ربما كان ترامب «الانعزالي» يضمر طموحات إمبراطورية طوال الوقت

12 يناير 2026
12 يناير 2026

حتى وقت قريب كانت للرئيس دونالد ترامب سمعةُ شبهِ انعزالي؛ ففي خطابه الأول عند التنصيب اشتكى قائلا: «لقد أنفقنا تريليونات الدولارات في الخارج بينما تدهورت البنية التحتية الأمريكية، ووقعت في الخراب والتحلّل».

وفي خطاب تنصيبه الثاني تعهّد بأن «نقيس نجاحنا ليس فقط بالمعارك التي نربحها، بل أيضًا بالحروب التي ننهيها، وربما والأهم من ذلك بالحروب التي لا ننخرط فيها أصلا».

ومع ذلك بعد هجومه على فنزويلا وتهديداته تجاه غرينلاند بات الرئيس يبدو أقرب إلى وصف إمبريالي منه إلى انعزالي. وكان ينبغي للعالم أن يتوقع ذلك؛ فقد يكون ترامب الشخص الوحيد على الكوكب الذي انتقد غزو العراق عام 2003 لأنه لم تكن «حربا من أجل النفط». وبالاستناد إلى المقولة القديمة: «للغالب الغنائم» أصرّ ترامب على أن الولايات المتحدة ينبغي أن «تأخذ النفط» من العراق.

لم يشرح يومًا كيف يمكنه الاستيلاء على النفط من دون احتلالٍ مكلف، لكنه يعتقد الآن في فنزويلا أنه وجد الطريقة. فبعد اعتقالٍ «مُستحسن» لمادورو «البغيض» يقول ترامب: إنه يريد أن يدير فنزويلا - وربما لسنوات، كما قال لصحيفة «نيويورك تايمز»، لكنه لا يرسل قوات، ولم يقل شيئا عن رعاية الديمقراطية (مع أنه مارس ضغطا محمودا للإفراج عن بعض السجناء السياسيين).

وبدلًا من ذلك دخل ترامب في «شراكة أعمال» مع بقايا نظام مادورو طالبا منهم تسليم النفط إذا أرادوا رفع الحصار النفطي الأمريكي المُنهِك - وتجنّب مصير أسوأ حتى من مصير مادورو.

زعم ترامب في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي أن فنزويلا «ستسلّم» ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط لتتولى الولايات المتحدة بيعها، وأن «هذه الأموال ستكون تحت سيطرتي». وبأي سلطةٍ قانونية يمتلك الرئيس نفطَ بلدٍ آخر ـ ثم، كما تقول شبكة CNN إنه يفكر في ذلك يُودِع العائدات في حسابات مصرفية خارجية تلتفّ على سلطة الكونجرس في التحكم بالإنفاق؟ من يدري؟ لقد قال ترامب لصحيفة «نيويورك تايمز»: «أنا لست بحاجة إلى القانون الدولي».

وطموحات ترامب الإمبراطورية لا تقتصر على فنزويلا؛ فبعد وقتٍ قصير من القبض على مادورو جدّد تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند من حليفة الناتو الدنمارك «بالطريقة السهلة» أو «بالطريقة الصعبة».

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو لأعضاء الكونغرس: إن ترامب يفضّل شراءها إن استطاع، لكن ذلك لا يبعث على الاطمئنان كثيرا، خصوصا أن روبيو نفسه كان قد أخبر الكونجرس قبل اعتقال مادورو بأن ترامب لا يسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا.

وقد أوضحت الدنمارك أن غرينلاند ليست للبيع. وإذا ما أقدم ترامب على ضمّها فسيكون ذلك على شاكلة نسخةٍ من القرن الحادي والعشرين لمعاهدة باريس لعام 1898 التي دفع فيها رئيس ترامب المفضّل الجدي ويليام ماكينلي مبلغا رمزيا قدره 20 مليون دولار للحصول على الفلبين (أما غوام وبورتو ريكو فحصلت عليهما الولايات المتحدة مجانا) بعد انتصارها على إسبانيا في ما وصفه وزير الخارجية جون هاي بأنه «حربٌ صغيرةٌ رائعة».

وفي أماكن أخرى من العالم ـ من أوكرانيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية ـ كان ترامب يلوّح بثقل الولايات المتحدة على أمل انتزاع حقوقٍ معدنية أو «حليّ» ثمينة أخرى (مثل محطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا).

