لماذا نحب الأخبار السلبية أكثر

03 فبراير 2026
03 فبراير 2026

في العرف الصحفي يطلق مصطلح «الصحافة الصفراء» على ذلك النوع من الصحافة التي تتعمد التركيز على أخبار الفضائح والفساد والأحداث السلبية، وتركز على الإثارة والمبالغة، سعيًا وراء جذب الانتباه ورفع نسب التوزيع أو المشاهدة. هذا النمط الصحفي لا ينشغل كثيرًا ببناء الوعي أو تقديم صورة شاملة للواقع، بقدر ما يركز على ما يثير الفضول ويغذي القلق، متجاهلًا في كثير من الأحيان الأخبار الإيجابية أو القصص التي تعكس جوانب النجاح والاستقرار في المجتمع.

وقد ظهر مصطلح «الصحافة الصفراء» في أواخر القرن التاسع عشر، لوصف المنافسة الحادة بين بعض الصحف في مدينة نيويورك، حيث جرى توظيف الإثارة والمبالغة كوسيلة لجذب القرّاء وزيادة التوزيع، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والمهنية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح المصطلح مرادفًا لنمط إعلامي يقدّم الإثارة قبل الحقيقة.

تتكوّن مادة الصحافة الصفراء في معظمها من أخبار سلبية، تتناقلها وسائل الإعلام وتجد رواجًا واسعًا لدى الجمهور مقارنة بغيرها من الأخبار والقصص التي تبتعد عن الإثارة. وتشمل هذه المادة أخبار الحروب والحوادث والكوارث، وقضايا الفساد والرشاوى، والفضائح بمختلف أشكالها، ولا سيما تلك المرتبطة بالأفراد والمشاهير. وغالبًا ما تحظى هذه النوعية من الأخبار بنسبة انتشار أعلى ومعدلات قراءة ومشاركة تفوق غيرها، ما يجعلها مادة مفضلة في سباق المشاهدات والتفاعل. ويبرّر القائمون على صناعة هذا النمط الإعلامي توجههم بالقول إن الجمهور هو من يطلب هذه الأخبار ويبحث عنها، بل ويسهم في إعادة نشرها وتداولها مرارًا، ليصبح شريكًا مباشرًا في تضخيمها واستمرار حضورها في المشهد الإعلامي.

غير أن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذا التوجه يبدو تبسيطًا مخلًا للمشهد، فالسؤال الأهم لا يتعلق بما يُنشر فقط، بل بما يدفع المتلقي إلى التفاعل مع هذا النوع من الأخبار دون غيره، ولماذا يجد الخبر السلبي طريقه إلى الاهتمام أسرع من سواه.

في قراءة تحليلية ذات بعد نفسي، تناول الدكتور سام غولدشتاين من جامعة يوتا الأميركية ظاهرة تفضيل الجمهور للأخبار السلبية ، محاولًا تفسير أسبابها العميقة. وخلص إلى أن الانتشار الواسع والمستمر لهذا النوع من الأخبار لا يرتبط فقط بالتنافس الإعلامي أو منطق السوق، بل يعود إلى عوامل نفسية وبنيوية متجذرة في سلوك الإنسان وطريقة تلقيه للمعلومات. ووفق هذا الطرح، فإن الانجذاب إلى الأخبار السلبية يتجاوز كونه عادة إعلامية، ليصبح ظاهرة لها تأثيرات طويلة المدى في الوعي الجمعي وطريقة فهم الواقع.

لتبسيط ما خلصت إليه دراسة الدكتور سام، يمكن القول إن سلوك الإنسان وفطرته غالبًا ما يقوده إلى متابعة الأخبار السلبية والسعي للحصول عليها وحتى الترويج لها. فالفطرة البشرية تجعلنا نلتفت إلى ما يهددنا أو ما يثير فينا القلق ، بينما تمر الأخبار الإيجابية أو الروتينية مرور الكرام. بل إن الإنسان يميل إلى تذكر الأخبار السيئة أكثر من الأخبار العادية أو الجيدة، وهو توجه فطري يشترك فيه معظم البشر.

غير أن هذا الانجذاب للأخبار السلبية يحمل مخاطر طويلة المدى، إذ يؤدي إلى فقدان الحساسية تجاه ما يثير القلق، وزيادة مستوى القلق العام، وتقويض الثقة في المعلومات والمجتمع على حد سواء. ومن هنا، لا يعد مجرد اختيار فردي أو عادة إعلامية، بل ظاهرة إنسانية ذات تأثيرات حقيقية يمكن أن تعيد تشكيل طريقة تعامل المجتمع مع الأخبار والمعلومات.

لا يستغرب أن يكون الإنسان العادي اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي يبحث عن الشهرة عبر الإثارة والتشويق ونقل أخبار الفضائح والكوارث، وما يصنف ضمن الأخبار الصفراء، لأنه يرى في ذلك أقصر الطرق للتعريف بنفسه وتحقيق انتشار واسع ومشاهدات وإعجابات كثيرة. وغالبًا ما ينشر هذا المحتوى دون عناء التحقق من صحة المعلومة أو دقتها، مستفيدًا من فضول الجمهور وطبيعتهم الفطرية في الانجذاب للأخبار السلبية. وهكذا تستمر هذه الظاهرة في تشكيل سلوك كل من المتلقي وصانع المحتوى على حد سواء.

الانشغال بالأخبار السلبية والانجراف وراءها له آثار واضحة على المجتمع، إذ يقلل التركيز المستمر على الأخبار السيئة من الثقة في الأفراد والكيانات، ويؤدي إلى تراجع نشر الأخبار الجيدة والمفيدة. كما يساهم في إشعال الفرقة والانقسام داخل المجتمع، ويغلب السلوك السلبي على الإيجابي، مما يخلق مشكلات شخصية وعائلية ومجتمعية. كل ذلك يحدث نتيجة انتشار الأخبار السلبية وتفضيلها بحجة الإثارة والتشويق. ولإعادة التوازن، يجب أن يتحمل كل من صانع الأخبار والمتلقي المسؤولية، بحيث يكون نشر الخبر دقيقًا وموضوعيًا، ويصبح صوت العقل هو الأعلى في هذه المعادلة.