بوبر الشخصية التي طبعت نفسها على أفكاره.
رغم إعجابي الكبير بمادي، وبما أشارت له، لكنني أتوجسُ كثيراً من إعلان هذا. لا شيء يصف ما نعيشه أنا ومن هم مثلي سوى: نكاد نجن، الجميع متهمون، ولا يد هنا إلا وهي ملطخة بالدماء. وربما نحن بحاجة للمساعدة ولمزيد من الحوار حول هذا كله.