يا لبُعد المسافة التي قطعناها منذ «المحافظين الجدد» في سنوات جورج دبليو بوش! كانت خطيئتُه المتغوِّلة -وقد شاركتُ فيها- إفراطا في المثالية بشأن قدرة الولايات المتحدة على تصدير الديمقراطية. أما الخطيئة المتغوِّلة في «الاستعمارية الجديدة» عند ترامب فهي غيابُ أي مثالية من الأساس. إنها عقيدةٌ ساخرة تلائم تماما رئيسا كرّس حياته لصناعة المال، لكنها تتعارض مع النزعات المثالية الراسخة منذ زمنٍ طويل في السياسة الخارجية الأمريكية. إنها تُذكّر بإمبريالية القرن التاسع عشر خالية من أي تبريرات سامية عن نشر المسيحية والحضارة الغربية.

وثمّة أسبابٌ كثيرة وجيهة تفسّر لماذا خرج الاستعمار من الموضة؛ فالتنافسُ الإمبراطوري على الموارد ساعد في إشعال حربين عالميتين، وصعودُ النازية أفقد الشرعياتِ العنصرية التي استُخدمت لتبرير حكم البيض لأصحاب البشرة الملوّنة ما تبقّى لها من مصداقية. ثم إن انتشارَ القومية يعني في ما يعنيه أن الناس لم يعودوا يقبلون بأن يحكمهم أجانب. وفي أوروبا قاد انتشارُ الديمقراطية الناخبين إلى المطالبة بأن تُنفق الأموال على الرفاه الاجتماعي لا على مغامرات الأرستقراطية في الخارج.

لقد رثت دولٌ أوروبية فقدانَ إمبراطورياتها بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها اليوم في حالٍ أفضل بكثير. وليس ذلك مصادفة؛ فالازدهارُ في العالم الحديث ينبع أساسًا من الموارد البشرية، لا من الموارد الطبيعية.

فالناتجُ المحلي الإجمالي للفرد في إسرائيل (التي لم يكن لديها حتى وقتٍ قريب نفطٌ أو غازٌ خاص بها) أعلى بنسبة 50 في المائة منه في السعودية.

ترامب عالقٌ في فقاعة «العصر المُذهّب»؛ حيث تُعدّ الرسومُ الجمركية شيئا حسنا، ويبدو الاستحواذُ الإمبراطوري على الموارد أفضلَ من ذلك. لكن المغامرات الإمبراطورية كثيرًا ما انقلبت على أصحابها في الماضي؛ فمثلا أدى ضمّ الولايات المتحدة للفلبين إلى اندلاع تمردٍ مسلح استغرق سنوات لإخماده (واحتاج إلى 126 ألف جندي أمريكي) قبل أن يُسحق.

ومخاطرُ سوء التقدير تلوح من جديد اليوم. إذا حاول ترامب الاستحواذ على غرينلاند فقد تُدمِّر الخطوةُ حلفَ شمال الأطلسي. وإذا واصل ابتزاز فنزويلا فقد يقود ذلك إلى انتفاضاتٍ معادية لأمريكا في أنحاء أمريكا اللاتينية. وإذا أمر بعملياتٍ عسكرية إضافية في الخارج فقد تُفضي إلى سقوط قتلى أمريكيين كما كادت عملية مادورو أن تفعل. فلماذا المخاطرة؟ أمريكا مكتفيةٌ ذاتيا من النفط، ولا تحتاج إلى نفط فنزويلا، والدنمارك تسمح أصلا للولايات المتحدة بملاحقة مصالحها الاقتصادية والأمنية في جرينلاند؛ لا حاجة إلى «الملكية».

قد يَسُرّ النائب آندي أوغلز (جمهوري ـ تينيسي) أن أمريكا أصبحت «قوة الافتراس المهيمنة في نصف الكرة الغربي»، لكن ملايين الناس مرجّحٌ أن تُصعقهم الفكرة. (ولهذا جاء الدعمُ الثنائي في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي لتقييد سلطة ترامب في شنّ الحرب في فنزويلا).

فالولايات المتحدة رغم نزواتها الإمبراطورية الخاصة وُلدت من كفاحٍ مناهضٍ للاستعمار، وظلّت طويلا تؤيد شعوبا أخرى تقاتل من أجل الحرية.

حتى «مبدأ مونرو» الذي يكثر ترامب من الاستشهاد به كان توبيخا للإمبريالية الأوروبية في أمريكا اللاتينية، لا تفويضا للإدارة الأمريكية التفصيلية. وبقلب مبدأ مونرو على رأسه يبدّد ترامب الرصيدَ الأخلاقي لأمريكا، ويدعو إلى ارتدادٍ عالمي ضد تمدده الجشع.