جنوب لبنان: مشهد مطوّق بالغارات اليوميّة.. والخرائط الرماديّة!
فيما أبقت إسرائيل الوضع في المنطقة الحدوديّة جمراً تحت رماد اعتداءاتها، إنْ من خلال زرعها قنابل موقوتة وآيلة للتفجير في 5 تلال داخل الأراضي اللبنانية، أو من خلال خرقها المتمادي لاتفاق وقف إطلاق النار، فإنها واصلت ردودها، بالغارات، على كلّ فكرة لإعادة إعمار ما هدّمته آلتها الحربية. غارات تودي بحياة مواطنين، وتصيب آخرين بجروح. نيران "تلتهم" بيوتاً، هي ليست من حجر، بل مساكن تعادل مقام الروح، بفعل صواريخ ثقيلة تُسوّي المكان خلال ثوانٍ بالأرض، وتلحق أضراراً كبيرة في أحياء كاملة، حيث البيوت متلاصقة والأرزاق متداخلة، تماماً كما حصل مؤخراً في بلدتَي كفرتبنيت وعين قانا (قضاء النبطية).
وذلك، في عدوان متواصل، تعدّدت أشكاله وأساليبه، ووصل الى حدّ قيام الجيش الإسرائيلي بـ"نشاط جوّي" إسقاط ما قال عنه إنه "مادّة كيميائيّة غير سامّة" فوق المناطق القريبة من الخطّ الأزرق.. أما النتيجة، فواحدة: تدمير وتهجير واغتيال في أكبر وأوسع جبهة تخوض عبرها إسرائيل حربها من طرف واحد، وبالوتيرة نفسها.
وما بين السطور الإسرائيلية التي لا تزال تؤجج نيران الحرب وتتوعّد بها، يبرز "الإنذار العاجل"، المرفق بالخرائط الرماديّة الملطّخة ببقع حمراء، الذي يتولّى مهمّة توجيهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، الى سكان البلدات والقرى الجنوبيّة، وكان آخرها "كفرتبنيت" و"عين قانا"، وفحواه الإبتعاد لمسافة لا تقلّ عن 300 متر حيناً وعن 500 متر أحياناً، وتحديداً عن البقعة الحمراء، المقصود بها مبنى ما، بذريعة "مهاجمة بنى تحتيّة عسكرية تابعة لحزب الله"، ومن أجل "التعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة".
وما أن تظهر الخرائط المرفقة بالتحذير، التي باتت ضابطة إيقاع الحياة اللبنانية، راسمةً المصير البائس للأمكنة وأهلها، حتى يتكرّر المشهد إياه: ذعر ورعب، وصخب لا مصدر واحداً له على امتداد كيلومترات، إخلاء جماعي، طوفان من سيارات ودراجات ناريّة، تحمل كلّ واحدة منها عائلة بأكملها، وهروب الى مجهول التشرّد المؤقت، بانتظار الغارات المحتومة، والصواريخ الدقيقة التي تعرف إصابة البقع الحمراء، لتحوّلها الى غيمة بين حدّي اللونين الأسود والأبيض.
وفي المحصلة، يرسو المشهد على يوم لبناني بنزف جديد بالأرواح، وعلى أضرار في المكان المستهدف، على شكل دمار كلّي أو جزئي أو مجرّد تشظّي نوافذ وتخلّع أبواب، موثّقاً بعدسات الإعلام، كما باعتراف معهد "الما" الإسرائيلي للدراسات، الذي أفاد بأن الغارات الإسرائيلية على لبنان تضاعفت خلال شهر يناير الماضي، حتى بلغت 87 غارة، أي أكثر من ضعف الغارات المسجّلة في ديسمبر من العام الماضي، والتي بلغت 41 غارة، بحسب ما أفاد تقرير تحليلي للمعهد نفسه سابقاً.
هكذا، وعلى أبواب أسبوع حافل بالتحرّكات الدبلوماسية من لبنان وإليه، فإنّ ثمّة إصراراً إسرائيلياً على إبقاء البوّابة الجنوبية منفذاً للإعتداءات اليوميّة، التي لا تقيم وزناً لاتفاقات وتفاهمات يُفترض أنها تحظى برعاية دولية. أما على المقلب الآخر من الصورة، فإن ثمّة أناساً لا يزالون ينتظرون إشارة من ذاك الناطق العسكري، اللاعب بنرد النجاة والموت.
