مجلس السلام وعصبة الأمم: ما أشبه اليوم بالبارحة

17 فبراير 2026
17 فبراير 2026

مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول غزة والترتيبات الأمنية ومسالة الإعمار في القطاع المدمر من المقرر أن يجتمع أعضاؤه من القيادات في العاصمة الأمريكية واشنطن، لوضع الخطوط العريضة لمستقبل قطاع غزة بعد الكارثة الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو والجيش الإسرائيلي على مدى عامين. مجلس السلام في تصوري ولد ميتا، كما يقال، حيث إن التصور الذي يبحثه مجلس السلام لا يستقيم والقضية الفلسطينية؛ حيث إن مستقبل القطاع مرتبط بشكل وجودي ببقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفق قوانين الشرعية الدولية، ووفق قرارات الأمم المتحدة.

ومن هنا، فإن مجلس السلام هو عملية هيمنة سياسية وأمنية واقتصادية على أرض فلسطينية محتلة وفق أهواء الرئيس الأمريكي الذي أصبح إحدى أدوات الصهيونية العالمية، ومنذ تسلمه قيادة الولايات المتحدة الأمريكية في العشرين من يناير ٢٠٢٥ وهو يبذل جهودا كبيرة لتصفية القضية الفلسطينية، ويستعد حاليا لتنفيذ عملية عسكرية عدوانية ضد إيران، بصرف النظر عن جولات المفاوضات التي تقود جهودها بكل مصداقية وإخلاص الدبلوماسية العمانية.

وهذا الكلام في مسألة عدم المصداقية الأمريكية يأتي من خلال شن ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، في حين كانت جولات المفاوضات تتواصل في العاصمة مسقط وروما.

مجلس السلام سوف يكون في نهاية المطاف كمصير عصبة الأمم التي تم تشكيلها بعد الحرب العالمية الأولى وانتهت؛ لأن الدول التي دخلت الحرب العالمية الأولى كانت تبيت النية لدخول الحرب العالمية الثانية، وكانت بحاجة إلى شرارة من نوع ما، وجاء هتلر بمشروعه النازي ليعطي المشروعية لاندلاع الحرب الكونية الثانية، والتي استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة النووية في هيروشيما وناجازاكي باليابان، وتم تدمير عشرات المدن في أوروبا، وفقد أكثر من ٥٠ مليون إنسان حياتهم. المشهد الآن يتكرر في حروب إقليمية مشتعلة، كالحرب الروسية الأوكرانية والصراعات المختلفة، والخلافات العربية - العربية المحتدمة، علاوة على التهديد الأمريكي بشن حرب على إيران؛ وهذه الأخيرة إن حدثت سوف تكون حربا كارثية على المنطقة والعالم.

وعلى ضوء ذلك، فإن المشروع الصهيوني كما نؤكد دوما في مقالات عديدة يستهدف تمزيق الأوطان والدول المستقلة، ويستهدف السيطرة على الدول العربية، ويستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ويستهدف أيضا الأمم المتحدة واستبدالها بمجلس السلام، والذي يعد في حقيقته مجلسا مشبوها، رؤيته تقوم على استراتيجية صهيونية تنفذها إدارة ترامب؛ وعلى ضوء ذلك، فإن إخضاع الشعوب لأجندات خارجية لا يمكن أن ينجح خاصة في حالة الشعب الفلسطيني، كما رفضها من قبل الشعب الأفغاني والشعب الصومالي وغيرها من الشعوب، حتى شعوب أمريكا اللاتينية رفضت على مدى عقود الهيمنة الاستعمارية الأمريكية.

مجلس السلام الذي يقوده ترامب يريد تصفية القضية الفلسطينية من خلال خطة في ظاهرها الرحمة ولكن في حقيقتها العذاب، خطة تسود فيها الشركات الأمريكية وشركات الكيان الإسرائيلي، وفصل القطاع عن الضفة الغربية والقدس المحتلة، وإقامة المزيد من المستوطنات قريبا من قطاع غزة، علاوة على إقامة المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية؛ حيث صادق الكنيست الإسرائيلي مؤخرا على مشروع الاستيطان، وفي كل تلك المخططات تقف إدارة ترامب مع الحكومة المتطرفة التي يقودها نتنياهو.