وأمام واقع الحال هذا، معطوفاً على التعرّض لضغط مرتفع من الإعتداءات الإسرائيلية بضرب آلية الإعمار التي أقرّها مجلس الوزراء باستهداف آليات الإعمار، وفي ظلّ غياب أيّ ضمانات حقيقية لاحتواء التصعيد، دخل لبنان في مرحلة الإنتظار إلى ما سيأتي به قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بما حمل في جعبته، من وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، لنقل خطّة نزع السلاح من جنوب الليطاني إلى شماله، مع الطلب بزيادة مفعول المؤسّسة العسكرية، عتاداً وعديداً، للقيام بالواجب. هذا في وقت ينتظر فيه إنعقاد الإجتماع الأول لـ"الميكانيزم" (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار) في 25 من الجاري.
ووسط معالم سِباق مع الوقت، إتخذت الحملة الديبلوماسية الواسعة، التي أطلقها لبنان الرسمي مع الدول المؤثرة، ولا يزال، لإلزام إسرائيل بالإنسحاب الكامل من جنوب لبنان، بعدما رسّخت تمركز قوّاتها في النقاط الـ5 الحدودية، طابعاً متدحرجاً. ذلك أن لبنان، وبحسب تأكيد مصادر رسمية لـ"عُمان"، يسعى إلى استعجال الضغوط الدولية على إسرائيل وحملها على الجلاء التام عن التلال الـ5 الحدودية التي تحتلّها وأقامت فيها وحولها تحصينات كبيرة تدلّل إلى احتلال طويل لها، بذريعة حماية التجمّعات الإستيطانية المقابلة لكلّ موقع. كما يحذّر لبنان الرسمي، في حملته، من أن التمركز الإحتلالي الإسرائيلي في المواقع الـ5 بات أشبه بشريط حدودي، ولو فصلت مسافات غير قصيرة أحياناً بينها.
وفي السياق، تجدر الإشارة الى أن إسرائيل، ومنذ وقف إطلاق النار، أصرّت على الإحتفاظ بخمسة مرتفعات استراتيجيّة حاكمة بين منطقتَي الناقورة وشبعا، ومنتشرة من القطاع الغربي الى القطاعين الأوسط والشرقي، ويُراوح بُعد كلّ منها عن حدود لبنان بين مئات الأمتار غرباً وكيلومترين الى ثلاثة أو أكثر وسطاً وشرقاً.. ومن حينه، بدأ رصد سلوك القوات الإسرائيلية ليس في جنوب الليطاني فحسب، وإنّما في كلّ لبنان، وذلك بعدما أطبقت عليه هذه القوات بشكل كامل، جوّاً وبرّاً.
وإذا كان الواقع الجنوبي فرض إيقاعه على مجمل المشهد اللبناني، منذ فبراير من العام الفائت، إذْ عادت آخر القرى إلى أهلها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا أيّ شكل من أشكال البنية التحتية أو الخدمات، ولا اتصالات أو إنترنت، لا مقوّمات للحياة ولا طرق صالحة، وحيث أبناؤها يحملون جيلاً شاباً بأكمله في برواز الموت والفناء، فإن الحدث الصادم لم يقتصر على تثبيت إسرائيل تمركز جيشها في 5 نقاط حدودية فقط، بل أكثر في رؤية ومعاينة الدمار المخيف الذي خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية على بلدات وقرى الحافة الأمامية، من "كفركلا" و"بوّابة فاطمة"، الى "رميش" وأخواتها. أما الوجه الإيجابي الوحيد الذي اخترق مشهد الدمار جنوباً، فتمثل في انتشار الجيش انتشاراً واسعاً في كلّ البلدات والقرى التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، باستثناء النقاط الـ5 على التلال الملاصقة للحدود الجنوبية مع إسرائيل، لاعتبارها أنها تشكّل "مظلّة أمان" للمستوطنين في الشمال.