مجلس السلام الذي سوف يعقد اجتماعه في واشنطن هو مجلس لا يحل القضية الفلسطينية بشكل متكامل من خلال حل الدولتين، ولكن يعزل قطاع غزة من خلال إيجاد إدارة محلية، ومجلس للسلام يشرف على أوضاع القطاع، مجلس للوصاية يعيدنا لمشهد الوصاية على الدول الخاضعة للاستعمار، كما كان الحال مع وصاية الانتداب البريطاني على فلسطين والذي نتج عنه نكبة فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني وقيام الكيان الإسرائيلي غير الشرعي.

مجلس السلام هو مجلس يفرض وصاية على جزء من فلسطين المحتلة وفق رؤية استعمارية تهدف إلى القضاء على المقاومة، وتحويل القطاع إلى منطقة صفقات تجارية. ومن هنا، فإن مجلس السلام سوف يكون مصيره كمصير عصبة الأمم؛ لأنه قام على أسس غير صحيحة، متجاهلا طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي الخامس من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.

أما مسألة المشاريع السياسية المنقوصة والمشبوهة فلن تنجح، خاصة أن إدارة ترامب تتقاذفها المشكلات الداخلية، حيث يواجه ترامب صدمات كبيرة بعد كشف وثائق إبستين، علاوة على خلافاته مع الكونجرس، ومنهم أعضاء في الحزب الجمهوري، الذي ينتمي له ترامب، إضافة إلى حروبه التجارية مع الصين والهند وكندا وروسيا الاتحادية، وعلى ضوء ذلك، فإن مصير مجلس السلام قد ينجح ظاهرا ونظريا كما بدأت أحوال عصبة الأمم، ولكن في نهاية المطاف سوف يتبخر هذا المجلس، وقد يرى عدد من أعضائه بأن مسار هذا المجلس لم يعد مجديا، والصحيح هو العودة إلى جذور القضية الفلسطينية بحيث يكون الحل السياسي في قطاع غزة منسجما مع الحل الشامل والعادل للقضية الفلسطينية على ضوء قرارات الشرعية الدولية.

إن التحليل الدقيق المبني على الموضوعية، وبعد أكثر من عام على قيادة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذا الرجل لن ينجح في سياساته التي تقوم على التهديد والوعيد، وعلى اختطاف رؤساء الدول، كما في حالة الرئيس الفنزويلي مادورا وزوجته، ضاربا بالقانون الدولي عرض الحائط. كما أن الرئيس ترامب متناقض التصريحات بشكل يومي، ويزدري الصحافة والإعلام الأمريكي بشكل متكرر، ومن هنا فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش إحدى أسوأ مراحلها التاريخية، كما في تصريحات عدد من المفكرين الأمريكيين، وعلى ضوء ذلك، فإن مجلس السلام هو تسمية خادعة، فهو يخدم المشروع الصهيوني الذي ظهرت بعض ملامحه في الشرق الأوسط بعد أحداث اليمن والصومال والسودان، ويبدو لي أن المعركة سوف تكون قاسية في المرحلة القادمة حول مسار المشروع الذي تقوده عمليا ومن خلف الأبواب المغلقة الصهيونية العالمية، من خلال أدوات إقليمية ودولية.

من هنا، فإن مجلس السلام هو جزء من المشروع الصهيوني، لا شك في ذلك، وهو جزء أصيل من صفقة القرن التي تتكرر مشاهدها بعد سقوطها المدوي بعد أحداث طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، الذي غير المشهد السياسي والأخلاقي في العالم تجاه الكيان الإسرائيلي، وسقطت السردية الإسرائيلية في العالم، واعترفت عشرات الدول في الغرب والشرق بالدولة الفلسطينية. مجلس السلام هو مشروع ترامب ومن خلفه الصهيونية العالمية، وقد ينجح مؤقتا ويختفي كما اختفت عصبة الأمم إلى الأبد.